“حتى الرضع إرهابيون”.. هكذا أصبح الانتقام ونظرية “الأمن الدائم” وصفة إسرائيلية لارتكاب جرائم ضد الإنسانية

“حتى الرضع إرهابيون”.. هكذا أصبح الانتقام ونظرية “الأمن الدائم” وصفة إسرائيلية لارتكاب جرائم ضد الإنسانية
نير حسون
لا سبيل لفهم طريقة عمل الجيش الإسرائيلي والمجتمع الإسرائيلي في السنتين والنصف الأخيرتين من دون معرفة أن الانتقام كان جزءاً من الدافع لذلك. فالدمار والقتل في غزة، والإرهاب اليهودي في الضفة الغربية، وتدمير القرى في جنوب لبنان وقانون عقوبة الإعدام، كل ذلك لا منطق له إلا الانتقام.
إذا كان هناك أي شك في أن الانتقام قد أصبح العقيدة الرسمية، فقد جاء انتخاب أبراهام زربيب لإشعال الشعلة، وهو بطل ثقافي بفضل أعمال الانتقام التي نفذها. ومثلما أوضح الصحافي يهودا شليزنغر في القناة 12: “كان ينبغي أن نشهد انتقاماً أكبر بكثير هناك، أنهاراً من دماء غزة”. كان المذيعون في القناة 14 مهووسين بالانتقام. كما برزت فكرة الانتقام في خطابات الحاخامات وفي المقابلات مع السياسيين وفي أقوال رئيس الحكومة الذي استخدم مصطلح “عماليق”، ووزير الدفاع الذي تحدث عن “الحيوانات البشرية”، وفي أغنية الزفاف الجديدة الناجحة “لتحترق قريتكم”.
الانتقام ليس بجديد في الخطاب الإسرائيلي؛ كان هو الدافع الأساسي “لأعمال الانتقام” في خمسينيات القرن الماضي، من هدم بيوت عائلات منفذي العمليات الانتحارية إلى التصفيات المركزة وغير المركزة. ولكن حتى أحداث تشرين الأول 2023 والحكومة الحالية إسرائيل الرسمية كانت تنظر إلى الانتقام بأنه أمر مشين، لا يعترف به علناً، وبالتأكيد لا يؤخذ كأمر مسلم به. لقد شعرت إسرائيل المتعبة والمهانة عقب 7 أكتوبر بالحاجة إلى استعادة الثقة بالنفس بسرعة وبشكل وحشي، وكانت الطريقة لذلك هي الانتقام من سكان غزة. وكانت النتيجة قتل وتدمير وتجويع وتهجير بنطاق غير مسبوق في تاريخ الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين.
الانتقام ليس بجديد في الخطاب الإسرائيلي؛ كان هو الدافع الأساسي “لأعمال الانتقام” في خمسينيات القرن الماضي، من هدم بيوت عائلات منفذي العمليات الانتحارية إلى التصفيات المركزة وغير المركزة
قبل ثلاثة أشهر تقريباً، نظم الباحث يغيل ليفي مؤتمراً حول الانتقام على 7 أكتوبر في معهد دراسات العلاقات الاجتماعية العسكرية في الجامعة المفتوحة. الرقابة الدائمة لليمين حاولت منع عقد المؤتمر. ولكن الجامعة، بشجاعة نادرة في هذه الأيام، صممت على موقفها وتم عقد المؤتمر.
لقد لاحظ ليفي وجود مجموعتين داخل الجيش الإسرائيلي انخرطت في خطاب الانتقام: الأولى مجموعة الحريديم القوميين، وهي نخبة صغيرة ولكنها نافذة، تبنت موقفاً يفيد بأن الحرب لم تكن خطوة أمنية أو سياسية فحسب، بل تنطوي على قيم صراع الخير اليهودي ضد شر الأعداء، حسب ليفي. المجموعة الثانية هي ما سماه “محاربو الطبقة العاملة”، أي جنود الجيش البري، ومعظمهم من خلفية شرقية تقليدية، تمردوا على قواعد اللعب العسكرية.
وقد اعتادوا على توثيق أنفسهم في أفلام فيديو انتقامية وهم يرشقون الكتابات على الجدران ويفجرون البيوت ويعتدون على السجناء كجزء من خطاب الانتقام، ولكن ليس أقل من ذلك، كشكل من أشكال التحدي لقادتهم. وقد كتب جندي على جدار في القطاع بعد أن طلب منه قادته محو الكتابات: “بدلاً من محو الكتابات، لنمحو غزة”. كان الانتقام بمثابة تعبير عن الهوية ومصدر للدافع العسكري، ما صعب على القيادة العليا استئصال هذه الظاهرة.
وقد أوضح خبير آخر في المؤتمر، الدكتور أريئيل هندل، من جمعية “بتسلئيل”، أن الانتقام، خلافاً للعقاب، لا يفترض أن يوازن الخطيئة. فهو لا يكتفي بـ “العين بالعين”، بل يطالب بعيون كثيرة مقابل عين واحدة. وقال هندل إن أغنية الانتقام المشهورة التي أصبحت تشبه نشيداً رسمياً في المجتمع الصهيوني الديني في السنوات الأخيرة، “اذكرني”، تستند إلى مقولة “مقابل عين واحدة يمكن قتل آلاف الفلسطينيين”.
لكن هندل وآخرين أشاروا إلى إشكالية الاعتقاد بأن الانتقام وحده هو الذي شكل وجه الحرب. ويجادل هندل بأن الانتقام له “نهاية”، “هناك مرحلة نقول فيها: لقد أريتكم وانتهى الأمر”. ولكن في غزة، لا يبدو أن الأمر قد انتهى، بل العكس، كلما انتقمنا لأنفسنا زادت الرغبة في مواصلة التدمير. ويؤكد هندل أن الانتقام وحده لا يفسر نطاق ومنهجية التدمير في غزة.
لفهم هذه الظاهرة، كما أوضحت البروفيسورة سارة هلمان من جامعة بن غوريون، من الضروري استخدام مصطلح “الأمن الدائم” الذي صاغه الباحث في جرائم الإبادة الجماعية دريك موزيس، الذي يقول بأنه كان أساس معظم أعمال الابادة الجماعية خلال التاريخ. “الأمن الدائم” مفهوم يفيد بحاجة دائمة لإنهاء والقضاء على أي بصيص من التهديد، سواء كان حقيقياً أو متوهماً. وحسب هذا النهج، فإنه ينظر لكل السكان، بما في ذلك النساء والأطفال، بأنهم تهديد دائم على أمن السلطة الحاكمة – “لا يوجد أبرياء في غزة”. والمثال البارز على هذا المنطق هو تصريح عضوة طاقم الحوار ستيلا فاينشتاين في القناة 13 بأن الرضيع في غزة “إرهابي في حاضنة”.
لقد تشابكت دوافع الانتقام ومفهوم “الأمن الدائم” وشكلت حرباً ضروساً في غزة. إن السعي للانتقام و”الأمن الدائم” وصفة لارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ولكن هذا الاضطهاد يؤدي دائماً تقريباً إلى إلحاق الضرر بجودة حياة وأمن الجماعة التي تقوم بالمهاجمة. ويتجلى ذلك في الحرب ضد إيران وحزب الله. لم يساهم السعي إلى آخر منصة إطلاق والجهود العبثية لقتل المزيد من أفراد الحكومة والجيش وتدمير القرى في لبنان إلى تعزيز أمن الإسرائيليين. بل يبدو أن كل ذلك لم يؤد إلا إلى تقوية المتطرفين ونيتهم للتسلح.
لقد عرضت مؤخراً نسخة جديدة لفيلم الانتقام “كيل بيل”، القصة الدموية الكاملة، في دور السينما، وهو من إخراج كوينتن ترنتينو. ولكن في المشهد الأول، زرع ترنتينو طفلة صغيرة تشاهد قتل أمها كجزء من حملة الانتقام. وتقول المنتقمة أوما تورمان: “عندما تكبرين، وإذا كان الجرح ما زال طرياً في قلبك، فسأنتظرك”. “المشكلة في الانتقام هي دائرة الانتقام”، قال هندل. “ثمة شعور بإغلاق الدائرة، وبعد ذلك تأتي المفاجأة عندما يكتشف المنتقم بأنهم ينتقمون منه”.
هآرتس 10/5/2026




