الافتتاحيهرئيسي

حين تُهدَّد الحياة ويُهمَّش العدل

حين تُهدَّد الحياة ويُهمَّش العدل

بقلم: رئيس التحرير 

في لحظة إقليمية مثقلة بالتحولات والصراعات، لا تتراجع القضايا العادلة لضعفها، بل تُدفع إلى الهامش بفعل إعادة ترتيب قسري للأولويات الدولية. هكذا يتراجع اليوم ملف الأسرى الفلسطينيين، ليس لانحسار أهميته، بل لأن النظام الدولي بات أسير معادلة تختزل الاهتمام بما يهدد الأمن المباشر، وتؤجل ما يمس جوهر العدالة وحقوق الإنسان.

ضمن هذا السياق، يتقاطع التصعيد في المسجد الأقصى مع تشديد الإجراءات بحق الأسرى، في مشهد تتجاوز دلالاته البعد الأمني إلى مستوى الاشتباك الرمزي والسياسي. فالأقصى يمثل مركز ثقل في الوعي الجمعي، وأي ربط بينه وبين سياسات العقاب يرسّخ شعوراً بالاستهداف المركب، ويؤسس لبيئة قابلة للانفجار في أي لحظة.

غير أن التطور الأخطر يتمثل في الدفع نحو تشريعات تشرعن عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين، في سابقة تعكس انزلاقاً خطيراً نحو تقويض أحد أقدس الحقوق التي كفلتها الشرائع الدولية: الحق في الحياة. فهذه العقوبة، في سياق الاحتلال، لا يمكن فصلها عن بيئة تفتقر إلى ضمانات المحاكمة العادلة، ما يجعلها أقرب إلى أداة سياسية ذات طابع انتقائي، لا إلى إجراء قضائي منضبط بالمعايير الدولية.

إن الترويج لقانون الإعدام في ظل هذا الواقع لا يعكس فقط تشدداً تشريعياً، بل يكشف عن استهانة متزايدة بمنظومة حقوق الإنسان، وتراجعاً خطيراً في الالتزام بالقواعد الآمرة في القانون الدولي. فالحق في الحياة ليس حقاً قابلاً للتصرف أو التقييد السياسي، بل هو قاعدة فوق دستورية، أكدتها المواثيق الدولية، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تضع قيوداً صارمة على استخدام هذه العقوبة، إن لم تدفع نحو إلغائها.

توقيت هذه الخطوات يزيد من خطورتها. فالمنطقة تعيش حالة من السيولة الجيوسياسية، تتقاطع فيها أزمات متعددة وتتصاعد فيها حدة الاستقطابات. وفي ظل هذا المشهد، تعيد القوى الدولية ترتيب أولوياتها وفقاً لمنطق “إدارة المخاطر”، ما يؤدي إلى تراجع القضايا الإنسانية—وفي مقدمتها قضية الأسرى—إلى مراتب متأخرة، رغم خطورتها القانونية والأخلاقية.

هذا التراجع لا يعكس نقصاً في المعلومات، إذ لا تزال التقارير الحقوقية توثق تدهور ظروف الاحتجاز، من تقييد الزيارات إلى الإهمال الطبي وتصاعد الضغوط النفسية. لكن الإشكالية تكمن في غياب الإرادة السياسية الدولية للتفاعل، حيث تصبح كثافة الأزمات مبرراً ضمنياً لتجاهل انتهاكات تمس جوهر الكرامة الإنسانية.

من هنا، فإن الجمع بين تصعيد الأقصى، وتشديد الإجراءات بحق الأسرى، والدفع نحو إقرار عقوبة الإعدام، يشكل منظومة متكاملة من الضغوط، تتجاوز بعدها الأمني إلى محاولة إعادة تشكيل قواعد الصراع على أسس أكثر قسوة وخطورة. وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمصداقيته: هل تبقى حقوق الإنسان مجرد شعارات، أم تتحول إلى التزامات ملزمة لا تقبل الانتقائية؟

في هذا الإطار، تبرز ضرورة تحرك دولي عاجل، وفي مقدمته الدعوة إلى انعقاد مجلس حقوق الإنسان بشكل طارئ، لبحث الانتهاكات المتصاعدة بحق الأسرى الفلسطينيين، بما في ذلك مخاطر تطبيق عقوبة الإعدام، واتخاذ إجراءات عملية تضمن احترام القانون الدولي الإنساني، وتوفر الحماية القانونية والإنسانية للمعتقلين.

كما يفرض هذا الواقع على الخطاب الفلسطيني الانتقال إلى مستوى أكثر تأثيراً، عبر إعادة تأطير قضية الأسرى ضمن منظومة القانون الدولي، وتقديمها كاختبار مباشر لمدى التزام المجتمع الدولي بالقيم التي يدّعي الدفاع عنها، وفي مقدمتها الحق في الحياة، ورفض العقوبات القاسية أو اللاإنسانية.

في المحصلة، لا يعكس تراجع الاهتمام الدولي بملف الأسرى تراجعاً في عدالة القضية، بل يكشف عن خلل بنيوي في النظام الدولي، حيث تتقدم اعتبارات القوة على حساب القيم. غير أن استمرار هذا الخلل، في ظل تشريعات تهدد الحق في الحياة، ينذر بتداعيات خطيرة لا تقتصر على الفلسطينيين وحدهم، بل تمتد لتقويض أسس النظام القانوني الدولي برمته.

إن استعادة هذا الملف لمكانته لم تعد خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة أخلاقية وقانونية واستراتيجية، تفرض نفسها في لحظة يتعرض فيها الحق في الحياة ذاته للاختبار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب