تحقيقات وتقارير

تواصل الاحتجاجات في تونس… هل يكفي تعديل المرسوم 54 لاحتواء الاحتقان الاجتماعي والمهني؟

تواصل الاحتجاجات في تونس… هل يكفي تعديل المرسوم 54 لاحتواء الاحتقان الاجتماعي والمهني؟

روعة قاسم

التعديل لم يلغ المرسوم 54 ولم يرفع جميع العقوبات السالبة للحرية الواردة في الفصل 24، وإنما أعاد ترتيبها وشروط تطبيقها.

تونس ـ : لم يكن الجدل الذي رافق المرسوم عدد 54 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال مجرد نقاش قانوني حول حدود التجريم والعقوبات، بل كان يعكس حالة أوسع من الانشغال بمسألة الحريات العامة وحرية التعبير وضمانات العمل السياسي والمدني. ولذلك حظي تعديل هذا المرسوم باهتمام واسع، باعتباره استجابة لأحد المطالب التي ظلت مطروحة في الساحة الحقوقية والسياسية. غير أن ما تشهده البلاد من تحركات احتجاجية صادرة عن قطاعات مهنية واجتماعية مختلفة يؤكد أن معالجة ملف الحريات، على أهميتها، لا تعني بالضرورة أن أسباب الاحتقان قد زالت، ولا أن مناخ الاحتجاج قد أصبح جزءا من الماضي.
ففي تونس اليوم، تتواصل التحركات المطلبية بأشكال متعددة، وتعود قطاعات مهنية مختلفة إلى التعبير عن مشاغلها من خلال البيانات والوقفات الاحتجاجية والاضرابات والتهديد بالتصعيد. وهي تحركات لا يجمع بينها بالضرورة موضوع واحد أو خلفية موحدة، لكنها تلتقي عند وجود مطالب ترى الجهات المعنية أنها لم تجد طريقها إلى المعالجة، أو أن قنوات الحوار والتفاوض لم تعد قادرة على إنتاج الحلول المنتظرة، وهذا ما يجعل قراءة المشهد الاجتماعي والمهني ضرورة لفهم طبيعة المرحلة، بعيدا عن اختزال الاحتجاجات في مجرد أحداث قطاعية معزولة.
فالاحتجاج ليس بالضرورة تعبيرا عن موقف سياسي، كما أنه لا يعني تلقائيا رفض السياسات العامة أو معارضة مؤسسات الدولة، إذ كثيرا ما يكون وسيلة أخيرة تلجأ إليها الهياكل المهنية عندما تشعر بأن مطالبها لم تجد الاستجابة المطلوبة. لكن تكرار هذه التحركات واتساع المجالات التي تشملها يطرحان سؤالا جوهريا حول قدرة منظومة الحوار الاجتماعي والمؤسساتي على استيعاب الخلافات قبل أن تتحول إلى أزمات مفتوحة.

مشاكل تتجاوز المطالب القطاعية

ومن أبرز الأمثلة التي تعكس استمرار هذا المناخ الاحتجاجي ما أعلن عنه الفرع الجهوي للمحامين بجندوبة يوم 5 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، إثر اجتماع عام خُصص للتداول في المشاغل المهنية وظروف العمل والصعوبات التي تواجه المحامين والمتقاضين في محاكم الجهة. فقد كشف البيان الصادر عن الفرع عن نقص في عدد القضاة وكتبة المحاكم، وتردي البنية التحتية، والاكتظاظ وكثرة الملفات المنشورة بمكاتب التحقيق وطول آجال البت فيها، وهي نقائص لا تتعلق فقط بالظروف المهنية للمحامين، بل تمس بصورة مباشرة حق المواطن في النفاذ إلى العدالة والمحاكمة العادلة وضمان حقوق الدفاع.
ولعل ما يلفت الانتباه في هذا الملف أن بعض النقائص المطروحة ليست جديدة، إذ يشير المحامون إلى أن المحكمة العقارية بجندوبة، منذ إحداثها، لا تتوفر حتى على قاعة جلسات خاصة بها، الأمر الذي يضطرها إلى عقد جلساتها بمحكمة الناحية. كما طالبوا بتفعيل الأمر المتعلق بإحداث الإدارة الجهوية لوزارة العدل بجندوبة، والذي يعود إقراره إلى سنة 2017، وسد الشغور بمكتب التحقيق الثاني. وأمام ما اعتبروه عدم تفاعل سلطة الإشراف مع مطالبهم، قرروا حمل الشارة الحمراء بداية من 11 تشرين الثاني/نوفمبر إلى غاية 25 تشرين الثاني/نوفمبر، وتنظيم وقفة احتجاجية أمام مقر المحكمة الابتدائية بجندوبة يوم 2 كانون الثاني/ديسمبر، مع الاحتفاظ بحقهم في خوض تحركات أخرى إذا لم تتم الاستجابة لمطالبهم.
ويكشف هذا الاحتجاج وجها آخر من وجوه الاحتجاج في تونس، لا يرتبط بحرية التعبير أو الملاحقات بسبب الآراء، أو بالزيادة في الأجور، وإنما بمدى قدرة المرافق العمومية على أداء وظائفها الأساسية. فحين يشتكي المحامون من نقص القضاة والكتبة وغياب الفضاءات الملائمة للعمل، فإن المسألة تتجاوز القطاع المهني لتصبح قضية تتعلق بجودة العدالة ونجاعة المؤسسة القضائية وثقة المواطن فيها. ولا يمكن الحديث عن دولة القانون والمؤسسات بدون توفير الشروط المادية والبشرية التي تجعل العدالة متاحة وناجزة وقادرة على حماية الحقوق.
وفي قطاع آخر، تتجلى صورة الاحتقان من خلال موقف الجامعة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي، التي أعلنت بدورها عن عقد هيئة إدارية قطاعية وطنية يوم 8 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري للنظر في مستجدات ملف مشروع القانون الأساسي الخاص بالمدرسين الجامعيين. وكذلك بحث الخطوات النضالية الممكنة ردا على ما اعتبرته تعاملا أحاديا من قبل وزارة الإشراف وإقصاء للطرف الاجتماعي.
وتتمحور الأزمة، وفق ما أوردته الجامعة، حول شروع الوزارة في إعداد المشروع وتوجيه استبيان إلكتروني إلى الجامعيين عبر رؤساء الجامعات، بدون التنسيق المسبق مع الجامعة العامة أو إعلامها، رغم وجود اتفاق سابق على إحداث لجنة مشتركة للنظر في الملف. كما أثارت الجامعة تحفظات تتصل بعدم شمول المشروع مختلف الأسلاك الجامعية، وخاصة المبرزين والتكنولوجيين، فضلا عن غياب توضيحات بشأن المفعول المالي للتغييرات المقترحة وانعكاساتها على المسارات المهنية والحقوق والمكتسبات وظروف عمل المدرسين الجامعيين.
فالأمر لا يتعلق بمجرد خلاف إداري حول استبيان أو طريقة إعداد نص قانوني، بل بمسألة أوسع تتصل بمفهوم الشراكة الاجتماعية ومدى إشراك الهياكل المهنية في القرارات التي تحدد مستقبل منظوريها. فالجامعة العمومية ليست مجرد فضاء للتدريس والبحث، وإنما مؤسسة وطنية ترتبط بجودة التكوين والبحث العلمي ومستقبل الأجيال، وأي إصلاح لنظامها الأساسي ينبغي أن يستند إلى حوار جدي يضمن الاستماع إلى مختلف الأطراف المعنية.
وإذا وضعنا التحركين في سياقهما، يتبين جليا أن الاحتجاجات لا تقتصر على قطاع بعينه، كما أن دوافعها ليست متطابقة. فالمحامون يتحدثون عن نقائص مادية وبشرية تمس مرفق العدالة، والجامعيون يعترضون على طريقة إدارة ملف مهني وتشريعي يمس حقوقهم ومستقبل الجامعة. لكن القاسم المشترك بينهما هو الشعور بوجود فجوة بين المطالب المعلنة من جهة، وآليات الاستجابة والتفاوض من جهة أخرى. وهذه الفجوة، إذا اتسعت، يمكن أن تحول الملفات القابلة للحل عبر الحوار إلى أزمات متكررة.

تعديل المرسوم 54 خطوة منقوصة

وفي خضم هذه التطورات، يكتسب تعديل المرسوم عدد 54 أهمية خاصة، باعتباره أحد أبرز الملفات التي أثارت جدلا واسعا خلال السنوات الأخيرة، وارتبطت بها مطالب الصحافيين والمحامين والمنظمات الحقوقية والمدافعين عن حرية التعبير. فقد صدر المرسوم عدد 1 لسنة 2026 المؤرخ في 30 أيلول/سبتمبر، والمنقح للمرسوم عدد 54 لسنة 2022، بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية، متضمنا تعديلات على الفصل 24 المتعلق بالعقوبات الخاصة بنشر الأخبار والبيانات والإشاعات والوثائق الكاذبة أو المزورة عبر أنظمة المعلومات والاتصال.
وقد تمثلت أبرز التغييرات في استبدال العقوبة بالسجن، بالنسبة إلى الجرائم الواردة بالفصل المذكور عند ارتكابها للمرة الأولى، بغرامة مالية تتراوح بين عشرة آلاف وعشرين ألف دينار، مع الإبقاء على عقوبة سجنية مدتها ستة أشهر وغرامة قدرها خمسون ألف دينار في حالة العود. كما نص التنقيح على مضاعفة العقوبات إذا كان الشخص المستهدف موظفا عموميا أو من في حكمه، واستثنى حالة العود من تطبيق أحكام الفصل 53 من المجلة الجزائية. وبذلك فإن التعديل لم يلغ المرسوم 54 ولم يرفع جميع العقوبات السالبة للحرية الواردة في الفصل 24، وإنما أعاد ترتيبها وشروط تطبيقها.
ولا شك أن هذا التعديل يمثل تطورا تشريعيا في معالجة أحد الملفات التي أثارت اعتراضات واسعة، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية النقاش بشأن المرسوم، ولا الاستجابة إلى جميع المطالب التي رافقت الدعوة إلى مراجعته أو إلغائه. فالمسألة لا تتعلق بالعقوبة وحدها، بل أيضا بمدى وضوح الأفعال المجرّمة وضمان عدم توظيف النصوص القانونية بصورة تمس حرية الصحافة والتعبير والنقد. ومع ذلك، فإن الأهم هو أن تعديل هذا المرسوم لم يؤد إلى توقف التحركات المهنية والاجتماعية، لأن هذه التحركات تنطلق من ملفات أخرى لا علاقة مباشرة لها بالتجريم أو بحرية النشر.
وهنا ينبغي التمييز بين مجالين مختلفين، وإن كانا يلتقيان في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. فحرية التعبير تقتضي توفير الضمانات القانونية التي تحمي المواطنين والصحافيين والفاعلين المدنيين من التضييق، بينما يقتضي الاستقرار الاجتماعي والمهني معالجة الملفات المطلبية عبر الحوار والاستجابة للمشاكل الواقعية. ولا يمكن أن يحل تعديل نص قانوني محل إصلاح مرفق قضائي يعاني نقصا في الإطار البشري، أو أن يعوض حوارا اجتماعيا غائبا في ملف يهم آلاف الجامعيين.
إن استمرار هذه التحركات يطرح، في العمق، سؤالا حول طبيعة المقاربة المعتمدة في التعاطي مع المطالب الاجتماعية والمهنية. فهل يكفي انتظار تصاعد الاحتجاجات حتى تتحرك سلطة الإشراف؟ ولماذا لا يقع تفعيل آليات الحوار والتفاوض قبل الوصول إلى إعلان الإضرابات والوقفات الاحتجاجية وحمل الشارات الحمراء؟ ثم ما جدوى الاتفاقيات التي تبرم بين الهياكل المهنية والوزارات إذا لم تجد طريقها إلى التنفيذ، أو إذا جرى تجاوز الأطراف التي ساهمت في صياغتها عند اتخاذ القرارات؟
إن الاحتجاج في حد ذاته ليس ظاهرة سلبية، ولا ينبغي النظر إليه باعتباره تهديدا للاستقرار كلما عبر قطاع مهني عن مطالبه. ففي المجتمعات التي تقوم على المؤسسات والقانون، يمثل الحق في الاحتجاج إحدى آليات التعبير عن الاختلاف والدفاع عن المصالح والحقوق. لكن المطلوب هو أن تكون هذه الآلية جزءا من منظومة حوار منتظمة، لا أن تتحول إلى الوسيلة الوحيدة التي تشعر من خلالها القطاعات المهنية بأن صوتها مسموع.
إن تعدد التحركات وتزامنها يستوجبان قراءة أوسع للمشهد، لأن معالجة كل ملف بصورة منفصلة قد لا تكفي إذا كانت هناك مشاكل مشتركة تتعلق بضعف التنسيق، وبطء الاستجابة، وتعثر تنفيذ التعهدات، وغياب التواصل الفعال بين سلطة الإشراف والهياكل المعنية. كما أن تحميل الاحتجاجات جميعها خلفية سياسية واحدة من شأنه أن يحجب طبيعة المطالب الحقيقية، مثلما أن التعامل معها باعتبارها مجرد خلافات قطاعية عابرة قد يؤدي إلى التقليل من أهمية المؤشرات التي تحملها.

«القدس العربي»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب