مقالات

حكايات في التعلّم الكاتب: تفيدة الجرباوي

حكايات في التعلّم
الكاتب: تفيدة الجرباوي

«الحكاية ١٤»
عاد… ولم يعد

كان جود وأحمد صديقَين منذ أيام المدرسة، تلك المدرسة التي جمعتهما في وطنٍ ترعرعا على ربوعه وغرس فيهما أكثر من معرفة. في تلك السنوات، كانت أمّهاتُهما تناديانهما، بابتسامةٍ لا تخلو من يقين: «الدكتور أحمد» و»الدكتور جود»، تقصدان بها الطبيب كما تحلم كلّ أمّ لابنها. كبر الحُلُمان، لكن بطريقَين مختلَفين؛ سار أحمد في الطريق الذي رُسم له حتى أصبح طبيباً، بينما اتبع جود ميوله، واختار دراسة القانون، حتى نال درجة الدكتوراه فيه.
بعد التخرّج افترق الطريقان. اختار أحمد أن يبدأ حياته المهنية خارج الوطن، مدفوعاً بما بدا له فرصة نادرة وواعدة، في حين عاد جود مباشرة، مؤمناً بأن الطريق الحقيقي يبدأ من الوطن لا ينتهي إليه. مرّت السنوات، وتباعدت المسافات، لكن ما كان بينهما ظلّ حاضراً في ذاكرةٍ لا تحتاج إلى تذكير.
جاء اللقاء من جديد، لا بتخطيطٍ منهما، بل بدعوة فخرية لحضور مؤتمر، تقديراً لما قدّماه من خدماتٍ ما زالت مستمرة للمؤسسة الخيرية المنظِّمة، التي تساعد الناس في وطنهما.
في صباح انعقاد المؤتمر، داخل مطعم فندقٍ بعيد عن وطنهما، جلسا إلى طاولة واحدة. تبادلا المصافحة بحرارة صادقة، وجلسا يتحدثان كما لو أن الزمن لم ينجح في قطع ذلك الخيط القديم بينهما. بدأ الحديث بتبادل أخبار العائلة، ثم امتدّ إلى تفاصيل الحياة، قبل أن يتّسع ليشمل ما يحدث في وطنهما وفي العالم من تحوّلات اجتماعية واقتصادية وسياسية، ضمن حديثٍ كان يسير بانسيابٍ طبيعي.
راجعا معاً جدول أعمال المؤتمر، وتوقّفا عند الجلسات والمتحدثين، ثم انشغلا بأنشطة اليوم. تنقّلا بين القاعات، والتقيا سريعاً في فسح القهوة، وتبادلا كلمات مقتضبة في ممرات المؤتمر، قبل أن يجتمعا مساءً على عشاء العمل. وعند نهاية العشاء، اتفقا على أن يلتقيا مجدداً في صباح اليوم التالي، كما لو أن الحديث لم يكتمل بعد.
في صباح اليوم التالي، جلسا في المكان نفسه، وكان الحديث مختلفاً هذه المرة.
قال أحمد وهو يضع كوب القهوة أمامه:
– عدتُ إلى بلدي… بعد التقاعد.
نظر إليه جود باهتمام:
– وكيف وجدت العودة؟
ابتسم أحمد ابتسامة خفيفة، وقال:
– أشياء كثيرة أصبحت تعني لي أكثر… طعام الوطن مثلاً.
– فطاير الزعتر… ما زلت أستمتع بها كل صباح.
– والخضار… والفواكه الطازجة بطعمها الحقيقي.
– والتمرية… ما زالت تحتفظ بمذاقها اللذيذ كما كانت.
ثم توقّف قليلاً، وأضاف:
– لكن… ليس كل شيء كما كان.
سأل جود بلطف:
– ماذا تغيّر؟
تنفّس أحمد ببطء، ثم قال:
– الغربة… هي التي تُغيّر كل شيء.
– الغربة مؤلمة… ليتني لم أبدأ حياتي خارج الوطن.
– ليتني عدت مبكراً… وبقيت هنا.
صمت لحظة، ثم تابع بصوت أهدأ:
– كنت أقول دائماً: سنتان فقط… ثم أعود.
– لكن السنوات مرّت، ولم أنتبه إلا وأنا أصل إلى النهاية.
لم يحتج جود إلى كثير من الأسئلة، فقد انفتح الكلام من تلقاء نفسه. وصف أحمد الغربة بأنها لم تكن مجرد تجربة عابرة، بل مسار امتدّ أكثر مما توقّع. بدأ الأمر بفرصة نادرة براتب مرتفع، ومكانة عالية، وعالم جديد مُبهر. كان هناك بريق واضح؛ لقاءات مع شخصيات مهمة، مظاهر رسمية، وسجادة حمراء تُفرش قبل الحضور. ثم مال وفير يُنفق على الأثاث، والسيارات، والرحلات، والمظاهر التي تكتمل في اللحظة وتزول بعدها.
استطرد أحمد قائلاً: حين عدت إلى وطني، لم يكن كل شيء كما تركته. بعض الوجوه غاب، وبعضها شاخ، والأصدقاء لم يعودوا كما كانوا. صرت أمشي في الشوارع التي أعرفها، لكن إحساسي بها لم يعد كما كان؛ تسبقني ذاكرتي إلى ما كانت عليه، ثم أعود فجأة إلى واقع لا يشبهها. لم أعد غريباً لأنني بعيد، بل لأنني عدت متأخراً.
سكت لحظة… وخطر له أوديسيوس العائد إلى إيثاكا بعد سنوات طويلة.
حين قرأ الحكاية أول مرة، ظن أن مشقتها كانت في الرحلة.
أما الآن، فكان يرى أن جزءاً منها كان في العودة أيضاً. فالزمن لا يقف منتظراً أحداً.
استمع جود بصمت، ولم يقاطع. تسللت إلى داخله خاطرة هادئة: أن بعض الطرق التي نختارها في بداياتنا لا تتوقف عند حدودها الأولى، بل تمتدّ معنا، حتى تصبح هي حياتنا نفسها.
أما أحمد، فلم يتوقف عند ما مضى. كان يفكّر في الحاضر، وفيما يمكن أن يفعله الآن. لم يكن لديه قرار واضح، لكنه كان يبحث عن طريقة يبقى بها قريباً من الناس، يساهم من داخل وطنه، ويكون جزءاً مما يحدث فيه. أدرك أن دعم الوطن من داخله يحمل معنى مختلفاً، وأثراً أعمق مما كان يقدمه من بعيد.
ساد بينهما صمت قصير، لا يحمل فراغاً، بل فهماً مشتركاً. في تلك اللحظة، بدا واضحاً أن العودة لا تعني استرجاع ما مضى، بل التكيّف مع ما تغيّر، وأن بعض الطرق لا نفقدها فجأة، بل تتسرّب من بين السنوات حتى نجد أنفسنا في مكان لم نخطط له.
كان المعنى يتكوّن بصمت: إن الإنسان قد يعود إلى المكان، لكنه لا يعود كما كان؛ يعود وفي داخله ما لم يُعَش، وفي ذاكرته ما لم يكتمل.
عندها فقط، انتبها إلى صوت السيارة في الخارج.
نهضا من حول الطاولة، وغادرا الفندق معاً، في طريق العودة إلى الوطن.
كانت الرحلة واحدة هذه المرة،
لكن الإحساس بها لم يكن متشابهاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب