حكايات في التعلم الكاتب: تفيدة الجرباوي

حكايات في التعلم
الكاتب: تفيدة الجرباوي
الحكاية ١١
قبل الاختيار
كان جود، ذو الشعر الأحمر، في السابعة من عمره حين انتقل مع عائلته إلى بلدة جديدة.
لم يكن الانتقال جديداً عليه، لكنه في كل مرة كان يشعر أنه يبدأ من الصفر… يبحث عن أصدقاء ليلعب معهم.
كانت البلدة جميلة، بحدائقها وأسواقها وملاعبها ومتاحفها وناسها، لكن جود لم يكن قد تعرّف بعد على من يلعب معه.
في أحد الأيام، أخبرته والدته أنها تعرّفت إلى عائلة لديها طفل اسمه عامر، يكبره بحوالى سنتين، وكان أطول منه، وأكثر حضوراً في الكلام.
لم يفكر جود في الفرق بينهما. كان متحمساً لفكرة اللعب… خصوصاً كرة القدم.
كان جود لاعباً جيداً، يتدرّب منذ ثلاث سنوات كحارس مرمى، في هذه الرياضة الأقرب إلى قلبه.
في الحديقة، قال عامر: لنلعب… لكن أنا أقرر.
هزّ جود رأسه موافقاً دون تردد. كان وجود لاعب آخر… يكفيه.
في البداية، استمتع جود باللعب. لكن شيئاً صغيراً بدأ يتكرر: أين يقف، كيف يمرر، ومتى يلعب…
كانت القرارات تأتي من عامر. وجود يتبع… دون اعتراض.
وفي أحد الأيام، أخرج جود بطاقاته. بطاقات تحمل صور أشهر لاعبي كرة القدم. وكان جود يتابع البطولات العالمية بشغف، ويعرف أسماء اللاعبين وفرقهم عن ظهر قلب.
قال عامر: دعنا نتبادل البطاقات.
تردد جود… ثم وافق وأعطاه بطاقة مفضلة لديه، وناوله عامر بطاقة أقل أهمية.
نظر جود إلى البطاقة قليلاً… نكّس رأسه ثم أخفاها. لم يقل شيئاً، رغم امتعاضه.
تكرّر الأمر: في كل مرة…كان يعطي أكثر، ويأخذ أقل.
لاحظ جود ذلك…لكن الأمر لم يتوقف!
في أحد الأيام قال عامر: أعطني هذه.
نظر جود إليه: مقابل ماذا؟ رد عامر: لا شيء… نحن أصدقاء.
صمت جود. نظر إلى البطاقة في يده…ثم تركها.
وفي المدرسة، بدا المشهد مختلفاً… لكنه مألوف بطريقة غريبة.
في ساحة اللعب، كانت هناك قاعدة غير مكتوبة: إن أردت أن تلعب… عليك أن تعطي.
في أحد الأيام، وقف جود مع مجموعة من الأطفال. مدّ أحدهم يده وقال: أعطني هذه.
نظر جود…كانت بطاقة رونالدو، إحدى بطاقاته المفضلة. قال: مقابل ماذا؟
لا شيء… إذا بدك تلعب معنا.
توقفت يد جود. نظر إلى البطاقة طويلاً… ثم تركها بصمت.
وفي تلك اللحظة، شعر بانزعاج شديد…
كأن شيئاً مهماً انتزِع من داخله… ومعه شعور لا يعرف وصفه.
في المساء، قال لوالدته: أخذوا… بطاقة رونالدو…
نظرت إليه وسألته بنبرة حازمة: كررت لك ألا تبادل… لماذا لا تسمع الكلام؟
خفض رأسه، وقال بصوت حزين: سيتركونني… ولن ألاقي أحداً ألعب معه.
نظرت إليه… وفهمت.
لم يكن يعاند… كان خائفاً.
قالت بهدوء: «إذا هادا اللي بصير، ممكن تحكي للمعلمة… تساعدك».
هزّ رأسه سريعاً: «هم أصحابي وما بحب أشتكي عليهم… وما بدي أسبب لهم مشاكل… أو يزعلوا مني».
سكتت لحظة… ثم أنهت الحديث.
وفي اليوم التالي، تواصلت مع المعلمة… دون أن تُخبر جود.
في ساحة المدرسة، تكرر المشهد: ناولني بطاقة أشرف حكيمي… بعدين بتلعب معنا.
فتح جود يده… تردد… وفي تلك اللحظة، كانت المعلمة تمرّ قريباً. سمعت الكلام… وتوقفت.
قالت بهدوء: اليوم سنلعب بشكل مختلف. نظرت إلى الأطفال وبدأت توزّع الأدوار: أنت في الهجوم… أنت في الوسط … أنت يا جود حارس المرمى.
رفع جود رأسه فجأة.
هذا المكان وهذا الدور … يعرفهما جيداً.
بدأ اللعب.
تحرّك جود بثبات، يراقب الكرة… يقدّر المسافة، ويختار مكانه بعناية.
جاءت الكرة سريعاً… قفز… وأمسكها.
صفق الفريق: ممتاز يا جود.
تكرر ذلك.
كان يتحرك قبل الكرة، يقف في المكان الصحيح، ويوجّه الفريق من خلفه:
انتبه! … غطِّ الجهة! … مرّر! بدأ الفريق يعتمد عليه.
وفي النهاية… فازوا.
في تلك اللحظة، شعر جود بشيء مختلف…
لم يحتج أن يعطي شيئاً… ليكون جزءاً من فريق اللعب.
بعد أسبوع، وقف معهم من جديد.
كانوا يتأملون بطاقاتهم ويتبادلون الحديث عنها. كانت لدى جود بطاقة لامين يامال، ومحمد صلاح، ومبابي.
قال أحدهم: ناولني بطاقة محمد صلاح.
فتح جود يده…ثم تذكر:
ذلك الشعور حين أعطي بطاقة رونالدو، وذلك اليوم حين فاز في الملعب…
فكر لحظة، ثم أغلق يده ورفع رأسه وقال بثبات: لا.
ضحك أحدهم: إذاً لن نلعب معك!
تراجع جود خطوة… ثم توقف. وقال بحزم: بل نلعب… بدون ما ناخد أو نعطي.
ساد صمت قصير…ثم بدأ اللعب.
ركض جود… وكانت بطاقاته في جيبه.
في المساء، جلس مع والدته: اليوم… قلت لا.
سألته: هل كان ذلك صعباً؟
شويّ… ثم قال: بس لعبت… وما أعطيتهم أي بطاقة.
ابتسمت، ولم تقل شيئاً… لكنها رأت ما يكفي.
لم يتغير كل شيء فجأة. كان جود أحياناً يتردد، وأحياناً يتراجع، وأحياناً ينجح.
لكن شيئاً صغيراً بدأ ينمو داخله… بثبات.
لم تتغير البلدة، ولم يتغير الأطفال فجأة…
لكن جود تغيّر.
لم يعد يوافق لأنه طُلب منه… بل أصبح يتوقف لحظة…
قبل أن يختار.
الايام الفلسطينية



