تحقيقات وتقارير

حين يختلّ الميزان الوطني… تُستحضر المتاهه

حين يختلّ الميزان الوطني… تُستحضر المتاهه

يعيش لبنان اليوم لحظة شديدة الالتباس، تتقاطع فيها الأزمات البنيوية مع خيارات سياسية تعيد إنتاج مشاريع قديمة بأسماء مستحدثة. وفي مراحل الانهيار الكبرى، تتكشف هشاشة الدولة بالتوازي مع ظهور طبيعة النخب التي تتقدّم لملء الفراغ، وتتضح حقيقة الرهانات التي تتبناها.

في هذا السياق، تكتسب العودة إلى كتاب “المتاهة اللبنانية” للجنرال في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية “رؤوفين أرليخ” أهمية استثنائية. وينبع الاعتماد على هذا الكتاب تحديداً من كونه وثيقة أرشيفية صريحة صادرة من داخل المؤسسة الإسرائيلية، تكشف بوضوح طبيعة العلاقات التي نسجتها الحركة الصهيونية مع بعض النخب اللبنانية، وتفضح المنهج الذي حكم تلك العلاقة بعيدًا عن أي خطابات تبريرية.

يكشف أرليخ أن العلاقة بين الصهيونية وبعض القيادات المارونية تجاوزت الطابع الظرفي لترتكز على رؤية سياسية متكاملة عُرفت بـ”تحالف الأقليات”. وفي قلب هذه الرؤية، برز إميل إده، رئيس الجمهورية الأسبق، كأحد أبرز منظّري هذا الخيار، حيث تعامل مع الكيان الصهيوني كحليف محتمل في مواجهة محيطه، مدفوعاً بعقدة خوف وجودي ونزعة استعلاء سياسي وثقافي.

هذا النموذج يمثّل ذهنية سياسية راسخة سقطت سلطتها زمنياً لكن منهجها بقي قابلاً للاستعادة كلما اهتزّ الداخل اللبناني. واليوم، تستوجب قراءة المشهد داخل الشارع المسيحي التوقف عند الصراع المحتدم على وراثة هذا الدور؛ وهو صراع يتجاوز فكرة الزعامة التقليدية ليتمحور حول امتلاك الأهلية لقيادة مشروع انعزالي في لحظة الانهيار.

هنا، يبرز سمير جعجع كخيار أوفر حظًا، مستنداً في ذلك إلى امتلاكه أدوات الصدام والقدرة على الحسم أكثر من استناده إلى العمق الفكري. فتاريخه العسكري وتجربته الميليشياوية يجعلان منه، في نظر مناصريه، الرجل المؤهل لتنفيذ مشروع قاسٍ يتلاءم مع قسوة المرحلة، متفوقاً بذلك على منافسين يفتقرون إلى التجربة، أو يعيشون على إرث العائلات، أو تحرّكهم حسابات المناصب والمكاسب الضيقة.

غير أن هذا التحليل يستدعي النظر إلى المشهد الوطني الأوسع، حيث يظهر اختلال فادح في توازن المواقف من مسألة التطبيع والرهان الخارجي. ففي البيئة الشيعية، ورغم كل ما أصابها خلال سنوات الحرب الممتدة، عجزت أي معارضة عن تقديم نفسها كبديل فعلي أو مشروع جامع، وبقيت تلك المحاولات متناثرة وذات طابع “دونكيشوتي”، في مقابل بيئة حاضنة تتعامل مع المقاومة كخيار وجودي ثابت، يتجاوز الشعارات السياسية العابرة.

أما في البيئة السنية، فيسود صمت سياسي لافت حيال مسألة التطبيع؛ صمت يفتقد إلى المواجهة العلنية أو الموقف المرجعي الصريح. ويمكن تفسير هذا الانكفاء كإدارة لتوازنات دقيقة أو انتظار لانجلاء الغبار الإقليمي، لكنه في المحصلة يُخلّف فراغاً في لحظة وطنية تستدعي أقصى درجات الوضوح.

في هذا المشهد المختل، يُقرأ غياب الصوت المقابل كدليل على طبيعة الصراع الوجودي الذي يتجاوز النقاشات الأكاديمية الهادئة، ليتحول إلى مواجهة بين مشاريع متناقضة: مشروع يرى في الداخل قوة يجب تحصينها، وآخر يتعامل معه كعائق يجب تطويعه عبر الاستقواء بالخارج.

تقدم التجربة اللبنانية، كما التاريخ القريب، درسًا بليغاً. فقد انتهى إميل إده معزولًا بعدما استنفدت القوى التي راهن عليها الغرض منه ثم تخلّت عنه؛ فالخارج يعتمد مبدأ توظيف الأدوات بدلاً من بناء الشراكات الدائمة. وبين صراع الوراثة داخل الشارع المسيحي، وتماسك بيئة المقاومة رغم الجراح، وانكفاء الصوت السني في لحظة مفصلية، يبقى السؤال الأعمق مفتوحًا: هل ينجح اللبنانيون في إنتاج موقف وطني جامع، أم يصرّون على الدوران في متاهة أثبت التاريخ أنها طريق حتمي نحو العزلة والانهيار؟


الكاتب: علي نقر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب