مقالات

حكايات في التعلم

حكايات في التعلم
الكاتب: تفيدة الجرباوي

 

الحكاية ٢٠

هذا ليس مزاحاً

 

 

في أحد البيوت الهادئة، وعلى سطحه تحديداً، كانت هناك غرفة صغيرة… لكنها لم تكن غرفة عادية.
كانت تلك غرفة عليا، وهي في الصف الثاني عشر.
جدرانها تحمل رسومات زيتية من إنتاجها، وعلى أحد الجدران اصطفت رفوف صنعتها بنفسها من صناديق خشبية للفواكه جمعتها وثبّتتها فوق بعضها، ثم دهنتها بالأحمر والذهبي حتى تحولت إلى مكتبة تفخر بها.
في زاوية المكان أدوات تجارب علمية بسيطة، وفي أخرى دفاتر وألوان وكنڤات للرسم، ومُسجّل تصدح منه موسيقى هادئة اختارتها بعناية لتمنح المكان روحاً خاصة.
كانت عليا تقول ضاحكة:
«هنا أصنع يومي… وأحلم بمستقبلي».
في بداية العام الدراسي، انتقلت قريبتها للعيش معهم مؤقتاً. كانت في الصف نفسه، لكنها كانت تعيد التوجيهي بعد أن لم يحالفها النجاح في العام السابق. أراد أهلها أن تجد في بيت عليا بيئة تساعدها على اجتياز هذا الامتحان.
صعدتا معاً إلى الغرفة، بسعادة.
توقفت القريبة عند الباب، ونظرت حولها بدهشة، ثم قالت مبتسمة:
«شو هاد؟ غرفة ولا مخزن صحاحير فواكه؟»
ضحكت عليا: «والله شوي من هون وشوي من هون».
ثم أشارت إلى الرفوف: «بس الصناديق طلعت أوفر من المكتبات الجاهزة».
ضحكت القريبة: «واضح إنك عايشة هون».
أجابت عليا: «تقريباً… هون برتب أفكاري، وبمارس هواياتي».
خلال الأسابيع الأولى، بدا كل شيء واعداً.
جلستا معاً ووضعتا خطة للدراسة؛ قسمتا المواد على أيام الأسبوع، وحددتا أوقات المراجعة والراحة.
عند التنفيذ، بدأت الأمور تختلف تدريجياً.
فعندما يحين موعد الدراسة كانت القريبة تقول:
«بعد شوي».
وبعد نصف ساعة تضيف:
«خمس دقايق كمان».
وحين يحين وقت المراجعة المسائية كانت تغلق دفاترها قبل الموعد.
أما عليا فكانت تواصل خطتها بثبات، وتحاول أن تجعل الدراسة أكثر متعة.
لكن الفجوة بينهما كانت تكبر شيئاً فشيئاً.
مع اقتراب الامتحانات، تسلّل إلى عليا شعورٌ ثقيل.
في البداية كانت كلمات عابرة تبدو كأنها مزاح.
«معقول لسه بتدرسي؟»
ثم تضيف وهي تضحك:
«بصراحة مش عارفة إذا إنتِ دودة كتب ولا عثّة كتب».
فتبتسم عليا وتكمل ما تفعل.
لكن التعليقات بدأت تتكرر.
«إنتِ مملّة». «كل وقتك دراسة».
وكانت عليا تحاول أن تُبقي الأمر خفيفاً، لكنها بدأت تشعر أن شيئاً أثقل يتكوّن.
ثم بدأت التفاصيل الصغيرة تتغير.
اختفى دفتر ملاحظات صغير… ثم وُجد في مكان آخر.
كانت القريبة تقتحم الغرفة أحياناً أثناء دراسة عليا، تُحدث ضجيجاً وتعبث بالكتب والأوراق، وكأنها تتعمّد قطع خيط تركيزها.
ضحكات قصيرة عند كل توتر.
ونظرات أطول مما ينبغي.
كان في طريقتها شيء يصعب الإمساك به؛ لا هو مزاح واضح، ولا هو أمر يمكن الاعتراض عليه بسهولة.
وذات مرة، بحثت عليا طويلاً عن قلمها، ثم وجدته مكسوراً فوق الطاولة.
سألت بهدوء: «أخذتِ القلم؟»
أجابت: «آه… كنت أكتب فيه».
توقفت عليا لحظة: «على الأقل كان ممكن ترجّعيه مكانه وتبريه».
ابتسمت القريبة ابتسامة خفيفة: «ما تكبّري الموضوع».
لم يكن هناك موقف واحد واضح يشرح ما يحدث.
بل تدرّج بطيء يجعل الاعتراض يبدو مبالغاً فيه… إن لم يُرَ كاملاً.
وكان كل موقف صغير، منفصلًا عن غيره، يبدو عاديًا.
لكن تراكم المواقف لم يكن كذلك.
في مساء قريب من الامتحان، جلست عليا تراجع بتركيز شديد.
دخلت القريبة تحمل فنجان قهوة.
اقتربت من الطاولة، وتوقفت لحظة.
ثم مالت بيدها فانسكبت القهوة فوق دفتر عليا.
نهضت عليا بسرعة:
«هذا دفتري… فيه خلاصة سنة كاملة من مراجعتي وتعبي».
هزّت القريبة كتفها: «شو أعمل؟ انسكب فنجان القهوة».
نظرت إليها عليا مباشرة: «لا… هذا مش صدفة».
كان صوتها هادئاً، لكنه حازم.
اقتربت القريبة من الدفتر، أمسكته بين يديها بعصبية، ثم بدأت تنتزع صفحاته واحدة تلو الأخرى.
كانت الأوراق تتساقط على الأرض، ومع كل صفحة كان قلب عليا يهوي أكثر، كأنها ترى شهوراً من الجهد تتمزق أمامها.
تقدّمت خطوة محاولة إيقافها، لكن القريبة دفعتها إلى الخلف.
لم يكن الدفع قوياً، لكنه كان كافياً ليكسر شيئاً لم يكن يُرى.
تجمّدت عليا مكانها، بين الغضب والصدمة، ثم استدارت ونزلت الدرج مسرعة.
في الأسفل، قالت لوالدتها بصوت مضطرب:
«ماما… بطلت أقدر أتحمّل».
جلست الأم إلى جانبها.
وشيئاً فشيئاً، بدأت عليا تحكي.
ليس فقط ما حدث الآن، بل ما تراكم قبله.
حكاية وراء حكاية، وموقفاً وراء موقف.
استمعت الأم بصمت.
وحين دخل الأب واستمع إلى ما حدث، قال بهدوء واضح:
«هذا ليس مزاحاً».
كان وقع الجملة كافياً ليُسمّي ما ظل يتكرر طويلاً دون أن يُقال.
وأضافت الأم: «ولا يجوز أن يستمر».
وفي اليوم نفسه، تم التواصل مع أهل القريبة، وانتهى وجودها في البيت سريعاً.
في يوم الامتحان، دخلت عليا القاعة دون دفترها…
لكنها دخلت بثقتها وجهدها وعزمها.
مرّت الأيام بهدوء مختلف، وكأنها استعادت ما كاد يتبعثر.
وحين ظهرت النتائج، حققت ما سعت إليه.
خطوة واضحة نحو التخصص الذي اختارته لنفسها في الجامعة.
وعادت إلى غرفتها فوق السطح؛ إلى كتبها ورسوماتها وموسيقاها،
والى الاستعداد للمرحلة الجديدة التي بدأت تنتظرها.
بدت الأشياء في أماكنها من جديد، لكن شيئاً واحداً كان قد تغيّر.
فكلما تذكرت تلك الأيام، تذكرت أيضاً أن الأذى لا يبدأ دائماً كبيراً وواضحاً.
أحياناً يبدأ بمزحة، أو بتعليق ساخر.
أو بتجاوز صغير يُسمح له بالمرور.
ثم يتمادى… لأن أحداً لم يسمّه باسمه.
ولم يضع له حداً.
وقد بقيت جملة والدها عالقة في ذاكرتها:
«هذا ليس مزاحاً».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب