حكايات في التعلم

حكايات في التعلم
الكاتب: تفيدة الجرباوي
الـحـكـايـة 28
الحلقة المفقودة
رنّ هاتف ليلى مساءً.
ما إن أجابت حتى جاءها صوت عليا متوترًا:
«خسرنا المنحة».
اعتدلت ليلى في جلستها:
«شو صار؟»
«وصلني رد الجهة المانحة. أعجبتهم الفكرة، لكن أجزاء الطلب لم تكن منسجمة، وبعض التفاصيل لم تتوافق مع شروط المنحة».
كانت عليا تشرف على المؤسسة وتتابع طلب المنحة التي ستدعم تطبيق طرائق تعليم مبتكرة في مدارس ومناطق جديدة.
قالت ليلى:
«لكن الجميع عمل عليه».
«وهذا ما يحيّرني. كلما سألتهم، قالوا إن الأمور تسير كما يجب».
تنهدت ليلى:
«لا أظن أننا سنجد السبب عند شخص واحد. خلّينا نسمع الفريق».
بعد أيام، اجتمع الفريق. قلّبت ريم أوراق الموازنة، وصمت سامر، وأدار أحمد قلمه بين أصابعه.
تبادلت عليا وليلى نظرة، ثم بدأت ليلى، المسؤولة عن الفريق:
«نقدّر جهدكم، ولسنا هنا لنبحث عن مخطئ، بل لنفهم لماذا لم يُظهر الطلب جودة عملنا».
قال أحمد، مدير البرامج:
«أنجزت خطة المشروع ضمن الموعد المتفق عليه».
رفعت ريم، المديرة المالية، رأسها:
«ضمن الموعد، نعم… لكن في آخر لحظة».
عقد أحمد حاجبيه:
«أرسلتُ لكِ نسخة قبل ذلك بيومين».
أغلقت ريم الملف:
«كانت أولية. ثم غيّرت الأنشطة والأرقام، فاضطررتُ إلى إعداد الموازنة من جديد».
شدّ أحمد قبضته حول القلم:
«لأن المعلومات لم تصلني كاملة منذ البداية».
تدخلت ليلى قبل أن يشتد النقاش:
«متى أنهيت النسخة النهائية؟»
أجاب أحمد:
«الخميس بعد الظهر».
دوّنت عليا الموعد، ثم سألت ريم:
«ومتى أنهيتِ الموازنة؟»
أجابت ريم:
«عند العاشرة ليلًا، وأرسلتها فورًا إلى سامر».
التفتت عليا إليه:
«وأنت؟»
قال سامر:
«وصلتني الخطة والموازنة متأخرتين، وكان عليّ مراجعة الطلب كاملًا قبل تقديمه».
قال أحمد:
«لكن المراجعة النهائية من مسؤولية إدارة المنح».
استقام سامر في مقعده:
«صحيح، لكنها تحتاج إلى وقت. مرض أحد أفراد عائلتي تلك الليلة، فرافقته إلى المستشفى، وحاولت متابعة الملفات من هاتفي في غرفة الانتظار».
سألته عليا:
«وهل راجعت الطلب؟»
أطرق قليلًا:
«راجعته، لكن ليس بالدقة التي يحتاج إليها».
قال أحمد:
«لولا الظرف العائلي، ربما لم نخسر المنحة».
نظرت إليه ليلى:
«وهل يُعقل أن يعتمد عمل فريق كامل على ألّا يطرأ ظرف على شخص واحد في الساعات الأخيرة؟»
لم يجب أحد.
نهضت عليا وتوجهت إلى اللوح، ثم رسمت خطًّا للمواعيد. كتبت عند انتهاء الخطة: «الخميس بعد الظهر»، وعند انتهاء الموازنة: «الخميس، العاشرة ليلًا»، ثم وضعت عند تقديم الطلب: «الجمعة صباحًا».
تراجعت خطوة إلى الوراء.
نظر أحمد إلى الخط، ثم انتقل بصره من موعد انتهاء خطته إلى موعد انتهاء الموازنة، ومنه إلى موعد تقديم الطلب.
ظل صامتًا لحظة قبل أن يقول:
«لا يوجد».
سألته ليلى:
«ماذا؟»
أشار إلى الخط:
«لا يوجد وقت أصلًا بين انتهاء مهمة وبدء التالية».
ساد الصمت.
قالت ريم:
«كنت أفكر في إنهاء الموازنة، لا في الوقت الذي يحتاجه سامر بعدها».
وأضاف أحمد:
«وأنا فكرت في تسليم الخطة، لا في الوقت الذي تحتاجه ريم قبل أن تبدأ عملها».
مرّر سامر يده فوق الخط:
«تعاملنا مع التسليم كأنه نهاية المهمة، مع أن نهاية عمل أحدنا كانت بداية عمل شخص آخر.»
أعادت ليلى رسم المراحل، وتركت بينها فواصل واضحة.
أشارت عليا بإصبعها إلى الخط:
«هنا نضيف وقتًا للمراجعة والتعديل، وهنا نترك مساحة للطوارئ».
ضحك سامر ضحكة قصيرة خالية من الفرح:
«ممتاز. التزمنا جميعًا بالموعد، وخسرنا المنحة في موعدها أيضًا».
لم يضحك أحد.
بدت المواعيد صحيحة تمامًا، وربما كانت تلك هي المشكلة.
عندها أدرك الفريق أن المشكلة لم تكن في المواعيد نفسها، بل فيما يغيب بينها.
اتفقوا على تخطيط المراحل معًا، وتبادل المستجدات مبكرًا، وألّا تتوقف مهمة أساسية على شخص واحد.
بعد أسابيع، احتاج أحمد، وهو يعدّ خطة لمنحة جديدة، إلى رقم من ريم.
همّ أن يضع رقمًا تقديريًا كما اعتاد سابقًا، لكنه تدارك ذلك فكتب لها:
«هل لديك الرقم النهائي؟»
أجابته:
«ليس بعد. أعطني ساعة قبل أن تكمل هذا الجزء».
انتقل إلى جزء آخر من الخطة. وحين أرسلت إليه الرقم، كتب لها:
«يبدو أننا لم نعد ننتظر الأسبوع الأخير لنسأل الأسئلة المهمة».
ردّت:
«ويبدو أنك تعلمت ألّا ترسل لي خطة تتغير بعد أن أنتهي من الموازنة».
امتعض وقال:
«تعلمت. لا داعي للتذكير في كل مشروع».
ابتسمت:
«سأقرر أنا متى تكون قد تعلمت فعلًا».
بدا التغيير بسيطًا: سؤال طُرح مبكرًا، ومعلومة وصلت كاملة وفي وقتها.
صار كل واحد منهم يفكر في الخطوة التالية، وفي الوقت الذي يحتاجه زملاؤه.
شيئًا فشيئًا، عادت الحلقة المفقودة إلى مكانها.
لم يعد السؤال:
هل أنجزت مهمتي؟
بل:
هل تركت لمن بعدي ما يحتاجه لينجح؟



