جدل المواصفات والمقاييس يعود للمشهد الأردني: كيف تطبق مبادئ المسؤولية الأدبية؟

جدل المواصفات والمقاييس يعود للمشهد الأردني: كيف تطبق مبادئ المسؤولية الأدبية؟
بسام البدارين
الأصوات البرلمانية التي تطالب بالالتزام بمعيار المسؤولية الأدبية لن تقف عند حدود الترحيب بقرار إقالة الموظفة المختصة بالمواصفات والمقاييس باعتبارها ضحية لعملية احتواء سياسي بالمعنى الإداري.
عمان ـ «القدس العربي»: استعادت ذاكرة الأردنيين الشعبية على نحو مفاجئ خطابا مصورا لمدير المواصفات والمقاييس الأسبق حيدر الزبن يحذر فيه الشعب من نتائج اقتراح الحكومة ويقصد حكومة الدكتور عمر الرزاز، لتعديلات على القانون الحاكم لصلاحيات المواصفات والمقاييس بعد إقالته من منصبه، مشيرا إلى أن التعديلات مريبة وهدفها عبور السلع والمنتوجات بدون رقابة حقيقية وعبور السلع والمنتجات الإسرائيلية بدون ملصق يوضح منشأها.
المداخلة المصورة للزبن قديمة وسجلت قبل سنوات، لكن الذاكرة الخاصة بالأردنيين نفضت عنها الغبار وأعادت ترويجها بعدما قررت حكومة الدكتور جعفر حسان إحالة المسؤولة الحالية عن المواصفات والمقاييس إلى التقاعد على خلفية ملف تحقيقات مدفأة الشموسة.
الرأي العام الأردني استعاد بوضوح ذلك الفيديو بعد إقالة مديرة المواصفات الأخيرة عبير الزهير بعد نحو 4 سنوات من تعيينها.
الخطوة لم تعجب عضو مجلس النواب أحمد هميسات، فوجه سؤالا للحكومة عن ما إذا كانت الزهير استهدفت شخصيا؟
والقصد الإيحاء بأن الموظفة الكبيرة أخرجت من الوظيفة لحماية من هم أعلى منها في الهرم البيروقراطي والإداري وفي الوزارة، حيث طالب نواب باستقالة الوزير يعرب القضاة شخصيا، ضمن مسار المسؤولية الأدبية بعد وفاة 10 مواطنين بالاختناق جراء إدخال مدافئ لم تراقب مواصفاتها إلى الأسواق.
قالت بيانات الأمن العام إن سبب حالات الوفاة اختناق في الغاز جراء استخدام مدفأة من ماركة محددة باسم الشموسة، ثم أغلقت 3 مصانع. وصدر تقرير فني أولي يكشف أسباب الخلل المصنعي التي نتجت عنها حالات الوفاة.
لاحقا للحادث المفجع اتخذت الحكومة عدة إجراءات، وقبل صدور تحقيق فني من جهة الجمعية العلمية الملكية جمعت أكثر من 5000 قطعة من المدفأة المخصصة للفقراء والتي يتردد أنها مخصصة لأغراض التدفئة في الهواء الطلق والنزهات، وليس داخل الغرف، فيما أعلنت وزارة الصناعة والتجارة مساء الأربعاء الماضي عن حظر تلك السلعة تماما بمعنى إغلاق ثلاثة مصانع تنتجها للسوق المحلية وسحب كامل المنتج من الأسواق.
القرار بإقالة موظفة كبيرة في وزارة الصناعة والتجارة لم يساهم في تهدئة خواطر أعضاء مجلس النواب، فقد نشر فيديو لاجتماع إحدى اللجان البرلمانية مع وزير الصناعة والتجارة تطرح خلاله أسئلة لها علاقة بهرم المسؤولية البيروقراطية. والمعنى هنا أن الحكومة وقبل إحالة الملف إلى القضاء وصدور قرار قضائي مرجعي، قررت معاقبة مديرة بارزة في وزارة الصناعة والتجارة بإحالتها على التقاعد. وهو إجراء يوحي ضمنا بأن الحكومة تقر وتعترف بحصول تقصير إداري نتجت عنه مشكلة اختناق بالغاز والاستخدام السلبي لإحدى المدافئ التي تسربت للأسواق بدون رقابة حقيقية.
هذا الإقرار تطبق الحكومة عبره عمليا مبدا المسؤولية الأدبية، لكن من القاعدة إلى القمة وليس العكس. فأعضاء مجلس النواب طالبوا باستقالة وزير الصناعة والتجارة شخصيا.
أغلب التقدير أن الأصوات البرلمانية التي تطالب بالالتزام بمعيار المسؤولية الأدبية لن تقف عند حدود الترحيب بقرار إقالة الموظفة المختصة بالمواصفات والمقاييس باعتبارها ضحية لعملية احتواء سياسي بالمعنى الإداري.
يعني ذلك أن أصوات البرلمانيين قد تواصل الطرق على أبواب الحكومة تحت عنوان التطبيق الهرمي لمبدأ المسؤولية الأدبية مع مقترحات بتعميم القاعدة واستقالة وزراء.
إحالة ملف القضية إلى القضاء مؤشر حيوي على تهمة مفترضة قد يتم تثبيتها بعد التحقيق القضائي لها علاقة بالتسبب بالوفيات، وبما أن التهمة موجودة لابد من وجود متهمين المرجح أن يكونوا بين موظفين أو منتجين. عمليا التقرير الفني أدان تلك الماركة من المدافئ المخصصة لذوي الدخول المحدودة والطبقات الفقيرة فقط.
وتحدثت تقارير الجمعية العلمية الملكية عن خلل تقني وفني تسبب بحالة الاختناق جراء تسرب الغاز المميت ونقص الإمداد بالأكسجين المطلوب مع احتمالية حصول استعمال خاطئ.
كما تحدثت عن مدفأة لا تستخدم فيها ساعة تصفية خاصة منصوص عليها بالتعليمات المرتبطة بالمقاييس والمواصفات وعن خلل في الأنبوب الذي يستخدم لنقل الغاز عند إشعال تلك المدفأة خارج المواصفات والمقاييس.
بالمنطق الفني والتقني والبيروقراطي وجود خلل في سلعة من هذا النوع يقع بالتأكيد ضمن مسؤولية وزارة الصناعة والتجارة.
واجب مديرية المواصفات والمقاييس التي تشكل جهة الاختصاص مراقبة السلع الموجودة في الأسواق سواء كانت مستوردة أو محلية الصنع. لكن هذه النتيجة التقنية توحي مجددا بأن الصناعة المحلية في العديد من المفاصل الصغيرة لا يبدو أنها تطبق معها نفس المعايير الصارمة المتعلقة بالاستيراد من الخارج، الأمر الذي انتهى بوفاة 10 أشخاص على الأقل ضمن أزمة الشموسة التي تدحرجت.
الأسئلة البيروقراطية والإدارية ثم السياسية تنهال على الحكومة، وأغلب التقدير أن إحالة ملف الوفيات إلى القضاء مسألة وإصرار النواب على المطالبة بتطبيق هرمي لمبدأ المسؤولية الأدبية مسألة أخرى تماما يمكن إعادة التدرج في قراءتها.




