تحقيقات وتقارير

حوار مع إبراهيم ربايعة: إرهاب المستوطنين أداة من أدوات الحكم والسيطرة الاستعمارية الإسرائيلية

حوار مع إبراهيم ربايعة: إرهاب المستوطنين أداة من أدوات الحكم والسيطرة الاستعمارية الإسرائيلية

يتصاعد إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة كأداة لفرض وقائع استيطانية جديدة وتغيير معالم الجغرافيا الفلسطينية. حول دلالات هذه الاعتداءات وأهدافها، أجرينا هذا الحوار مع الباحث إبراهيم ربايعة.

لم يعد إرهاب المستوطنين قابلًا للتفسير باعتباره أفعال أفراد منفلتين خارج الدولة، خاصة مع توفير بيئة سياسية وأمنية داعمة لهم بالسلاح والحماية والطرق والخدمات، وتوفير الغطاء لاعتداءاتهم المنهجية على الفلسطينيين. إذ تنجلي عمليات الإرهاب الاستيطاني الممتدة من الأغوار إلى مسافر يطا عن سياق سياسة منسقة بين المستوطنين وجيش الاحتلال، بغطاء حكومي صريح، لتتحول إلى ممارسات منظمة تتكامل مع سياسات قوات الاحتلال وإدارته المدنية.

ويبرز إرهاب المستوطنين كأداة مهمة في سياق إعادة بناء أدوات منظومة الحكم والسيطرة الاستعمارية الإسرائيلية، حيث يتكامل مع القرارات الحكومية والتشريعات والإجراءات العسكرية والمخططات الاستعمارية في مهمة إعادة هندسة المكان الفلسطيني، وإنتاج وقائع مؤسساتية وميدانية يصعب التراجع عنها.

وشهدت أنحاء الضفة الغربية المحتلة خلال أيام عيد العرش اليهودي اعتداءات واسعة من قبل عصابات المستوطنين، حيث قامت أعداد كبيرة من المستوطنين، يوم الثلاثاء الفائت، بإحراق منازل وممتلكات في قرى بمدينتي رام الله ونابلس، كما اقتحمت أعداد كبيرة من المستوطنين بلدة بيتونيا وطريق “جريوت” غربي رام الله، بحماية الجيش الإسرائيلي.

ووفق ما نقلت وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا” عن مصادر محلية، فإن أعدادًا كبيرة من مركبات المستوطنين اقتحمت طريق “جريوت” غرب رام الله، بحماية الجيش، حيث اعتدوا على عدد من المركبات المارة ورشقوا بعضها بالحجارة، كما أثاروا أجواء من الخوف. وفي نابلس، شمالي الضفة، أقدم مستوطنون على إحراق منازل وممتلكات خلال هجوم على قرية جالود الواقعة جنوبي المدينة.

إبراهيم ربايعة

وفي العلاقة بين هجمات المستوطنين والمخططات الاستيطانية، كشفت تقارير إعلامية إسرائيلية عن مساعٍ داخل مؤسسة الاحتلال العسكرية لتهيئة الظروف اللازمة لإعادة فتح شارع 463 “طريق جريوت” أمام حركة المستوطنين، وهو طريق يخترق قلب منطقة رام الله والبيرة الحضرية ويفصل بين شمالها وجنوبها، ما من شأنه أن يعزل ثماني قرى وحيّين سكنيين كبيرين في الجزء الشمالي من التجمع الحضري عن بقية أجزائه.

من جهة ثانية، كشفت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عن توسيع سلطات الاحتلال الإسرائيلي حدود إعلان “أراضي دولة” قديم على أراضي قريتي جالود في محافظة نابلس والمغير في محافظة رام الله والبيرة، بعد أن أقر ما يسمى “طاقم الخط الأزرق” إضافة 193.93 دونمًا جديدة إلى الإعلان الصادر أصلًا عام 1984.

ولإلقاء المزيد من الضوء على هذه الاعتداءات والمخططات التي تقف وراءها، أجرينا هذا الحوار مع الباحث إبراهيم ربايعة.

“عرب 48”: بات واضحًا أن اعتداءات المستوطنين ليست عشوائية ولا هي انتقامية فقط، وأنها من حيث نطاقها والمناطق التي تستهدفها تخدم مخططات استيطانية، حيث نلاحظ أنها تتركز في الآونة الأخيرة في منطقتي نابلس ورام الله بشكل خاص، إذ تقع هاتان المنطقتان في دائرة الاستهداف بعد الأغوار وجنوب الخليل؟

ربايعة: واضح أننا اليوم لا نتحدث عن ردود فعل أو مجموعات صغيرة عشوائية من المستوطنين، مثلما كنا نتحدث عن “شبيبة التلال” في منطقة محددة كانت محصورة في مستوطنات محيط نابلس. فاليوم نتحدث عن شبكة من المجموعات الصغيرة المتكاملة تعمل جميعها وفق إستراتيجية ونسق واحد، لذلك نلاحظ كيف أن هذه الاعتداءات تتسم بالتزامن وبالنمط الواحد، من حيث طبيعتها وشكلها والأدوات التي تستعملها، وهي تتركز في مناطق محددة، هي، إذا ما تتبعناها، تشكل مسار الاستهداف الاستيطاني.

هذا ما تبين خلال الاستهدافات التي جرت خلال العام الماضي، حيث إن المناطق التي تعرضت لأعلى مستوى من الضغط على سكانها بواسطة الهجمات والاعتداءات هي المناطق التي شهدت مشاريع استيطانية، باستثناء منطقة شمال الضفة، جنين تحديدًا، التي لها خصوصية سنأتي على ذكرها لاحقًا.

هذا النسق من الواضح أيضًا أنه ليس مشروعًا استيطانيًا للمستوطنين فقط، بل هو مشروع مؤسسات دولة أصبحت تخدم هذا النمط من الاستيطان. بمعنى أنه إذا كنا نقول إن الاستيطان يخدم إسرائيل، فاليوم نستطيع أن نقول إن إسرائيل كحكومة ومؤسسات هي التي تخدم المشروع الاستيطاني، الذي تحول من الطرف إلى مركز صنع القرار والسياسة الإسرائيليين.

فأنت ترى أنه في الوقت الذي نتحدث عن مسيرة المستوطنين وإقامة الصلوات في أطراف رام الله، كان الجيش الإسرائيلي يقوم بعملية على طول الخط الأخضر وفي المحيط لتشكيل حزام أمني حول المستوطنين وتأمين حملاتهم.

“عرب 48”: بمعنى أن الموضوع منسق مع الجيش الإسرائيلي ويخدم هدفًا مشتركًا؟

ربايعة: صحيح، هو منسق ومنظم بمواعيده وترتيباته، لأن أي دخول عسكري أو عملية عسكرية يفترض أن تكون معدة بشكل مسبق وليست ارتجالية. وبالتالي فإننا نتحدث عن إطار ناظم وشامل يخدم كل هذا الضغط وهذا الجهد الاستيطاني.

وباعتقادي أن الحديث يجري بشكل متصاعد عن منطقة رام الله، وهناك إشارات متدرجة بأن ثمة إدراكًا أو اعتقادًا في الوعي الاستيطاني أن رام الله هي ما تبقى من مراكز للتعبير عن شكل من أشكال الدولة الفلسطينية، أو أنه إذا أريد أن يكون هناك أي شكل من أشكال الدولة الفلسطينية، فرام الله هي المركز وهي الانعكاس السياسي، لأنها تضم المؤسسات السياسية والإدارية.

وكما هو معروف، فإن إمكانية توسع رام الله باتجاه الجنوب معدومة، لأنها متاخمة لحدود القدس الإدارية، التي تعتبر وفق قوانينهم منطقة إسرائيلية، إضافة إلى مناطق مصنفة “ج”. ولذلك، فإنها تتوسع باتجاه الشمال، وهناك جيوب صغيرة مصنفة “ج” في هذه الشوارع التي تم استهدافها هذا الأسبوع، حيث جرى استثمار هذه الجيوب في محاولة لتخطيط مشروع استيطاني يقطع التمدد الحضري لرام الله ويفتت وحدتها الجغرافية.

“عرب 48”: نحن نتحدث عن محافظة رام الله أم عن رام الله المدينة؟

ربايعة: دعنا نسميها رام الله الكبرى، التي تضم رام الله والبيرة وبيتونيا، والتي تشكل المركز الحضري للمحافظة.

“عرب 48”: الحديث يجري تحديدًا عن إعادة فتح شارع 463 أمام حركة المستوطنين، الذي، وفقًا لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان، يخترق قلب منطقة رام الله والبيرة الحضرية ويفصل بين شمالها وجنوبها؟

ربايعة: صحيح، وكان قد جرى إعادة تأهيل المقطع الأوسع من هذا الشارع بمنحة صينية لبلدية رام الله، من أجل خلق ما يسمى بالطريق الدائري المحيط بالمدينة. وبالتالي، فإن هذا الطريق الدائري هو جزء من توفير البنية التحتية لتوسع رام الله.

ونحن نتحدث عن الحي الأحدث في المدينة، وهو حي الريحان، الذي يقع فيه المستشفى الأكبر، وهو المستشفى الاستشاري، وعن المنطقة التي تتوسع فيها كل المؤسسات الرسمية اليوم، مثل المكتبة الوطنية ومركز الإبداع، وعن مساحات معدة لبناء السفارات الأجنبية في سردا.

هذا كله توسع يحمل شكلًا من أشكال الدولانية أيضًا، وهو ما يشير إلى أن استهداف هذا الشارع تحديدًا هو مدروس ومخطط، وهو لم يكن ليتم لولا وجود المستوطنين في مراكز صنع القرار واطلاعهم على هذه التفاصيل وعلى هذه الخارطة الواسعة. وبما أن هذا الشارع يقع في منطقة منخفضة، يجري الحديث عن نقل المشروع إلى الجيش كي يضع العديد من البوابات الحديدية والنقاط العسكرية ونقاط التفتيش.

“عرب 48”: فهمنا أن هذا الشارع يقطع التواصل الجغرافي والديموغرافي لرام الله ويفصل أحياء كاملة عن جسم المدينة؟

ربايعة: صحيح، الحديث يدور عن حيين، هما حي الريحان، كما أسلفنا، والحي الدبلوماسي، بالإضافة إلى العديد من المنشآت الحيوية، مثل محطة تكرير مياه الصرف الصحي، وواحدة من أحدث الحدائق العامة، والعديد من المشاريع التي هي قيد التخطيط.

“عرب 48”: قيل إن المستوطنين بدأوا بتعبيد الشارع فعلًا؟

ربايعة: حسب معلوماتي، لم يحدث أي شيء على الأرض، لأن المشروع انتقل من المستوطنين إلى الجيش الإسرائيلي، وهو قيد الدراسة. لكن الضغط الاستيطاني يسعى لتحويله إلى أمر واقع، والاقتحام الذي وقع هذا الأسبوع جرى في منطقة بيتونيا، في المقطع الآخر من الشارع، وهي المرة الثالثة أو الرابعة التي نزل فيها المستوطنون وزرعوا الأعلام الإسرائيلية واليافطات.

“عرب 48”: زرعوا الأعلام الإسرائيلية في قلب رام الله؟

ربايعة: صحيح، وهم يحاولون، عن طريق تنفيذ زيارات دورية يسمونها رحلات، جذب الجيش لحمايتهم أمنيًا، وبالتالي إحداث حالة من عدم الاستقرار بهدف خلق واقع جديد. هذا ناهيك عن وجود العديد من البؤر الاستيطانية المستجدة، والعديد من المستوطنات والشوارع التي تعزل الكثير من القرى الواقعة غرب رام الله بشكل كامل.

ونحن نعرف أن النمط الاستيطاني السائد يقوم على عزل القرى الفلسطينية وخلق بنية استيطانية مترابطة فيما بينها ومرتبطة بالمراكز الحضرية (مراكز التشغيل) الواقعة داخل الخط الأخضر، وذلك ضمن إستراتيجية تقليل المسافة الزمنية بين مستوطنات الضفة الغربية وبين هذه المراكز، وخاصة تل أبيب والقدس. وهي إستراتيجية تجعل المستوطن يتمتع بالعالمين: حوافز المستوطنات السكنية والقرب من مراكز التشغيل الإسرائيلية.

“عرب 48”: منطقة نابلس لا تقل استهدافًا من قبل المستوطنين عن منطقة رام الله أيضًا، ما هي المخططات التي تقف وراء اعتداءات المستوطنين هناك؟

ربايعة: في منطقة نابلس هناك مساران للاستيطان تسعى اعتداءات المستوطنين لتسريعهما. الأول هو عزل الفلسطينيين عن الفلسطينيين، عن طريق تكثيف الاستيطان في المسافة الفاصلة والواصلة بين رام الله ونابلس لقطع الشمال بشكل كامل عن وسط الضفة الغربية.

والمسار الثاني هو تعزيز البنية الاستيطانية العرضية. لذلك نرى أن القرى المستهدفة في منطقة جنوب نابلس هي قرى متقاربة عرضيًا وتمثل الخط أو الشارع القادم من الخط الأخضر وحتى منطقة الأغوار. وبالتالي، هي تأسيس بنية تحتية عرضية لتحقيق هدف تقليل المسافة الزمنية للوصول إلى الأغوار وخلق بنية جاذبة للاستثمارات، وذلك لأن منطقة الأغوار، برغم إفراغها بشكل كبير من الفلسطينيين عبر تهجير مجموعات كبيرة من التجمعات البدوية، إلا أن أعداد المستوطنين هناك ما زالت قليلة.

“عرب 48”: قطع التواصل بين نابلس ورام الله، أو شمال الضفة عن وسطها، يتكامل مع قطع التواصل بين وسط الضفة وجنوبها، بيت لحم والخليل، بعد الإعلان عن مناقصات للبناء الاستيطاني في منطقة “إي 1” ضمن مخطط تحويل المدن الفلسطينية إلى كانتونات؟

ربايعة: صحيح، الوصول من رام الله إلى نابلس وبالعكس أصبح صعبًا جدًا في السنوات الأخيرة، إذ إن البنية التحتية المحيطة بحاجز زعترة هي البنية التحتية الفاصلة بين شمال الضفة ووسطها. وقد تصاعدت هذه العملية بعد تكثيف الحضور الاستيطاني على جانبي خط 60 الواصل تحديدًا بين محافظتي رام الله ونابلس، إضافة إلى القواطع العرضية، الأمر الذي عزز من صعوبة وتعقيد عملية الوصول المتبادل وجعلها محفوفة بالمخاطر، خاصة في ضوء كون مستوطني تلك المنطقة هم الأعنف، وقد سبق أن تعرضت القرى الواقعة على هذا الخط، مثل المغير وترمسعيا، وقبلها حوارة، واليوم نتحدث عن قصرة وجالود وتل، وما زالت تتعرض لهجمات دموية عنيفة من قبل عصابات المستوطنين.

“عرب 48”: كلمة أخيرة عن جنين؟

ربايعة: في جنين جرى تضخيم الموضوع الأمني لتبرير عودة الاستيطان وإعادة بناء مستوطنتي “جنيم” و”كديم”، اللتين جرى تفكيكهما في إطار خطة فك الارتباط عام 2005، وعودة الوجود العسكري الإسرائيلي إلى قلب المدينة ومخيمها.

بالمحصلة، فإن الاحتلال ماضٍ في تعزيز سياسة المعازل وتقطيع أوصال الجغرافيا الفلسطينية وبعثرتها في الحيز الاستيطاني الإسرائيلي المترابط، لمنع نشوء أي كيان سياسي فلسطيني مستقل. وهي عملية تسارعت في عهد حكومة نتنياهو وسموتريتش وبن غفير في السنوات الأخيرة، ونجحت في فرض حقائق على الأرض يصعب التراجع عنها، حتى لو تغيرت هذه الحكومة.


إبراهيم ربايعة: باحث وأكاديمي في العلوم السياسية والاقتصاد السياسي، مدير السياسات والبحوث في مركز الأبحاث الفلسطيني في منظمة التحرير، ومدير تحرير دورية “شؤون فلسطينية” الصادرة عن المركز. وهو أستاذ غير متفرغ بدائرة العلوم السياسية في جامعة بيرزيت، وحائز على شهادة الدكتوراه في الدراسات السياسية من جامعة ملايا في ماليزيا. يهتم بحثيًا بالاقتصاد، والتحول السياسي، والمجتمع، والمؤسسة السياسية الفلسطينية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب