تهديدات ترامب بالانسحاب من الحلف الأطلسي ستسرع بجيش أوروبي وانقسام الغرب

تهديدات ترامب بالانسحاب من الحلف الأطلسي ستسرع بجيش أوروبي وانقسام الغرب
حسين مجدوبي
تهديد ترامب بالانسحاب من الناتو، سيقود حتما إلى كتلتين عسكريتين، أوروبية وأخرى أمريكية، وبما أن التحالفات العسكرية تقود تحالفات سياسية بعيدة المدى، سيصبح الغرب كتلتين، أوروبية وأخرى أمريكية.
يهدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بانسحاب الولايات المتحدة من منظمة شمال الحلف الأطلسي «الناتو» التي وصفها بنمر من ورق، لرفض الأعضاء الأوروبيين الانخراط في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران. ورغم صعوبة القرار، تبقى التساؤلات مطروحة حول الوضع الذي سيصبح عليه هذا التجمع العسكري في حالة تنفيذ واشنطن للتهديد، ثم هل سيكون مقدمة لجيش غربي نواته أوروبا بدل البنتاغون؟
وخلال ولايته الأولى ما بين 2017 إلى 2021، مارس الرئيس الأمريكي ترامب ضغوطا كبيرة على الدول الأوروبية لكي ترفع من ميزانية الدفاع والبحث العلمي العسكري إلى 5 في المئة من الناتج القومي الخام. ولم ينجح وقتها، إلا أن عودته في ولاية ثانية متقطعة ابتداء من 2025، جعلته يحول المطالب والضغط إلى تهديد مباشر، وما لبث أن تحول إلى تهديد بالانسحاب من الحلف بعدما رفض الأعضاء المشاركة في فتح مضيق هرمز الذي أغلقته طهران بسبب الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضدها. ويبقى التلويح بالتهديد أكبر أزمة يتعرض لها حلف الناتو منذ تأسيسه سنة 1949 حتى السنة الجارية.
وتعد عملية الانسحاب من الحلف الأطلسي صعبة للغاية، وفق الكثير من الآراء التي نشرتها جرائد كبرى مثل «ذي غارديان» و«الباييس» و«لوموند» و«أكسيوس». وهو موقف غريب من أكبر عضو في هذا التجمع وذلك بحكم أن واشنطن كانت هي المبادرة بتأسيسه في مواجهة الخطر العسكري السوفييتي بعد الحرب العالمية الثانية. سبب آخر، يحتاج قرار الانسحاب إلى التصويت عليه في الكونغرس والحصول على الثلثين. وتبقى الطريقة الوحيدة هي التجميد التقني لعضوية الولايات المتحدة من خلال قرار البنتاغون وقف المناورات العسكرية المشتركة مع الأوروبيين، من جهة، والمشاركة في وضع خطط الدفاع المشتركة والتحرك المشترك إبان الأزمات، وهذا سيقود إلى انتفاء البند الخامس الذي ينص على الدفاع المشترك، كما يعني بداية نهاية الغرب كتكتل موحد وانبثاق غرب أوروبي وغرب أمريكي. وكتبت الجريدة الرقمية الأمريكية «أكسيوس» الجمعة من الأسبوع الجاري بأن ترامب لا يمكنه الانسحاب ولكن يمكن أن يسبب في مشاكل كثيرة للحلف الأطلسي.
ولفهم حجم تأثير استمرار الحلف الأطلسي بدون الولايات المتحدة التي ستنسحب وفق تهديدات ترامب، من المهم معرفة كيفية عمل الحلف العسكري. فالناتو لا يملك قواتٍ مسلّحة خاصة به كما هو الحال في الدول. إذ يعلن الحلف صراحةً أنه «لا يمتلك قوات عسكرية خاصة»، بل يعتمد على الدول الأعضاء لتوفير الجنود والموظفين والمعدات والموارد اللازمة لتنفيذ عملياته ومهامه في مجال الردع. ويمتلك الحلف الأطلسي كتكل عسكري بعض طائرات الأواكس للمراقبة وسفنا وطائرات صهريج.
وحسب قوانين الحلف الأطلسي، فإن الحلف يقوم بتنظيم وإدارة وتفعيل وقيادة القوات الوطنية والمتعددة الجنسيات التي تضعها الدول الأعضاء تحت تصرفه، سواء بشكل دائم أو مؤقت. ويعني ذلك أن قوة الحلف لا تكمن فقط في عدد الموارد الوطنية المتاحة، بل أيضًا في مستوى التخطيط والتحضير والعلاقات القيادية وقابلية التشغيل البيني بين القوات المشاركة. يبقى السؤالُ الشائك: إذا نفّذ دونالد ترامب تهديده، فكيف سيبدو حلف شمال الأطلسي عسكريًا؟ فالحلف في جوهره ليس مجرد إطار للتنسيق الدبلوماسي أو السياسي، بل هو تكتل يقوم أساسًا على تقاسم الأعباء والقدرات العسكرية المشتركة.
أولا، فيما يتعلّق بالميزانية، تظلّ الولايات المتحدة أكبر مساهم عسكري داخل الحلف، سواء من حيث حجم الإنفاق أو القدرات. ووفقًا للتقرير السنوي الصادر عن الناتو، ساهمت الولايات المتحدة سنة 2025 بنحو 60 في المئة من إجمالي الإنفاق الدفاعي المشترك لدول الحلف، في حين توزّعت النسبة المتبقية، أي 40 في المئة، على أوروبا وكندا وتركيا. وظاهريا، يبدو أن هذا سيخلق مشاكل مالية كثيرة للحلف الأطلسي، إلا أن معطيات الواقع قد تقدم صورة أخرى، وهي أن انسحاب الولايات المتحدة سيعني تراجع المصاريف المالية التي كانت تستهلكها واشنطن كعضو في التكتل العسكري. وتبلغ ميزانية الحلف الأطلسي، أقل من أربعة مليار دولار، وهي ميزانية محدودة.
ثانيا، فيما يتعلق بما هو عسكري وهو الأهم، عمليا من الناحية العسكرية الصرفة، سيظل الناتو، حتى من دون أمريكا، قوة كبيرة من حيث العدد. علاقة بعدد الجنود للدول الأعضاء، فهو يصل إلى قرابة مليون و900 ألف جندي، وتتوفر الدول الأعضاء على أكثر من 2400 طائرة مقاتلة مثل رافال الفرنسية ويوروفايتر الأوروبية وغربين السويدية وإف 18 وإف 35 الأمريكية، ومئات السفن الحربية ومنها حاملات طائرات التي لدى إيطاليا وفرنسا وبريطانيا وعشرات الغواصات ومنها النووية، ثم آلاف المدرعات والدبابات، والأساسي أن الحلف الأطلسي بدون الولايات المتحدة سيستمر قوة نووية بفضل السلاح النووي لكل من فرنسا وبريطانيا. وتبقى نقطة ضعف الحلف الأطلسي إذا انسحبت الولايات المتحدة في الأقمار الاصطناعية الكافية من أجل الاستطلاع ثم سرعة الانتشار بحكم أن البحرية الأمريكية منتشرة حول الكرة الأرضية بفضل أساطيلها الستة. نعم ستصبح أوروبا دفاعية أكثر منها هجومية بسبب غياب الدعم الذي كانت توفره القاذفات الأمريكية مثل بي 52 ومقاتلات من طراز ف 22 كأسلحة للمدى البعيد.
سيحمل التهديد الأمريكي بالانسحاب من الحلف الأطلسي تحديات ستدفع أوروبا إلى الإسراع بتأسيس الجيش الأوروبي ومشاركة دول أخرى مثل تركيا وكندا وربما دول مثل المغرب، وذلك على أنقاض الحلف الأطلسي. وبادر رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى التأكيد على هذا التوجه، حيث صرح الجمعة من الأسبوع الجاري أن على أوروبا أن تتحرك وتخطو خطوة إلى الأمام في إنشاء جيش أوروبي.
ولهذا السبب، أكد أن إسبانيا «مستعدة» للقيام بذلك «ليس بعد عشر سنوات، ولا بعد سنتين، بل الآن، غدًا بالذات». وتابع «من يعتقد أن هذا القرار اختياري فهو مخطئ، القوى المتوسطة التي تتألف منها الاتحاد الأوروبي في عالم اليوم ليست لديها سوى طريقة واحدة لإثبات وجودها من وجهة نظر الأمن والدفاع، وهي بناء دفاع مشترك».
وهكذا، تجمع الكثير من التقارير لمراكز التفكير الاستراتيجي في أوروبا والمهتمين بالدراسات الجيوسياسية أن حديث الدول الأوروبية عن الاستقلالية الاستراتيجية قد بدأ يرى النور خلال الشهور الأخيرة على ضوء تطورات حرب أوكرانيا وتراجع الثقة في واشنطن بسبب ترامب. وإن كان الاتحاد الأوروبي لا يبرز بشكل واضح خطة تحمل رسمياً اسم «جيش الاتحاد الأوروبي»، لكنه بدأ يضع الأسس الحقيقية لدفاع أكثر تنسيقا وفعالية وأقل اعتماداً على واشنطن. وعلاوة على هذا، دخل في تشجيع الصناعة العسكرية الحربية للتقليل من الاعتماد على السلاح الأمريكي، وإن كان ما زال مهما بسبب أنظمة الدفاع الجوي مثل باتريوت ومقاتلات إف 35. ومن أبرز الخطوات السياسية، كان التفكير الأوروبي الموحد في جميع العواصم الكبرى مثل مدريد وروما ولندن وباريس وبرلين بأنه لا للمشاركة في حرب غير قانونية «الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران» لأنها ضد المصالح الأمنية لأوروبا.
إن تهديد ترامب بالانسحاب من الحلف الأطلسي، سيقود حتما إلى كتلتين عسكريتين، أوروبية وأخرى أمريكية، وبما أن التحالفات العسكرية تقود تحالفات سياسية بعيدة المدى، سيصبح الغرب كتلتين، كتلة أوروبية وأخرى أمريكية.
ـ «القدس العربي»:




