مقالات

حكايات في التعلّم

حكايات في التعلّم
الكاتب: تفيدة الجرباوي

الحكاية ٢٢

الهمس والحق

جلست عليا في مساءٍ لطيف، تقلّب ألبوم الصور القديم الذي أهداه لها والداها يوم زواجها.
كان الألبوم من زمنٍ آخر؛ بغلاف جلدي بنيّ محفور بنقوش فرعونية دقيقة، وبين صفحاته أوراق شفافة تفصل الصور وتحافظ عليها.
كانت الصور مثبتة بزوايا لاصقة صغيرة، وكل صفحة تحمل جزءًا من حكاية العائلة؛ زواج والديها، وولادة إخوتها، وصور المناسبات والرحلات ومحطات الحياة المختلفة.
قلّبت الصفحات ببطء، ثم توقفت عند صورة.
كانت تجمعها بصديقتيها مها وسهى إلى جانب المديرة، في استقبالٍ لمدير التربية والتعليم.
كانت المديرة تصافحه، فيما تقف الطالبات على جانبي الدرج المؤدي إلى الممر الطويل ذي الأقواس الممتد نحو غرفة المعلمات ثم مكتب المديرة.
وعلى الجانبين كانت النباتات المتسلقة تلتف حول الأعمدة، وتتدلى منها أزهار صغيرة بيضاء ووردية تمنح المكان حضوراً من الجمال والحياة.
كانت المديرة حازمة دون قسوة، وعطوفة دون تهاون. تعرف متى تتدخل ومتى تكتفي بالملاحظة.
تشجّع طالباتها على تحمل المسؤولية، وتدفعهن إلى أدوار أكبر، وتترك لهن المساحة ليثبتن أنفسهن. وكان حضورها كافياً ليمنح المكان هيبة تشعر بها الطالبات والمعلمات.
وفي الصف، كانت مها وسهى وعليا يشكّلن توازناً لافتاً.
مها متفوقة في الرياضيات، دقيقة وواثقة.
وسهى هادئة ومتزنة بطبعها.
أما عليا فكانت تنجذب إلى كل ما يوسّع أفقها؛ العلوم، والفن، والأنشطة التي تتيح لها أن تتعلم شيئاً جديداً.
كنّ يتنافسن على المرتبة الأولى بروح رياضية جميلة، فلا يفسد التنافس صداقتهن، ولا يشغلن أنفسهن كثيراً بمن تحققها.
في الصف العاشر، لم يكن حضور عليا مقتصراً على الدراسة.
فعلى مسرح نادي اللغة الإنجليزية، أدّت دورها في مسرحية الزنبقة السوداء بثقة لفتت الأنظار.
وفي المعرض السنوي، عرضت لوحة لراقصة باليرينا ترتدي فستاناً أزرق واسعاً تنساب طبقاته بخفة حولها، وتقف بثبات على أطراف أصابعها في حذائها الوردي الرقيق، كأنها تتهيأ للحظة دوران جديدة.
كما عرضت وسيلة إيضاح للجهاز الهضمي باستخدام الرمل، وفازت ضمن فريقها في سباق التتابع.
لم تكن تسعى إلى جمع الجوائز بقدر ما كانت تستمتع باكتشاف ما تستطيع أن تفعله.
ومع اقتراب إعلان النتائج، بدأ الحديث يدور في المدرسة حول حصولها على المرتبة الأولى في الصف العاشر.
لكن قبل الإعلان، بدأت تظهر همسات مختلفة.
أن الترتيب قد يتغير.
وأن سهى قد تصبح الأولى.
وأن والد سهى، بحكم صلة قرابته بالمديرة، قد يكون له تأثير في ذلك.
بل وقيل إن تعديلاً طفيفاً قد يطرأ على بعض العلامات، خاصة في مادتي الفن والرياضة.
شعرت عليا بثقل ما تسمعه.
أغضبتها الهمسات وأربكتها. وراودتها فكرة أن تواجه من يرددونها، وأن تطالب بتفسير لما يقال.
لم يكن الأمر متعلقاً بالمرتبة نفسها،
بل بما بدا لها غامضاً وغير واضح.
وفي ذلك المساء، دخلت على والدها مثقلة بالأسئلة والانفعال.
استمع إليها حتى انتهت، ثم سألها:
«ماذا تريدين بالضبط؟»
قالت:
«أريد أن أعرف أن الأمور تسير بعدل».
ابتسم وقال:
«إذن لا تدخلي وأنتِ غاضبة».
سألته:
«وماذا أفعل؟»
قال:
«رتّبي ما لديك من حقائق، وخذيها معك. عندما تكون حجتك واضحة، لا تحتاجين إلى رفع صوتك».
قضت بقية المساء تجمع أوراقها وشهاداتها وما حققته خلال العام.
وفي اليوم التالي دخلت مكتب المديرة.
كانت تحمل ملفها مرتباً.
وضعت أوراقها أمامها، وبدأت حديثها كما رتّبته من قبل.
لم تُطل، ولم توجز أكثر مما ينبغي.
عرضت علاماتها وإنجازاتها بوضوح، وتحدثت بثقة، من دون اتهام أو مبالغة، وأكدت احترامها لصديقتها سهى.
رفعت المديرة نظرها إليها:
«وماذا تريدين يا عليا؟»
أجابت بهدوء:
«أن أثق بالنتيجة، أياً كانت. فالعدالة تحمي ثقتنا بها».
توقفت لحظة، وكأنها تترك لكلماتها أن تستقر.
ثم شكرت المديرة وغادرت.
بقيت المديرة وحدها بعد خروجها.
لم يكن القرار سهلاً كما قد يبدو.
كانت تدرك أن ما سمعته واضح، وأن ما ستقرره لن يمر دون أثر. وكانت تعرف أن أي اتجاه قد يرضي طرفاً ويغضب آخر.
لكنها كانت تدرك أيضاً أن مسؤوليتها ليست إرضاء أحد، بل حماية معيار عادل يثق به الجميع.
طلبت مسودة الشهادات التي أعدتها مربية الصف.
وراجعت العلامات رقماً رقماً.
وقارنت التفاصيل بعناية.
ثم أغلقت الملف بعد أن حسمت أمرها.
وقّعت.
دون تغيير.
وكتبت في الملاحظات:
«أتوقع لعليا مستقبلاً باهراً».
وفي يوم توزيع الشهادات، شكرت المديرة الطالبات، وخصّت مها وسهى وعليا بالحديث، مشيرة إلى أن الفروقات بالأعشار تبقى أرقاماً، بينما ما أنجزنه خلال العام يعكس نضجاً حقيقياً.
تأملت عليا الصورة ثم أغلقت الألبوم.
لم تتذكر النتيجة بقدر ما تذكّرت الهمسات التي سبقتها…
وكيف وجدت طريقها إلى الحق، وأنصفها عدلُ المديرة.
أعادت الألبوم إلى مكانه،
وقد ترك فيها، كعادته،
ذكرى لا تُنسى…
ودرساً ظل يرافقها كلما واجهت مسؤولية أو قراراً جديداً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب