تونس: تجدد المطالب الحقوقية والتحركات الاجتماعية في خضم حذر القيادة النقابية

تونس: تجدد المطالب الحقوقية والتحركات الاجتماعية في خضم حذر القيادة النقابية
روعة قاسم
أصدرت كبرى المنظمات الوطنية بيانا مشتركاً يحذر من الاستعمال السياسي للقوانين وتوظيف المرسوم 54 لتكميم الأفواه، وسط وقفة احتجاجية طالبت بإنهاء ما وصفته بمحاولات تحويل البلاد إلى سجن كبير.
تونس ـ : شهدت العاصمة تونس، أسبوعا حافلا بالتحركات الميدانية حيث تقاطعت مطالب الحق في الشغل والعمل مع نداءات إطلاق سراح المعتقلين على خلفية قضايا سياسية، في مشهد يضع السلطة والمجتمع المدني في مواجهة مباشرة بين البرلمان والمحاكم.
في محيط مجلس نواب الشعب، تصاعدت شعارات «أصحاب الشهائد العليا» ممن طالت بطالتهم، تزامنا مع جلسة استماع لوزير التشغيل. المحتجون الذين رفعوا شعارات حادة طالبوا بالانتقال من «الوعود الرقمية» إلى التطبيق الفعلي للقانون عدد 18 لسنة 2025. ويرى هؤلاء أن سياسة المماطلة في إصدار الأوامر الترتيبية والروزنامة الزمنية للمنصة الرقمية لم تعد مقبولة، خاصة بعد وعود رئيس الجمهورية في ذكرى عيد الشهداء.
وعلى بُعد مسافة قصيرة، كانت الدائرة الجنائية بمحكمة الاستئناف تنظر في قضية الإعلاميين برهان بسيس ومراد الزغيدي بتهم تتعلق بـ«غسيل الأموالـ«. هذا المسار القضائي قوبل بموجة تضامن حقوقي واسعة، حيث أصدرت كبرى المنظمات الوطنية كالنقابة الوطنية للصحافيين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بيانا مشتركاً يحذر من «الاستعمال السياسي للقوانين» وتوظيف المرسوم 54 لتكميم الأفواه، وسط وقفة احتجاجية طالبت بإنهاء ما وصفته بـ«محاولات تحويل البلاد إلى سجن كبير».
هذا الحراك الاجتماعي والسياسي المتداخل في تونس تتقاطع فيه ثلاثة مسارات رئيسية تعكس عمق الأزمة البنيوية التي تمر بها البلاد. إذ تصاعد المطالب بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، مع عودة احتجاجات المعطلين عن العمل في ظل بطالة مزمنة، وحالة من الصمت الحذر التي تميز القيادة الجديدة للاتحاد العام التونسي للشغل. هذه المسارات لا يمكن قراءتها بمعزل عن بعضها البعض، بل تشكل في مجموعها مؤشرا على مرحلة انتقالية دقيقة تتسم بالاحتقان، ولكن أيضا بالترقب وإعادة التموضع.
في قلب هذا المشهد المتحرك، برزت خلال الأشهر الأخيرة تحركات تطالب بإطلاق سراح المعتقلين، سواء من السياسيين أو النشطاء أو الإعلاميين، في مؤشر لافت على عودة ملف الحريات إلى صدارة النقاش العام بعد فترة من التراجع النسبي. ويرى البعض أن هذه المطالب لم تعد حكرا على أطراف المعارضة التقليدية التي اعتادت رفع هذا الشعار، بل بدأت تتسع تدريجيا لتشمل طيفا أوسع من الفاعلين، من منظمات المجتمع المدني إلى شخصيات عامة، بل وحتى بعض القوى التي كانت إلى وقت قريب تميل إلى الحذر أو الاصطفاف في منطقة رمادية بين الدعم والصمت. هذا التوسع في دائرة المطالبين لا يعكس فقط تغيرا في مواقف النخب، بل يدل أيضا، وبحسب هؤلاء، عن تحول أعمق في المزاج العام، حيث لم يعد ملف الاعتقالات يُنظر إليه برأيهم كقضية سياسية ضيقة، بل كمسألة تمس جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع.
وقد تجلى هذا التحول بحسب هؤلاء من خلال المسيرات التي شهدتها العاصمة، حيث ارتفعت شعارات تدعو إلى إنهاء ما يصفه المحتجون بـ«توظيف القضاء» وتطالب بإطلاق سراح من سموهم بـ«سجناء الرأي». هذه الشعارات، بما تحمله من دلالات، تكشف عن انتقال الخطاب بحسب هؤلاء من مجرد المطالبة بالإفراج إلى التشكيك في الإطار الذي تمت فيه هذه الإيقافات، وهو ما يعكس برأيهم إمكانية تصاعد منسوب التوتر وانحسار الثقة في المؤسسات لدى جزء من الرأي العام. كما يرى هؤلاء أن تكرار هذه الاتهامات في أكثر من مناسبة ومن أكثر من جهة يمنحها ثقلاً سياسياً، حتى وإن ظلت محل رفض من قبل السلطة التي تؤكد في المقابل على استقلالية القضاء وشرعية الإجراءات المتخذة.
غير أن الأهم في هذا الحراك برأيهم لا يكمن فقط في طبيعته الاحتجاجية، بل في دلالاته العميقة. فهو لا يعكس بحسب هؤلاء رفضاً لوضعيات فردية بقدر ما يعبر عن إعادة ترتيب لأولويات الرأي العام. فبعد سنوات تركز فيها الخطاب السياسي على قضايا مثل الاستقرار، ومحاربة الفساد، واستعادة هيبة الدولة، بدأ جزء من التونسيين يعيد طرح سؤال الحريات باعتباره معياراً أساسياً لتقييم المرحلة. وهذا التحول لا يعني بالضرورة تراجع أهمية الملفات الأخرى، ولكنه يشير بحسب البعض إلى وعي متنام بأن تحقيق الاستقرار لا يمكن أن يتم بمعزل عن ضمان الحقوق، وأن مكافحة الفساد لا ينبغي أن تكون على حساب دولة القانون.
وفي هذا السياق، يعود النقاش تدريجيا إلى مسألة التوازن الدقيق بين السلطة والحقوق، وهو توازن لطالما شكل أحد أعمدة التجربة التونسية منذ 2011. إلا أن ما يميز المرحلة الحالية هو أن هذا النقاش يأتي في ظل شعور متزايد بـ«الانسداد السياسي»، حيث تبدو قنوات التعبير التقليدية محدودة، والحوار بين مختلف الأطراف شبه معطل. هذا الوضع يساهم بدوره في تغذية الإحساس بـ«تراجع منسوب الثقة»، سواء في المؤسسات أو في الفاعلين السياسيين، وهو ما يفسر جزئياً عودة الشارع كفضاء للتعبير والضغط.
ملف البطالة
بموازاة ذلك، يتجدد الحديث عن ملف البطالة، ولكن هذه المرة في شكل أكثر حدة وتنظيماً. فقد عاد بعض المعطلين عن العمل، وخاصة من أصحاب الشهادات العليا الذين طالت بطالتهم، إلى الشارع للمطالبة بتنفيذ وعود سابقة بالتشغيل. هذا الحراك يستند إلى شعور متراكم بالإقصاء، حيث يعتبر المحتجون أن الدولة لم تفِ بالتزاماتها، وأن سياسات التشغيل لم تعد قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الباحثين عن العمل.
ولا تقتصر الاضرابات والتحركات التي يقودها هؤلاء على المطالب الاجتماعية، بل تحمل في طياتها أبعاداً سياسية واضحة، إذ يتم توجيه الانتقادات مباشرة إلى السلطة، خاصة فيما يتعلق بالوعود التي تم تقديمها خلال السنوات الماضية حول إيجاد حلول جذرية لملف الذين طالت بطالتهم. ومع غياب نتائج ملموسة، يتحول هذا الملف إلى أحد أبرز مصادر التوتر الاجتماعي، خصوصاً في الجهات الداخلية التي تعاني تاريخياً من التهميش.
ويعيد هذا التداخل بين الاجتماعي والسياسي إلى الأذهان تحركات ما قبل 2011، حيث كانت البطالة أحد المحركات الأساسية للاحتجاج. غير أن الفارق اليوم يكمن في أن الدولة تواجه هذه المطالب في سياق اقتصادي أكثر هشاشة، مع محدودية الموارد وارتفاع الضغوط المالية، ما يجعل الاستجابة أكثر تعقيداً.
أما المركزية النقابية، الاتحاد العام التونسي للشغل، فيقف في موقع دقيق في علاقة بهذه التحركات. فمن جهة، لا يمكنه تجاهل تصاعد الاحتقان الاجتماعي، ومن جهة أخرى تبدو قيادته حذرة من الدخول في مواجهة مباشرة مع السلطة. وقد عبرت هياكله في وقت سابق عن مواقف انتقدت من خلالها غياب الحوار الاجتماعي وتدهور الأوضاع الاقتصادية.
لكن اللافت في هذه المرحلة هو ما يمكن وصفه بـ«الصمت النسبي» أو «النضال الصامت» للقيادة النقابية الجديدة. فبالرغم من إعلان الاتحاد عن إمكانية تنفيذ إضراب عام، إلا أن هذا القرار ظل معلقاً ومؤجلاً في انتظار توافقات داخلية أو معطيات سياسية أكثر وضوحاً.
ويعكس هذا التريث إدراكا بحساسية المرحلة، حيث أن أي تصعيد نقابي واسع قد يؤدي إلى مزيد من التوتر في ظل غياب قنوات الحوار مع السلطة. كما يعكس أيضاً وجود رهانات داخلية مرتبطة بإعادة ترتيب البيت النقابي بعد سنوات من التجاذبات، وهو ما يجعل القيادة الحالية تميل إلى إدارة الخلاف بحذر، بدل المواجهة المباشرة.
إلا أن هذا الخيار لا يخلو من مخاطر، إذ قد يُفسر من قبل قواعد الاتحاد أو من قبل المحتجين على أنه نوع من التراجع أو العجز عن لعب الدور التاريخي للمنظمة كقوة ضغط اجتماعي. وفي ظل تصاعد الاحتجاجات، قد تجد القيادة النقابية نفسها مضطرة إلى اتخاذ مواقف أكثر وضوحاً، خاصة إذا استمر غلق باب الحوار.
في هذا السياق، تبدو العلاقة بين السلطة والاتحاد محكومة بتوازن دقيق بين التصعيد والاحتواء. فمن جهة، هناك مؤشرات على إمكانية حصول توتر متصاعد، خاصة مع الحديث عن تهميش دور الاتحاد في التفاوض الاجتماعي، ومن جهة أخرى لا تزال هناك دعوات متكررة للحوار، ما يعكس إدراكاً متبادلا بخطورة القطيعة الكاملة.
إن قراءة هذه التطورات في مجملها تكشف بنظر البعض عن مرحلة تتسم بإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالحراك المطالب بإطلاق سراح المعتقلين يعيد طرح سؤال الحريات، واحتجاجات المعطلين تعيد طرح سؤال العدالة الاجتماعية، بينما يعكس موقف الاتحاد محاولة لإعادة تعريف دوره في سياق سياسي جديد.
هذه المرحلة وصفها البعض بمرحلة «الصمت المعبر»، وهي مؤشر على تراكم الضغوط وغياب التفاعل الإيجابي بين مختلف المكونات. فكل طرف يمضي في خياراته غير عابئ بالطرف الآخر. فالسلطة تتصلب في مواقفها، والمحتجون يرفعون سقف مطالبهم تدريجيا، والاتحاد يراقب ويحاول التموقع دون خسارة أوراقه.
وتظل مآلات هذه المرحلة مفتوحة على عدة سيناريوهات. فإما أن يتم استيعاب هذا الحراك عبر فتح حوار سياسي واجتماعي شامل يعيد بناء الثقة، أو أن يستمر الوضع على حاله بما يحمله من مخاطر انفجار اجتماعي أوسع. وفي كلتا الحالتين، يبدو أن تونس تقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم، حيث لم يعد ممكنا تأجيل معالجة القضايا الجوهرية التي تعيد إنتاج الأزمة في كل مرة بشكل أكثر تعقيدا.
«القدس العربي»




