حكايات في التعلم

حكايات في التعلم
الكاتب: تفيدة الجرباوي
الحكاية الثانية عشرة
ضوء ونظام
كانت عليا تتجوّل في معرضٍ فنيٍّ تشكيلي أُقيم في قاعة واسعة وسط المدينة.
المكان هادئ، والضوء فيه ثابت، موزّع بعناية ليُظهر الأعمال كما هي، من دون زينة زائدة أو ظلالٍ متحيّزة. لم تكن تبحث عن لوحة بعينها، بل تركت للعين أن تقودها، كما تفعل حين تتّسع الذاكرة فجأة.
توقّفت أمام مزهريّة رائعة الجمال تتوسّط طاولة مستديرة.
صُنعت من قطع زجاج كُرَويّة، متساوية الحجم، مختلفة الألوان، مصقولة بعناية. بدت متجانسة، كأنها خُلقَت معًا منذ البداية، لا كأجزاء جُمعت لاحقًا. كان الزجاج يتلألأ بثبات تحت الضوء، ويعكس ألوانه بصفاء.
اقتربت عليا أكثر.
ذكّرها الزجاج الكروي فورًا بالخرز الكروي الصغير الذي كانت تلعب به طفلة مع صديقاتها في الحارة؛ خرزات زرقاء ملساء، يُمسكنها بين الإبهام والسبّابة، يوجّهنها نحو حفرة صغيرة يحفرنها بأناملهن الصغيرة في التربة المناسبة. الفائزة لم تكن الأسرع، بل الأهدأ، والأدقّ في الضربة
ابتسمت.
لكن الذاكرة لم تبقَ هناك.
انتقلت فجأة إلى معرضٍ آخر…
إلى معرض المرحلة الثانوية، حين شاركت مدرستها في معرض علمي فني مشترك مع مدرسة جود.
لم يكن وصول المشاريع إلى ذلك المعرض أمرًا بسيطًا.
كانت الأعمال تمرّ بسلسلة واضحة من المعايير والموافقات:
تبدأ بمعلّمة المادة، ثم تُعرض على لجنة من المعلّمات، قبل أن يتم اختيار عدد محدود للعرض أمام الطلبة والزوار. لم يكن الهدف كثرة المشاركات، بل جودة الفكرة ودقّة التنفيذ وجمال المنتج.
في ذلك المعرض، كانت لعليا مزهريتها الخاصة.
بدأتها من مزهريّة زجاجية عادية رخيصة الثمن. رسمت عليها خطوطًا سوداء مائلة لتقسيم السطح إلى مساحات متجاورة بتشكيلات انسيابية جميلة. ثم جمعت من عند الزجّاج، الذي تعرفه، شظايا زجاج مكسور. طلبت من الزجّاج أن تكون الشظايا صغيرة وغير متماثلة في الحجم. كما طلبت صقل أطرافها بعناية، لتصبح آمنة وجميلة معًا.
في صفّ الفن، اختارت صمغًا مناسبًا لضمان تثبيت الشظايا بإحكام على سطح مزهريتها الزجاجية.
كانت تعمل بصمت، تصفّ القطع قطعة قطعة داخل المساحات المحدّدة. لم تكن الألوان تُرتَّب اعتباطًا؛ كانت تتجاور وتتكامل، تنساب من درجة إلى أخرى وفق توازن بصري محسوب.
وحين اكتمل العمل، أضافت مصباحًا متحرّكًا فوق المزهرية.
كلّما تحرّك الضوء، تغيّرت الألوان؛ الأزرق يلين إلى أخضر، ثم إلى أصفر، قبل أن يتدرّج إلى برتقالي، وينتهي في أحمر عميق. بدا التغيّر كأنه طيف قوس قزح كامل، لا يُظهر لونًا واحدًا، بل يبرز علاقة الألوان ببعضها حين يتغيّر الضوء.
في يوم المعرض، توقّف الزوّار أمام طاولتها.
كان الفضول واضحًا، والإعجاب صريحًا. بعضهم يسأل عن الفكرة، وآخر عن الطريقة. من بين الحضور كبار موظفي التربية والتعليم، وكان من بينهم والد عليا ووالد جود. لم يحتلّا المشهد، لكن نظراتهما كانت كافية؛ اهتمام صامت، وتقدير بلا افتعال.
في آخر القاعة، كانت طاولات مدرسة الذكور.
هناك وقف جود، شامخًا بطوله الملحوظ وشعره الأحمر الكثيف. صوته ثابت وقوي وهو يشرح دارته الكهربائية. يفتح مفتاح دائرة فتُطفأ مجموعة من المصابيح، ثم يغلق أخرى فتظهر ألوان مختلفة، وهكذا تباعًا. أسلاك بقياسات دقيقة ومفاتيح الدارة مثّبتة بعناية فائقة. كل شيء منظّم، واضح، يمكن تتبّعه لحظة بلحظة.
حين خلا المكان قليلًا، تقدّم جود نحو طاولة عليا.
توقّف أمام المزهرية، تأمّل الضوء المتحرّك، ثم قال بنبرة مباشرة:
ــ العمل جميل… لكن أين العلم؟ لا أرى القاعدة العلمية تُعلِن نفسها.
حرّكت عليا المصباح زاوية طفيفة، فتغيّر اللون أمامهما.
قالت بهدوء:
ــ لأنه لا يعمل في الواجهة.
وأوضحت: التقسيم، المواد، صقل الحواف، الضوء… كلها قرارات استندت إلى قواعد علمية ترتقي بالجمال الفني، لا تستبدله.
قال جود:
إذاً، العلم موجود… لكنه غير مُصرَّح به.
أجابت:
موجود، ويعمل. لكنه لا يحتاج أن يرفع صوته.
ثم قالت، بصوتٍ واثق:
ــ حين يصل العمل العلمي إلى مستوى الإحساس الفني، لا يكون الجمال بديلًا عن العلم، بل دليلًا على اكتماله.
سكت جود لحظة.
نظر إلى المزهرية، ثم إلى دارته.
أخيراً قال:
أنا أُظهر النظام.
قالت عليا:
وأنا أُري كيف يُدرَك.
وفي تلك اللحظة، انساب من طرف القاعة رنينٌ موسيقيٌّ خافت، إيذانًا بجولةٍ جديدة من الزوّار، فعاد كلٌّ منهما إلى طاولته.
لا فائز ولا خاسر، ولا حُكم يُعلَن، بعد.
وفي القاعة، ظلّت مصابيح جود تنطفئ وتُضيء بألوان مختلفة بانتظام، بينما بقيت مزهرية عليا ثابتة، وتحت الضوء المتحرّك كانت الألوان تتناسق بصمتٍ أخّاذ.



