ثقافة وفنون

حين صاح الجواهري ومروّة والجمهور بمحكمة المهداوي: أعدموا!

حين صاح الجواهري ومروّة والجمهور بمحكمة المهداوي: أعدموا!

في إحدى القضايا الكثيرة التي رفعتها «المحكمة العسكرية العليا الخاصة» لعام 1958 على متهمين بالمئات، وفي جلستها ضد ناظم بطرس ومال الله الخشاب وفيصل حسون وفوزية ناجي، قدم الادعاء أدلة عن قبول المتهمين «أموالا من مكتب التبادل الثقافي الأمريكي عن إعدادهم بعض برامج «سير الزمن» و»العراق في انتقال» و»سيماء العراق» و»ملتقى الطرق»، و»سؤال وجواب»، معتبرا ذلك «تقصدا للإضرار بالصالح العام».
في استجواب حول هذه الادعاءات، يسأل فاضل المهداوي رئيس المحكمة، شاهدا عن «الهدف الرئيسي من هذه الإذاعات للمتهمين»، فيرد: «الذي أعرف أن هذا برنامج يستسيغه المستمع، أي برنامج كفائي اجتماعي ويمكن تقديمه في الإذاعة أما الهدف بالضبط لم أكن أعرفه».
لا تعجب الرئيس أجوبة الشاهد فيؤنبه قائلا: «يجب أن تعرف الجماعة الذين يشتغلون شغلتك. مثلا تعرف ما هي ميول زميلك، وما هو شغله، وبمن يتصل، وما هو هدفه»، ثم يهاجم رئيس المحكمة فكرة أن يستسيغ المستمعون برامج تموّلها مؤسسات أجنبية، فيضيّق على الشاهد بالقول: هل تتصور أن كل موسيقى مقبولة. الشاهد: كلا. الرئيس: الموسيقى في بعض الأحيان تكون دعاية استعمارية. الشاهد: هذا صحيح!

الجحجاح يمشي على هام العبيد!

قدّمت »محكمة المهداوي»، كما سميت، في عراق خمسينيات القرن الماضي مثالا غرائبيا غير مسبوق عن اشتباك شؤون القضاء والسياسة والأدب، منقولة بشكل مباشر على التلفزيون. تحوّلت قاعة المحاكمات التي رأسها العقيد فاضل عباس المهداوي ابن خالة عبد الكريم قاسم، قائد الانقلاب العسكري على النظام الملكي عام 1958، إلى مهرجان ومسابقة للخطابة والأشعار وترهيب المحاكمين وشتم زعماء الدول، مثل جمال عبد الناصر، أو السخرية من شخصيات ثقافية مثل طه حسين، والتنقل، أثناءها، بين الخطابة والدعاوة والتوجيه السياسي والتظاهر العام والمؤتمرات الشعرية. تحولت القاعة التي انطلقت في الشهر الثاني من الانقلاب إلى منافسة مسرحية خطابية بلاغية، تكشف عن دراما سياسية عنيفة شارك فيها المهداوي رئيس المحكمة، والعقيد ماجد أمين رئيس هيئة الادعاء العام، والجمهور المؤيد لقاسم (وبينهم عدد كبير من مؤيدي الحزب الشيوعي العراقي، الذي دعم حكم قاسم)، ليخرج كل ذلك على شكل جلسات مسائية مطوّلة ومباشرة على التلفزيون العراقي، تعرض سيركا من الخطب السياسية الفاقعة والتهريج وصيحات الجمهور، الذي يتلقف كل شتيمة يلقيها رئيس المحكمة بالهتافات!
أحد أهم المشاركين في ذلك المهرجان الدرامي، من طرف تأييد الحكم الجديد، كان الشاعر الشهير محمد مهدي الجواهري، الذي ألقى قصيدة يصف فيها رئيس المحكمة بالجحجاج الذي يمشي «على هام العبيد»، ويصف كيف صار «الناعمون المترفون» يجالون «سوط الحديد كما تجال قداح»، وكيف أصبحوا «أرانب أقحاحا» بعد أن كانوا ذئابا.

تصدر الأحكام عنّا وتؤيد!

كان الجمهور الهائج المستمتع يرفع أحيانا حبالا للشنق ويصرخ بالمهداوي: إعدم. إعدم، وهو ما عبّر عنه أيضا الشاعر قيس لفته مراد في قصيدة ألقاها: «تصدر الأحكام عنا وتؤيد… تصدر الأحكام بالموت أو السجن المؤبد»!
كان المهداوي، في أغلب الأوقات، يزاود على رئيس هيئة الادعاء في مزاعمه ضد المتهمين، فيما يقوم بتوجيه الإهانات والشتائم لهم، ويقاطعهم وينعتهم بشتى النعوت. بدت المحكمة، واللحظة السياسية، والرأي العام العراقي، مناسبة كبرى لإظهار المهداوي ميوله الأدبية، التي أخذت «تتفجر» بإلقاء أبيات الشعر أو الحكم أو الطُرف، ولم يبخل المهداوي في إعطاء المساحة للحاضرين لإلقاء القصائد الشعرية والهتافات، وعليه فقد شهدت المحكمة سوابق لم تشهدها المحاكم من قبل من حيث ما يجري في الجلسات، أو في طبيعة المناقشات حتى أصبحت، كما يقول كتاب «محكمة المهداوي»، «منبرا لطراز غريب من سياسة الشارع».
كان ذلك إعلانا كبيرا عن بدء عصر الفرجة والملهاة التلفزيونية العربية، الذي أخذ نموذجه الأكثر نصاعة بهذا الشكل الأقصى في العراق، وتُدوولت صيغه وأشكاله وآثاره في شاشات التلفزيون العربية، ولم تنته حتى الآن.
وصل الارتجال في تلك المحكمة، حسب محمد حمدي الجعفري، مؤلف «محكمة المهداوي: اغرب المحاكمات السياسية في تاريخ العراق الحديث»، درجة أنه خلال إحدى الجلسات التي كان يغطيها مخرجون من التلفزيون الرسمي بأربع كاميرات تصوير يتنقل بها المخرج ومساعدوه، لاحظ المخرج يوسف جرجيس حمد، أن صحافيا يدعى إبراهيم علي، كان يعمل في جريدة «الزمان»، أومأ بإشارة إلى المهداوي لتذكيره بموعد جلسة سمر بينهما لينتفض رئيس المحكمة ويفاجئ الحضور وطاقم التلفزيون برفع الجلسة وتأجيلها إلى اليوم التالي، ما أحرج الكادر التلفزيوني لأنه لم تكن لديه مواد للعرض خلال المساء!
يقدم الصحافي العراقي يونس بحري في كتابه «7 أشهر في سجون بغداد» وصفا لبعض الملابسات الغريبة لما كان يجري في كواليس تلك المحكمة حين استدعي كشاهد ضد الفريق محمد رفيق عارف، الذي كان رئيسا لأركان الجيش العراقي، رغم أنه لم تكن له علاقة بالقضية، ولا يعرف عنها شيئا.

ألست عبوسي؟

يشرح المهداوي لبحري ما يجب أن يقوله ضد عارف مقابل إطلاق سراحه (رغم أنه شاهد وليس متهما)، وحين يعترض ويحاول رئيس الادعاء تهديده بمسدس ضخم فيستجير بالمهداوي، الذي يقوم بتذكير بحري بصداقة سابقة بينهما ويتذكران جلسة سمر بينهما «وجعل يدندن نغما كنت أتغنى به دائما في هاتيك الأيام والليالي الملاح»، فيتذكره الشاهد ويقول: ألست عبوسي؟ ثم ينفرد المهداوي به ويعرض عليه الشراب، ويطلب منه أن يتكلم ما يريد في المحكمة «وسنضحك على الجماعة معا»! قامت وزارة الدفاع العراقية بجمع مقالات وتصريحات ومواد وصورا وتعليقات تدافع عن تلك المحكمة تحت عنوان «محاكمات المحكمة العسكرية العليا الخاصة». يلفت النظر أن بيان الاتهام الأول كان ضد غازي الداغستاني، «أحد العسكريين الذين اشتركوا في مؤامرة دنيئة» ضد سوريا، التي قاموا فيها «بتطويع بدو متسرحين من الجيش الأردني، وتمويل عشائر على الحدود السورية»، أوصلوا «المال والأسلحة إلى القوميين السوريين وإلى ضعاف النفوس من العلويين والدرزيين»!
تصلح المرحلة لتأمل السياقات التاريخية اللاحقة، ومصائر الدول والأشخاص، ولفتني، في هذا الإطار، مقال للكاتب اللبناني الراحل حسين مروة، أحد مثقفي الحزب الشيوعي اللبناني، وصاحب كتاب «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية» (الذي اتهم «حزب الله» باغتياله عام 1987). نشرته صحيفة «الثورة» ويدافع فيه عن زعيم الثورة العراقية «المفوه الجريء الثائر» وعن «ممثل الادعاء» و»لسان الشعب» في «المحكمة الثورية الشامخة».
في مقال للقمان الشيخ بعنوان «محاكمة تاريخية لمحكمة المهداوي» يستذكر أيضا حفلا فنيا جرى في بلغاريا، حين كان طالبا، قدمه الفنانون منير بشير وحميد البياتي وأحمد الخليل، الذي غنى لهم أغنية بعنوان «صوت المهداوي المرهوب».
تداول العراقيون أن «محكمة الشعب»، كما سمّيت، عقدت جلساتها في «قصر النهاية» الشهير، الذي اكتسب دلالات دموية وسياسية عميقة في الذاكرة العراقية، لكن الحقيقة أنها عقدت في “قاعة الشعب” في مبنى البرلمان القديم، أما الجحجاح الذي تحدّث عنه الجواهري فهو «رجل من قحطان، شديد القوة والبطش، يخرج في آخر الزمان، ويسوق الناس بعصاه، ويعتبر من علامات الساعة.

كاتب من أسرة «القدس العربي»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب