حوار مع د. حسام جريس: الحرب على إيران وتداعيات إغلاق مضيق هرمز على الاقتصاد العالمي

حوار مع د. حسام جريس: الحرب على إيران وتداعيات إغلاق مضيق هرمز على الاقتصاد العالمي
تصاعدت المخاوف عالميًا من تداعيات إغلاق مضيق هرمز في ظل الحرب على إيران، مع ارتفاع أسعار الطاقة وتهديد استقرار الأسواق. ويحذر الباحث الاقتصادي د. حسام جريس من أن استمرار الأزمة قد يدفع نحو تضخم واسع وتباطؤ اقتصادي.
تحولت الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران إلى حرب اقتصادية، بعد إغلاق مضيق هرمز الذي تمر عبره 20% من منتجات الطاقة (النفط والغاز) في العالم، إثر انخفاض إنتاج هذين الموردين الحيويين في إيران ودول الخليج بفعل العمليات الحربية.
وتؤثر أزمة الطاقة، باعتبارها موردًا أساسيًا في تشغيل عجلة الإنتاج، على مجمل الفروع الاقتصادية، ما يجعل استمرار الحرب وإغلاق مضيق هرمز تهديدًا جديًا للاقتصاد العالمي.
لإلقاء الضوء على هذا الموضوع، أجرى “عرب 48” هذا الحوار مع الباحث الاقتصادي د. حسام جريس.
“عرب 48”: دعنا نبدأ بتعريف المصطلحات، ماذا نقصد بمصطلح “الاقتصاد العالمي”، وكيف أثرت الحرب على إيران في هذا الاقتصاد؟
جريس: نقصد أساسًا اقتصادات الدول الكبرى، التي تؤثر بدورها بشكل كبير على اقتصادات الدول الأخرى الناشئة أو الهشة والضعيفة، والتي تعتمد اعتمادًا كليًا على الإمدادات من المواد الغذائية والبضائع الاستهلاكية الأخرى. كما تسيطر هذه الدول على خطوط نقل المواد والسلع، وتتحكم بمجريات الأمور الاقتصادية في العالم.

ينقسم الاقتصاد العالمي إلى مجموعتين: مجموعة تسيطر على الموارد، وأخرى تعتمد عليها، الأمر الذي يخلق نوعًا من الارتباط بالدول المنتجة والمصنّعة الكبرى، التي يشكّل إنتاجها نسبة كبيرة من الإنتاج العالمي. وهذا يجعل أي خلل في منظومة الإنتاج العالمية يؤثر بشكل كبير على معظم دول العالم، لاعتمادها على سلاسل التزويد، سواء في مجال المواد الغذائية أو غيرها من المواد الاستهلاكية.
الحرب على إيران أحدثت بالفعل آثارًا سلبية على الاقتصاد، وهناك حديث عن تأثير كبير على اقتصادات الدول الكبرى، التي تهيمن على الاقتصاد العالمي. ويتمثل التأثير الأساسي والمباشر في ارتفاع أسعار موارد الطاقة مثل النفط والغاز، التي تُعد من أساسيات الإنتاج في معظم دول العالم. واليوم، كما هو معروف، لا توجد دولة في العالم لا تستخدم الطاقة، إضافة إلى تأثير غير مباشر على الفروع والمنتجات الأخرى ذات الصلة.
“عرب 48”: بماذا يُترجم تأثير ارتفاع أسعار الطاقة؟
جريس: يُترجم بارتفاع شامل في أسعار كافة المنتجات والصناعات، كون الطاقة تدخل في عملية إنتاجها، ويهدد بحدوث تضخم مالي في دول كانت تتمتع باستقرار اقتصادي، إذ باتت دول كبرى تشهد تزايد المخاوف من تضخم واسع وارتفاع عام في الأسعار، ما قد يفضي إلى أزمة جدية.
وربما تكون اقتصادات أوروبا ومنطقة اليورو أكثر عرضة لخطر التضخم وإعاقة النمو الاقتصادي، لأن التضخم يؤدي إلى تباطؤ في النشاط الاقتصادي وارتفاع الأسعار. في المقابل، تُعد الولايات المتحدة والصين أكثر حصانة نسبيًا، كون الأولى دولة منتجة للنفط، والثانية تمتلك احتياطات كبيرة منه، رغم أن التأثير يشملهما أيضًا.
“عرب 48”: لماذا تتأثر دول أوروبا بالأزمة أكثر من غيرها؟
جريس: لأن معظم الدول الأوروبية تعتمد في إنتاجها أساسًا على مصادر الطاقة الشرق أوسطية التي تمر عبر مضيق هرمز من نفط وغاز، إذ تصل حصة هذه الطاقة في دول مثل ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا إلى 75 – 80% من مجمل استهلاكها. كما تعتمد بريطانيا بشكل كبير على الغاز الشرق أوسطي في إنتاج الكهرباء.
هناك تخوف من نشوب أزمة عالمية جديدة في سوق الطاقة، تذكرنا بأزمة السبعينيات التي اندلعت بعد حظر النفط خلال حرب أكتوبر 1973. ويتحدث خبراء اقتصاد عالميون عن احتمال حدوث ركود اقتصادي، بل إن بعضهم لا يستبعد الوصول إلى حالة كساد.
“عرب 48”: دعنا نعيد تعريف المصطلحات: التباطؤ، الركود، والكساد الاقتصادي، ما الفرق؟
جريس: التباطؤ هو المرحلة الأولى من الأزمة، ويتمثل في تراجع وتيرة النشاط الاقتصادي من إنتاج واستثمار وغيرها، ما يؤدي إلى انخفاض معدلات النمو. فمثلًا، دول كألمانيا وبريطانيا وإيطاليا قد تنخفض معدلات نموها من 4 – 5% إلى 1 – 1.5%.
أما الركود فهو وصول النمو إلى الصفر، أي غياب النمو الاقتصادي. في حين أن الكساد هو تراجع حاد يسجل فيه النمو معدلات سلبية.
ويتوقع العديد من الخبراء أن تؤدي أزمة مضيق هرمز، إذا استمر إغلاقه، إلى تفاقم التباطؤ وصولًا إلى الركود.
“عرب 48”: ما العلاقة بين التضخم والركود والكساد؟
جريس: التضخم يؤدي إلى ضعف القدرة الشرائية للمستهلكين، كما أن ارتفاع أسعار المنتجات يقلل من الاستهلاك، الذي يُعد محركًا أساسيًا للنمو الاقتصادي. ومع تراجع الاستهلاك، تتكدس البضائع وينخفض الإنتاج، ما يقود إلى التباطؤ ثم الركود.
هناك عاملان رئيسيان للركود:
الأول، تكدس البضائع لدى المنتجين، ما يقلل الحافز على الإنتاج والمنافسة، ويؤدي إلى خروج بعض الشركات من السوق.
والثاني، ارتفاع تكاليف الإنتاج، ما يقلص هوامش الربح ويؤدي أيضًا إلى خروج شركات من السوق.
“عرب 48”: هل نحن أمام مسار قد يقود إلى الركود أو حتى الكساد؟
جريس: ما زلنا بعيدين عن الكساد، لكن هناك حديث عن احتمال الركود إذا استمرت الحرب لأشهر إضافية. وإذا طال أمد ارتفاع أسعار الطاقة، فقد نقترب من سيناريو الكساد في بعض الاقتصادات.
الأكثر عرضة لذلك هي منطقة اليورو، التي تعتمد بشكل كبير على الطاقة الشرق أوسطية، وقد تضطر لاستيرادها من مصادر أبعد، ما يزيد تكاليف النقل والأسعار، ويؤدي إلى تضخم ثم تباطؤ وصولًا إلى الركود.
لكن التأثير لن يقتصر على أوروبا، بل سيشمل الدول الصناعية الكبرى، ومنها الولايات المتحدة، حيث بدأنا نلاحظ ارتفاع أسعار المحروقات نتيجة نقص المعروض. فنحن أمام اقتصاد عالمي مترابط، مع تفاوت في درجة التأثر.
“عرب 48”: ماذا عن الدول الصغيرة أو الطرفية؟
جريس: هذه الدول تتأثر أيضًا، بل بشكل مضاعف. إذ تتلقى الصدمة من ارتفاع الأسعار عالميًا، ومن تباطؤ اقتصادات الدول التي تعتمد عليها.
خذ مثلًا دولًا تعتمد على وارداتها من أوروبا؛ فقد تواجه ارتفاعًا في الأسعار وشحًا في السلع بسبب تعطل سلاسل التوريد، خاصة الدول التي تمر تجارتها عبر مضيق هرمز.
بعض هذه الدول قد يواجه أزمة غذائية نتيجة ارتفاع الأسعار وصعوبة الاستيراد، خصوصًا الدول التي تعتمد كليًا على الواردات.
“عرب 48”: بالمحصلة، هل التأثير عالمي؟
جريس: نعم، الأزمة أثبتت أن النفط ما زال موردًا أساسيًا للطاقة عالميًا، رغم الجهود لإيجاد بدائل. ومع دخول الغاز، ازدادت الأهمية الإستراتيجية للشرق الأوسط، الذي ينتج نحو 20% من الطاقة العالمية.
إغلاق مضيق هرمز يعني السيطرة على شريان حيوي للاقتصاد العالمي، ما يحوّل الحرب إلى حرب اقتصادية ويمنح إيران ورقة ضغط كبيرة.
“عرب 48”: هل يمكن أن يستمر هذا الوضع طويلًا؟
جريس: من الصعب التنبؤ، خاصة مع التصريحات السياسية المتضاربة التي تزيد الغموض وتؤثر على الأسواق، ليس فقط الطاقة، بل أيضًا المال والمعادن الثمينة.
الذهب، الذي يُعد ملاذًا آمنًا، شهد مؤخرًا انخفاضًا طفيفًا، وكذلك الفضة والبلاتين.
في النهاية، لا يستطيع الاقتصاد العالمي تحمّل هذا الوضع طويلًا. وإذا استمرت الحرب، فقد تدخل بعض الدول في ركود، ويصبح سيناريو الكساد أكثر واقعية، وهو وضع قد يستغرق التعافي منه سنوات.
*د. حسام جريس: باحث ومحاضر في الاقتصاد والإحصاء بالكلية الأكاديمية “أونو”.




