عربي دولي

حسن أبو زيد: الباحث، أستاذ التاريخ، «الكهربجي»، الشهيد

حسن أبو زيد: الباحث، أستاذ التاريخ، «الكهربجي»، الشهيد

قضى أستاذ التاريخ حسن أبو زيد حياته في نشر المعرفة وخدمة الإنسانية، تاركاً أثر باقٍ في طلابه وأهل بلدته قبل أن يرتقي شهيداً

فاتن الحاج

في منزله في كفرمان الجنوبية، ارتقى أستاذ التاريخ في ثانوية أنصار الرسمية، حسن أبو زيد، شهيداً بعدما أبى أن يغادر بلدته رغم اشتداد الخطر. فبينما نزحت عائلته منذ الأيام الأولى، اختار أن يبقى إلى جانب شقيقه، يساعد الأهالي المرابطين هناك. كان يؤمن أن للمعلم دوراً يتجاوز جدران الصف، وأن الإنسان يُختبر في أوقات الشدة، كما في أوقات التعليم.

عُرف حسن أبو زيد، ابن الثمانية والأربعين عاماً، بين طلابه وزملائه بملامحه الهادئة وشخصيته الرصينة. «كان متصالحاً مع نفسه، مسالماً، ملتزماً، وصاحب صوت خافت»، هكذا يصفه من عرفه، لكن حضوره الإنساني كان واضحاً في كل مكان يمر فيه. لم يكن مجرد أستاذ يشرح دروس التاريخ، بل معلماً يسعى لربط الماضي بالحاضر وزرع قيم المعرفة والوعي والمسؤولية في طلابه. وكان يستعد لمتابعة دراساته العليا وصولاً إلى الدكتوراه بعد نيله الماجستير.

طموحه قاده للتدرج في الهيئة اللبنانية للتاريخ

إلى جانب تدريسه في ثانوية أنصار، كان حسن يدرّس مادتي التاريخ والتربية في مدارس خاصة، من بينها الميادين والمدرسة الأكاديمية الكندية في النبطية. وكان، كما يقول أصدقاؤه، حريصاً على تطوير أساليب تدريسه، فيسعى دائماً لوضع طلابه في قلب أحدث طرائق تعليم التاريخ، مؤمناً بأن التعليم ليس مجرد تلقين، بل بناء للعقول.

في عام 2016، انضم حسن إلى الهيئة اللبنانية للتاريخ متدرباً ضمن أحد برامجها التدريبية، لكنه سرعان ما لفت الأنظار بطموحه واجتهاده، ليتدرج فيها ويصبح مدرباً وناشطاً مشاركاً في العديد من النشاطات والمؤتمرات. وقد أتاح له هذا المسار الانخراط في برامج أكاديمية خارج لبنان، من بينها زيارة إلى جامعة في ولاية نورث كارولاينا في الولايات المتحدة الأميركية.

تصفه رئيسة الهيئة، ليلى زهوي، بأنّه «قدوة في إنسانيته قبل مهنته»، مؤكدة أنه «كان يحمل شعوراً عميقاً بالمسؤولية تجاه الأجيال التي يعلمها». وتضيف: «انضم حسن إلى الهيئة ضمن برنامج تدريبي، لكننا سرعان ما اكتشفنا فيه إنساناً طموحاً لا يكتفي بدور الأستاذ، بل يحمل نفس الباحث. تحول من متدرّب إلى مدرّب، يشارك في إعداد وحدات تعليمية، ويسهم في كل نشاط بروح منفتحة وسعة أفق».

  • حسن أبو زيد (الأخبار)
    حسن أبو زيد (الأخبار)

حول تجربة حسن، تقول مديرة مركز الدراسات اللبنانية، مهى شهيب إنها «عايشت في المركز والهيئة كيف كان الأساتذة من الجنوب، مثل حسن، من أكثر المشاركين نشاطاً في تطوير التعليم النقدي للتاريخ، على الرغم من الظروف الصعبة التي يعيشونها. تجربتهم تثبت أنه لا يجب شيطنتهم، بل دعمهم والاعتراف بدورهم في بناء تعليم متنوّع وناقد».

بدوره، يتذكر زميله في ثانوية أنصار، أستاذ التربية أديب محفوظ، النقاشات الصباحية الطويلة التي كانت تجمعهما في المدرسة، حيث كانا يخوضان حوارات مفتوحة حول احتمالات الحرب في لبنان، ووضع المقاومة، والملف الإيراني، وقضايا المنطقة. «كانت تلك النقاشات تعكس اهتمامه العميق بالشأن العام وحرصه الدائم على فهم ما يجري حوله».

ورغم انشغاله بالتعليم والعمل الأكاديمي، لم تكن حياة حسن خالية من التحديات. بعد الأزمة الاقتصادية التي ضربت لبنان عام 2019، اضطر لتكثيف عمله في مجال الكهرباء، المهنة التي كان يتقنها ومعروفاً بمهارته فيها، لإعالة عائلته. لم يتردد في التنقل بين ورش العمل وإصلاح الأعطال، في مهنة بعيدة تماماً عن اختصاصه، «لكنها عكست شخصيته العملية وصلابته في مواجهة الصعوبات»، كما يقول محفوظ.

رغم الضغوط العائلية التي مر بها في السنوات الأخيرة ظل يعمل بهدوء ويواصل تطوير نفسه

لم يكن حسن مربّي أجيال فحسب، بل كان أيضاً أباً حنوناً يصطحب زوجته وأولاده إلى كثير من النشاطات التربوية التي يشارك فيها، كأنه يمدّ الجسر بين حياته العائلية ورسالة التعليم التي يحملها. وكان يرى في التربية امتداداً طبيعياً لدوره كأب. ورغم الضغوط العائلية التي مر بها في السنوات الأخيرة، ظل يعمل بهدوء ويواصل تطوير نفسه، ويقدم المساعدة لأهله ومجتمعه، مؤمناً بأن الإنسان يستطيع مواجهة قسوة الظروف بالصبر والعمل.

برحيله، ترك حسن أبو زيد جرحاً كبيراً في قلوب زملائه وطلابه. خسارة لا تقتصر على مدرسة أو مؤسسة، بل تمتد إلى كل من عرفه أو تعلم منه. لكن أثره سيبقى حاضراً في طلاب حملوا عنه حب المعرفة، وفي أبناء سيكبرون وهم يتذكرون أن والدهم لم يكن مجرد أستاذ، بل إنساناً عاش بقيمه حتى اللحظة الأخيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب