مقالات
حِراكُ تِشرِين فِي العِراقِ ولبنان: بَينَ الرِهانِ عَلى التَغيِيرِ ومَخاطِرِ الإحتِواء مسارات التحول، تحديات الواقع، وخارطة طريق لإعادة تجديد الزخم الوطني حسن خليل غريب
حسن خليل غريب

حِراكُ تِشرِين فِي العِراقِ ولبنان: بَينَ الرِهانِ عَلى التَغيِيرِ ومَخاطِرِ الإحتِواء
مسارات التحول، تحديات الواقع، وخارطة طريق لإعادة تجديد الزخم الوطني
حسن خليل غريب
المقدمة
شهد الوطن العربي في تشرين الأول/أكتوبر 2019 ثورة احتجاجية واعدة أطلقها الشباب في كلٍّ من العراق ولبنان وفي اقطار عربية اخرى، رفعت شعارات تطالب بالاستقلال والسيادة وانهاء النفوذ الاجنبي وخاصة الايراني ونظام المحاصصة الطائفية، ومكافحة الفساد، وإعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة والدولة المدنية . وتُمثّل تلك الانتفاضة محطة مفصلية في تاريخ الحراك الشعبي العربي المعاصر؛ إذ كشفت عن عمق الأزمة السياسية والاقتصادية نتيجة لنظام التبعية والجمود والفساد والمحاصصة الطائفية والمذهبية، وأعادت الروح إلى الشارع عبر نواتها الشبابية العابرة للطوائف والمناطق والاثنيات.
ستتم المقاربة التحليلية النقدية لمسار هذين الحراكين؛ ففي حين عبّرت المجموعات الشبابية عن طموح مشروع لبناء “دولة المواطنة والمؤسسات”، واجهت هذه الحركة العفوية استجابة شرسة من قوى السلطة والمنظومات الحاكمة، تمثلت في الاغتيالات والاستهداف الامني ومحاولات الاختراق، والاحتواء السياسي، والاستنزاف المعيشي والأمني.
وتتجسد التساؤلات الجوهرية فيما يلي: كيف تحول زخم الشارع الميداني أمام المأزق الهيكلي المشترك في بغداد وبيروت وعواصم اخرى ؟ وما هي
التحديات الامنية والسياسية والثقافية التي أدّت إلى جموده أو انكفائه نحو أطر مدنية ومؤسسية محدودة التأثير؟ والأهم: كيف يمكن للحركة التغييرية في القطرين الانتقال من مرحلة العفوية والشعارات الرفضية إلى صياغة رؤية استراتيجية تتكامل فيها حماسة الشارع مع كفاءة وفاعلية البرنامج السياسي، بما يضمن إعادة تنشيط الحراك ومنع مصادرة تضحياته الجسيمة وخاصة في العراق حيث فاق عدد شهدائه الشباب الذين اغتالتهم القوى المتنفذة في سلطة المنطقة الخضراء 800 شهيد؟
الحراك الشبابي في العراق ولبنان (تشرين 2019): بين التغيير ومخاطر الاحتواء
إن قراءة انتفاضة تشرين الأول/أكتوبر 2019 الشبابية في كلٍّ من العراق ولبنان على سبيل المثال لاقطار عربية اخرى، تضعنا أمام رؤية تحليلية متوازنة، تجمع بين الإشادة بجرأة الشباب والرهان على وعيهم من جهة، والتحذير العقلاني من التحديات والمخاطر التي تحيط بحراكهم من جهة أخرى.
النواة الشبابية وكسر الحواجز الطائفية
إن خروج المجموعات الشبابية العابرة للطوائف والمناطق والرافضة لها إلى الشارع هو خطوة ضرورية كسرَت حالة الركود والتسليم بالواقع السياسي القائم. لقد شكّل هذا الحراك بداية التأسيس لثقافة جيل جديد يسعى لبناء دولة المواطنة والمؤسسات بدلاً من المحاصصة الطائفية والمحسوبية. على أن التغيير الشامل لا يقع دفعة واحدة بين ليلة وضحاها، بل يولد عبر تراكم الوعي الوطني، واستمرار طرح الأسئلة الجوهرية بوجه السلطات الحاكمة والتصدي للنفوذ والهيمنة الاجنبية وفي مقدمتها الايرانية، والقضاء على وتفكيك البنى التي اوجدتها.
التشخيص المشترك لأزمة القطرين (العراق ولبنان)
الانطلاق من وحدوية أزمة المشهد في كلا القطرين؛ يدل على أن الحراكين كانا رد فعل طبيعي على أزمات هيكلية متشابهة، أبرزها:
1-نظام المحاصصة: الذي يُغلّب المحسوبية الفئوية والمذهبية على مفهوم المواطنة الشاملة.
2-الفساد المستشري: واستنزاف المقدرات الاقتصادية وتهميش الطاقات الشبابية.
3-التدخلات الإقليمية والدولية: الاستهانة بالسيادة الوطنية، وتحويل الساحات المحلية إلى أدوات وميادين لتكريس النفوذ الخارجي يتقدمه نظام الولي الفقيه الايراني وتصفية الحسابات على حساب المصالح القومية والوطنية.
تحذيرات قائمة: محاولات الاحتواء والجمود
ولأن الحركات العفوية تظل عرضة للالتفاف، يمكن الإشارة إلى خطورتين رئيسيتين تهددان استمرارية هذه الحركات الشبابية العظيمة وهما :
1-اختراق قوى الأمر الواقع: محاولات أطراف السلطة والمجاميع الطائفية ركوب موجة الحراك وتفريغه من مضمونه الوطني لإعادة إنتاج نفسها والحفاظ على مكتسباتها.
2-الافتقار للبرنامج والوقوع في الروتين: الانجرار خلف الشعارات الحماسية دون امتلاك رؤية سياسية واقتصادية واضحة وبرامج عملية، مما يدخل الحراكين في حالة من التكرار والإحباط والإنهاك التدريجي للمشاركين فيه.
خارطة طريق للنهوض والاستمرارية
لكي يتحول هذا الحراك من مجرد فورة شبابية او رد فعل مؤقت إلى مشروع تغيير مستدام، ينبغي العمل على تبني المقومات الأساسية التالية:
1-التعبئة الثقافية والتربية الوطنية: وتتضمن الانتقال من شعارات الرفض إلى بناء ثقافة مدنية بديلة تُعرّي الثقافة الطائفية التقسيمية وتؤسس لمفهوم المواطنة الحقيقية الجامعة.
2- الموقف من الأطر الدستورية: في لبنان المطالبة بتطبيق المبادئ والمواد الدستورية المكفولة (مثل إلغاء الطائفية السياسية وإقرار الكفاءة والجدارة في الوظائف العامة) كشعار دائم يُحرج أطراف السلطة.
اما في العراق فان الدستور الحالي فيه مرفوض وطنياً لانه دستور احتلالي تم وضعه تحت الاحتلال الامريكي ويتضمن بنود خلافية كثيرة وخطيرة تؤسس لتقسيم الوطن وتعزله عن امته العربية وتتنافى مع حقوق الانسان والديمقراطية الحقيقية لذا فان تغيير الدستور وتعديل تلك البنود هو معركة اساسية لاي حراك شبابي باتجاه تحقيق السيادة والاستقلال والوحدة الوطنية.
3-التنسيق وبناء الجبهات الوطنية: توحيد جهود كافة القوى الشبابية والوطنية التي تشترك في مبادئ واهداف الحراك، بما فيها غير الملتزمة حزبيًا، لمنع الصراعات الفردية، وصياغة مشروع سياسي متكامل يعبر عن طموحات الشارع ويدافع عن استقلالية القرار الوطني.
إن الموقف من حراك تشرين 2019 لا يكتفي بالدعم العاطفي لمطالب الشباب، بل يمكن تقديم قراءة نقدية تؤكد أن التغيير هو مسار طويل يحتاج إلى الاقتران بين حماسة الشارع والوعي الفكري والبرنامج السياسي النضالي المُحكم؛ لضمان عدم سرقة تضحيات الشباب وتحويلها إلى مجرد أرقام في معادلات القوى السائدة التي ثار الحراك ضدها اصلاً.
مسار الحراكين ومصيرهما بعد المتغيرات الدراماتيكية في الوطن العربي
ان ما شهده الوطن العربي في تشرين الأول/أكتوبر 2019 من موجة احتجاجية واعدة أطلقها الشباب شكلت املاً كبيراً لكل الامة العربية. واليوم، وبعد مرور سنوات وتراكم المتغيرات الاقتصادية والسياسية، تحول زخم تلك الحركات العفوية من ساحات التظاهر إلى مسارات وأشكال جديدة فرضها الواقع المعقد في كلا البلدين وكما يلي:
العراق: من التظاهر الميداني إلى العمل المؤسسي والتشتت
انتقل المشهد الاحتجاجي العراقي السلمي الثائر نتيجة لشدة الاجرام الذي مورس في مواجهته من اغتيالات لشبابه بلغت عدة مئات اضافة الى الاعتقالات
وغيرها، انتقل من زخم الساحات والمسيرات المليونية إلى مرحلة تمثل نوعا من مأسسة الحراك وخفوت التصدي للواقع الراهن. كما أن قواعد الحراك تعرضت لاستقطابات حادة، كما تمكنت الكتل المتنفذة في السلطة الحالية التابعة للهيمنة الايرانية من إعادة إنتاج نفوذها وتكييف أدواتها، مما أدى إلى تراجع التظاهرات المطالبة بالتغيير الشامل، واستبدالها باحتجاجات فئوية ومحلية تركز على ملفات الخدمة والمعيشة.
2- لبنان: طغيان الأزمة المعيشية والعمل المدني
مرّ المسار التغييري في لبنان بمرحلة انكسار فرضتها الأزمات المتلاحقة والتحديات الجسيمة. ولعل من أهمها تقديم الأولوية المعيشية بعد أن أدت تداعيات الانهيار الاقتصادي والتضخم الحاد، إلى جانب أزمات الإعمار والتطورات الأمنية المتلاحقة، إلى إجهاد الشارع، لتتراجع الاحتجاجات السلمية
لصالح سعي المواطنين للتكيف مع الضغوط المعيشية اليومية.
وعلى الرغم من وصول مجموعة من “نواب التغيير” إلى البرلمان، فإن الانقسام والتجاذبات السياسية داخل المؤسسات التشريعية حدّ من قدرة هذه القوى على تفكيك منظومة المحاصصة الطائفية القائمة. وبمثل تلك الوقائع انكفأت المجموعات الشبابية جزئياً عن المواجهة الميدانية، وتوجهت نحو إطلاق المبادرات المدنية، ودعم المجتمع المحلي، والمطالبة بالإصلاح القضائي والإداري عبر المؤسسات الحقوقية والجمعيات.
وفي الخلاصة تثبت تحولات الحراكين في العراق ولبنان القراءة النقدية التي تطرحها الرؤى الفكرية الوطنية والقومية ؛ إذ أظهرت التجارب أن الاحتجاج العفوي وحماسة الشارع، إن لم يقترنا ببرنامج سياسي وثقافي صلب، وبناء جبهوي متماسك، يظلان عرضة للاستهداف والاستنزاف المعيشي والاحتواء السياسي من قبل القوى المعادية له او التقليدية، مما يجعل التغيير عملية تراكمية طويلة تتطلب بناء الوعي والمؤسسات بالتوازي مع رفع الشعارات.
كيف يمكن إعادة تنشيط الحراك التغييري في العراق ولبنان؟
اليوم، وبعد سنوات من التحولات المعقدة التي فرضت استنزافاً على الساحات وشتتت القوى الناشئة، تبدو الحاجة ملحة للبحث في مقومات عملية كفيلة بإعادة روح التغيير وتجديد الزخم الثوري وفق رؤية واقعية تُستمد من الدروس المستفادة.
تتضح خطوات الخروج من حالة الركود الراهنة عبر أربعة محاور أساسية:
1-الانتقال من رد الفعل العفوي إلى البرنامج الوطني المحكم:
أثبتت التجربة أن الشعارات العامة والاحتجاج العفوي، رغم أهميتهما في بدايات الحراك، لا يكفيان لمواجهة منظومات السلطة المتجذرة. تتطلب إعادة التنشيط الانتقال إلى صياغة رؤية سياسية واقتصادية واجتماعية وطنية متكاملة تقدم بديلاً واضحاً؛ بدءاً من طرح مشاريع عملية لتحقيق السيادة والاستقلال الوطني الحقيقي بعيداً عن الهيمنة الاجنبية، ومروراً بإصلاح الاقتصاد وتحقيق استقلالية القضاء، وصولاً إلى معالجة ملف الفساد والخدمات الأساسية، مما يمنح الشارع هدفاً ملموساً يلتف حوله.
2-بناء جبهات وطنية عابرة للمكونات والمحاصصات:
شكل الانقسام والتشتت بين القوى الناشئة وبعض المستقلين ثغرة كبرى نفذت منها القوى المعادية للحراك لإعادة إنتاج نفوذها. إن بناء “جبهات عريضة” تجمع القوى الوطنية بما فيها الشبابية، والنقابات المهنية، والمستقلين، ومنظمات المجتمع المدني هو مطلب أساسي لخلق ثقل سياسي قادر على التأثير. ويشترط في هذه التحالفات الحفاظ على استقلالية القرار والتمويل، لحماية الحراك من محاولات الاحتواء الداخلي أو التجيير لصالح القوى الإقليمية.
3- الموقف من الأطر والدعائم الدستورية:
يوفر التمسك بالنصوص والأحكام الدستورية القائمة في لبنان سلاحاً قانونياً وسياسياً بيد الحركة التغييرية؛ إذ إن المطالبة المستمرة بتطبيق المواد المتعلقة بإلغاء الطائفية السياسية، وإقرار مبادئ الجدارة والكفاءة في الوظائف العامة، تُحرج المنظومة الحاكمة وتكشف تعطيلها للقوانين. كما تتيح المزاوجة بين
الضغط الجماهيري والعمل من داخل المؤسسات التشريعية دعم الصوت الاحتجاجي بأدوات رقابية ودستورية فعالة.
اما في العراق فان تغيير الدستور الذي وضعه المحتل الامريكي هو معركة اساسية لاي حراك شبابي باتجاه تحقيق الاهداف المذكورة اعلاه وخاصة السيادة والقضاء على التبعية للاجنبي و الغاء الطائفية السياسية والمجتمعية، وإقرار مبادئ الجدارة والكفاءة والقضاء على الفساد وتقوية مؤسسات الدولة وتحقيق استقلالية القضاء ، وغير ذلك من المطالب الوطنية.
4-التوعية الثقافية وتنويع أساليب النضال:
لتجنب الوقوع في حالة الإنهاك والروتين التي قد تصيب الشارع مع طول فترة التظاهر المباشر، يتوجب على الحراك تنويع نشاطاته؛ بالاعتماد على التعبئة الرقمية، والنشاطات النوعية المركزة، والحملات الحقوقية. يوازي ذلك ضرورة الاستمرار في “الحفر الثقافي” لنقد الثقافة الفئوية والطائفية، وترسيخ مفهوم المواطنة المدنية كخيار لا بديل عنه لدى الأجيال الصاعدة.
خاتمة
إن القراءة المتأنية لمسار حراك تشرين 2019 وتعديلاته المرحلية تؤكد أن التغيير في المجتمعات وترسيخ الوحدة الوطنية لا يتحقق بضربة واحدة أو باحتجاجات عفوية مؤقتة، مهما بلغت كثافتها الميدانية. لقد أثبتت التجارب المتلاحقة في العراق ولبنان واقطار عربية اخرى أن الركود أو الانكفاء الراهن ليس نهاية المطاف، بل هو مرآة لكشف الثغرات التنظيمية والبرامجية التي استغلتها قوى السلطة الحاكمة.
لذا فإن إعادة تنشيط المسار التغييري في العراق ولبنان وغيرهما من اقطار الوطن العربي لا تتطلب العودة الآلية إلى شكل الساحات المليونية الأولى، بل تقتضي تحويل الشحنة الاحتجاجية إلى عمل تنظيمي وتراكمي ممنهج. إن الرهان الحقيقي للاستمرارية يكمن في خلق توازن دقيق بين حيوية الشارع وكفاءة البرنامج السياسي النضالي؛ عبر صياغة بدائل اقتصادية ودستورية صلبة، وبناء جبهات وطنية عابرة للمكونات، ومواصلة التوعية الثقافية لبناء “المواطنة المدنية”. بهذه المقومات فقط، يمكن للحركة الشبابية الانتقال من مرحلة الرفض والمطالبة إلى مرحلة فرض التغيير الهيكلي وبناء الدولة الوطنية الجامعة .
See less




