«حرب ممرّات» مضادّة: إيران تستكشف فرصها

«حرب ممرّات» مضادّة: إيران تستكشف فرصها
تواجه إيران «حرب ممرّات» جيوسياسية تسعى لعزلها، فتعمل على توظيف موقعها الاستراتيجي لتعزيز حضورها كمحور عبور رئيسي في أوراسيا.
إذا كانت «حرب الممرّات» تشكّل ساحة الصراع الأهمّ لإعادة رسم خريطة التجارة والنفوذ في منطقة أوراسيا والشرق الأوسط، فإن إيران، وبفضل موقعها الجغرافي الفريد الذي يربط القارات الثلاث (آسيا وأوروبا وأفريقيا) عبر مفترق طرق تاريخي، تجد نفسها في قلب هذا التنافس، محاطةً بفرص جيواقتصادية هائلة، في الوقت نفسه الذي تحيق بها فيه تهديدات جيوسياسية كبيرة. وتمثّل إيران نقطة الالتقاء الطبيعية بين الشمال والجنوب والشرق والغرب، مع إمكانية الوصول المباشر إلى الخليج وبحر عُمان والمحيط الهندي جنوباً، وبحر قزوين والقوقاز شمالاً، ما يمنحها إمكانية التحوّل إلى «مركز ترانزيت» حيوي. ويتجلى ذلك خصوصاً في «كوريدور شمال – جنوب» الذي يربط بندر مومباي في الهند بروسيا وأوروبا، مروراً بإيران، وتكمن أهميّته في كونه المسار الأقصر والأكثر فعالية من حيث التكلفة مقارنة بـ«قناة السويس»، ممّا يوفّر وقتاً يصل إلى 40% من زمن الشحن. ويعدّ ذلك الخطّ شريان حياة لكسر العزلة الاقتصادية المفروضة على طهران، وتقوية علاقاتها الاستراتيجية مع كل من موسكو ونيودلهي، علمًا أن الجمهورية الإسلامية تعمل على استكمال خطّ سكة حديد «رشت – آستارا»، باعتباره المفتاح لتفعيل المسار المذكور. ويضاف إلى «كوريدور شمال – جنوب»، «ممرّ شرق – غرب» الذي يمرّ جزء كبير من مبادرة «الحزام والطريق» الصينية عبره، رابطاً «الجمهورية الشعبية» بتركيا وأوروبا، وازدادت أهميّته منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، والتي أدّت إلى عرقلة المسار الشمالي عبر روسيا.
«حرب الممرّات» ليست صراعاً على الطرق فحسب، بل على مَن يمتلك مفاتيح الجغرافيا السياسية العالمية
لكن الهاجس الأكبر الذي يواجه الجمهورية الإسلامية، يتمثّل في ظهور مشاريع إقليمية ودولية تهدف بشكل صريح إلى تحييد موقعها الجغرافي، وتشكيل مسارات بديلة بعيداً من نفوذها. وفي هذا السياق، يبرز خصوصاً «ممرّ الهند – الشرق الأوسط – أوروبا» – الذي رعته الولايات المتحدة – باعتباره تهديداً استراتيجيّاً مباشراً لإيران، إذ يهدف إلى عزلها جيوسياسيّاً، من خلال إقامة محور تجاري يربط الهند بأوروبا عبر السعودية والإمارات وإسرائيل. وإلى جانبه، يأتي العمل على إنشاء منافس لخطّ الحديد «رشت – استارا» و«قناة السويس»، وذلك كبديل غربي للمبادرات الصينية والروسية – الإيرانية، من شأنه أن يحدّ من الاعتماد على مضيق «هرمز»، مع ضمان أمن الطاقة الإقليمي.
وإلى هذا الممرّ، هناك «ممرّ زنغيزور» في القوقاز، والذي يُعدّ خطّاً أحمر وجوديّاً بالنسبة إلى إيران، إذ تسعى آذربيجان وتركيا عبره إلى ربط الأراضي الرئيسية لباكو بإقليم عبر جنوب أرمينيا (مقاطعة سيونيك)، ما من شأنه قطْع الاتصال الإيراني – الأرمني، وتالياً إلغاء الحدود المشتركة التاريخية بين البلدَين، وحرمان طهران من منفذها البرّي المباشر إلى أوروبا والبحر الأسود. كذلك، يمكّن هذا الممرّ، تركيا من الاتصال مباشرةً بالعالم التركي في آسيا الوسطى، وهو ما يهدّد المصالح الجيوسياسية الإيرانية في القوقاز، ويعزّز مفهوم «تركستان الكبرى»، فضلاً عن كونه يشكّل تهديداً أمنيّاً مباشراً للجمهورية الإسلامية، باعتبار أنه سيفتح الباب أمام نفوذ عسكري وأمني أميركي – إسرائيلي على حدودها الشمالية.
استراتيجية إيران للمواجهة والتكيّف
في مسعاها لمواجهة تلك التحدّيات، تتبنّى إيران استراتيجية متعدّدة الأوجه، تقوم في جانب منها على تسريع مشاريع الاستثمار المشترك مع روسيا والهند في البنى التحتية الرئيسية، بما يشمل مشروع «رشت – آستارا» الذي سيُفعّل المسار الغربي لـ«ممرّ شرق – غرب» بشكل كامل؛ وتطوير ميناء «تشابهار» جنوب شرق إيران ليكون بوابة الهند إلى آسيا الوسطى؛ واستكمال «ممرّ أرس» الذي يمرّ عبر الأراضي الإيرانية لربط آذربيجان بنخجوان، ويخدم حاجة باكو، مع الحفاظ على الحدود الإيرانية – الأرمنية وضمان استمرار دور إيران كدولة عبور. ويضاف إلى ما تقدّم، التركيز على تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية مع دول الجوار، كأرمينيا والعراق، لضمان المصالح الإيرانية في مشاريع من مثل «طريق التنمية العراقي»، واستغلال عضوية طهران في منظّمتَي «شنغهاي» و«بريكس» لتعزيز نفوذ البلاد في الكتلة الشرقية؛ واستخدام أوراق الضغط الأمنية، خاصة في مضيق «هرمز» والبحر الأحمر عبر حلفاء إيران، لتذكير القوى الغربية بأن تعطيل المسارات التقليدية يستتبع تكاليف باهظة على الاقتصاد العالمي.
أهمية الاتفاقات الاستراتيجية مع الصين وروسيا
في خضم التهديدات الجيوسياسية المتمثّلة في ممرّات الإقصاء، تُعدّ الاتفاقات الثنائية بين إيران وكلّ من الصين وروسيا، ركيزة حيوية لتعزيز موقف طهران في «حرب الممرّات»، كونها توفّر للأخيرة عمقاً استراتيجيّاً ودعماً ماليّاً ولوجستيّاً لا يمكنها تأمينه بمفردها في ظلّ العقوبات الغربية. ويُعدّ الاتفاق الأخير لتمويل سكة حديد «رشت – آستارا» بين إيران وروسيا وبنائها تتويجاً لجهود تفعيل الممرّ، إذ لا تقتصر أهمية روسيا على كونها الشريك الشمالي الأهمّ في الممر فحسب، بل تمثّل أيضاً القوّة الدافعة التي تحتاجها إيران لتسريع وتيرة هذه المشاريع المعقّدة. ويضمن هذا التعاون أن لا يبقى «شمال – جنوب» مجرّد حبر على ورق، بل أن يتحوّل إلى مسار نقل تنافسي تدعمه اثنتان من أبرز القوى المناهضة للهيمنة الغربية.
وبخصوص الشراكة مع الصين، فرغم أن الصين لم تلتزم بضخّ استثمارات ضخمة فورية في مجال الممرّات، إلّا أن «الاتفاقية الاستراتيجية الشاملة» معها توفّر لإيران إطاراً واسعاً للتعاون في البنية التحتية، الطاقة، والتكنولوجيا. وهذا التعاون يضمن لإيران إمكانية التكامل مع مبادرة «الحزام والطريق»، واستغلال المسار الإيراني كجزء من «طريق الحرير» البري والبحري البديل، ويوفر لها شريكاً تجارياً عملاقاً يقلّل من تأثير محاولات العزل الغربية. كما إن الدعم الصيني يعطي ثقلاً سياسيّاً إضافيّاً لموقف إيران الرافض لمشاريع من مثل «ممر زنغيزور»، ويُمكّنها من استقطاب التكنولوجيا والتمويل اللازمَين لتحديث موانئها وخطوطها اللوجستية.
الاخبار اللبنانية




