خطة موسكو للتصعيد: هل توسع روسيا حربها الهجينة ضد أوروبا؟

خطة موسكو للتصعيد: هل توسع روسيا حربها الهجينة ضد أوروبا؟
يستعرض هذا التقرير، المنشور في مجلة “ناشونال إنتريست الأميركية”، سبل التصعيد الممكنة أمام الكرملين في حربه المتواصلة مع أوكرانيا وحلفائها الغربيين، لا سيما بعد ازدياد الضربات الأوكرانية داخل العمق الروسي، وحالة عدم الاستقرار التي تبعت ذلك.
مع تصاعد الضربات الأوكرانية داخل العمق الروسي، وتزايد الضغوط الاقتصادية على موسكو، تتجه روسيا صوب توسيع نطاق ردها العسكري والهجين، بدءا من تكثيف الهجمات على البنية التحتية والمدن الأوكرانية إلى تصعيد عملياتها السيبرانية في أوروبا. وفي الوقت الذي تبدو فيه خيارات التصعيد المباشر ضد حلف شمال الأطلسي واللجوء إلى أسلحة الدمار الشامل أكثر خطورة على موسكو، يرجّح أن تركز روسيا على توسيع حربها الهجينة لإضعاف الدعم الأوروبي لأوكرانيا ورفع كلفة استمرار الحرب على الغرب، بحسب الباحثين أندرياس أوملاند وليسيا بيدوتشكو في تقرير نشرته مجلة “ناشونال إنتريست” الأميركية.
ويقول الباحثان إن حرب أوكرانيا تشهد تحوّلا منذ حزيران/ يونيو 2026، فعلى مدى ثلاثة أشهر حتى الآن، تمكنت أوكرانيا من شن عدد متزايد من الضربات العميقة بالطائرات المسيّرة والصواريخ داخل روسيا، مستهدفة مصافي التكرير وناقلات النفط ومصانع الأسلحة ومواقع التخزين ومراكز الخدمات اللوجستية.
وقد غيرت هذه الضربات طبيعة الحرب بالنسبة إلى المجتمع الروسي، فما كان صراعا بعيدا أصبح يتسبب الآن في اضطرابات داخلية، بما في ذلك نقص الوقود والإفلاس اليومي وتراجع إيرادات الحكومة. وتهدف الإستراتيجية الأوكرانية إلى الضغط اقتصاديا على روسيا لإنهاء الحرب أو، على الأقل، لقبول وقف لإطلاق النار.
وهزت الضربات الأوكرانية المتزايدة العمق العقد الاجتماعي بين الشعب الروسي والكرملين، والقائم على أن النظام يمكنه التصرف بحرية في المجال السياسي ما دامت الحياة اليومية مستقرة، إلا أن الهجمات الأوكرانية بعيدة المدى أصبحت تهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وإذا حافظت أوكرانيا على زخمها وألحقت مزيدا من الأضرار بالبنية التحتية الروسية للطاقة والخدمات اللوجستية، فقد تمتد التأثيرات المتتالية إلى قطاعات الزراعة والمصارف والطيران.
ورفض الكرملين مقترحات كييف لوقف إطلاق النار أو فرض وقف متبادل للضربات العميقة، ومن شأن أي تسوية أن تتعارض مع الأسس الأيديولوجية وصورة الرجل القوي التي تمثل جوهر حكم الرئيس فلاديمير بوتين.
وتطالب وسائل الإعلام الروسية القومية المتشددة والمدونون العسكريون والنشطاء القوميون المتطرفون بالانتقام، لا الاعتدال. ولذلك، جاء رد موسكو الفوري في صورة تكثيف الهجمات على أوكرانيا، وتوسيع العمليات الهجينة ضد الكيانات الأوروبية الداعمة لأوكرانيا.
ويقول الباحثان إن الكرملين يسعى إلى الانتقام لإظهار الحزم والقدرة العسكرية، وردع المزيد من الضربات الأوكرانية، وإضعاف الدعم الغربي، وتتبع هذه الإستراتيجية المفهوم الروسي القائم على “التصعيد من أجل خفض التصعيد”.
مسارات التصعيد الممكنة
حتى الآن، تمثل الاستجابة الروسية الأساسية في تصعيد تقليدي مكثف على النهج السابق للحرب، الذي يشمل توسيع قصف البنية التحتية الحيوية في أوكرانيا مثل محطات الطاقة، فضلا عن المؤسسات الثقافية مثل المكتبات والكنائس والجامعات، وبخاصة زيادة الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة على كييف.
ويقول الباحثان إن تصاعد الضربات في عام 2026 يعكس، جزئيا، إعادة ترتيب أولويات استخدام قدرات الضربات الروسية المحدودة وتوجيهها نحو العاصمة.
لكن القصف الروسي المتزايد لكييف ومدن رئيسية أخرى مثل أوديسا يرجع أيضا إلى تنامي القدرة الإنتاجية، وتفيد تقارير الاستخبارات الأوكرانية بأن روسيا أصبحت قادرة الآن على إنتاج أكثر من 200 صاروخ كروز وصاروخ باليستي شهريا، وإذا نجحت روسيا في إنتاج أسلحة رخيصة بعيدة المدى على نطاق واسع، فقد تتمكن من مواصلة الضغط على كييف والمدن الكبرى الأخرى أو زيادته، من دون خفض الهجمات في أماكن أخرى.
وهذا من شأنه أن يفرض تحديين على أوكرانيا: المزيد من الأسلحة القادمة التي تتطلب مزيدا من الصواريخ الاعتراضية، وتهديدا أكثر تشتتا يعقّد مهمة الدفاع عن مراكز الخدمات اللوجستية ومراكز القيادة والقواعد الجوية والمدن. وقد تصعد روسيا أيضا من خلال إشراك بيلاروس في الحرب، ونشر المزيد من القوات الكورية الشمالية، وتجنيد المزيد من المرتزقة الأجانب، أو اللجوء أخيرا إلى التعبئة الجماهيرية.
ويتمثل أحد الأسئلة الرئيسية لعام 2027 في ما إذا كانت روسيا قادرة على تنفيذ هذه الخطط وخطط مماثلة، قبل أن تعطلها الضربات الأوكرانية.
وفي ما يتعلق بالتصعيد باستخدام أسلحة الدمار الشامل، فقد استخدمت روسيا بالفعل أساليب تقترب من استخدام مثل هذه الأسلحة؛ فقد هاجمت محطات الطاقة النووية الأوكرانية، ودمرت سد كاخوفكا الضخم على نهر دنيبرو، وكانت ردود الفعل الغربية على هذه الاستفزازات محدودة، ما يزيد من احتمالية حدوث مزيد من التصعيد.
وفوق ذلك كله، ستواصل موسكو إرسال إشارات نووية، وربما تعدل عقيدتها العسكرية، كما فعلت في عام 2024، أو تجري تدريبات تشمل منظومات إطلاق الرؤوس الحربية النووية، ومن شأن إجراء اختبار نووي في مكان مثل نوفايا زيمليا أن يمثل مرحلة جديدة من إرسال الإشارات النووية.
وتشمل الخيارات الأكثر تصعيدا شن هجمات جديدة على منشآت نووية مدنية، أو تفجيرا نوويا استعراضيا في منطقة غير مأهولة في أوكرانيا، أو في الخيار الأكثر تطرفا استخدام سلاح نووي تكتيكي ضد القوات الأوكرانية أو المدنيين.
ومع ذلك، يقول الباحثان إن التصعيد باستخدام أسلحة الدمار الشامل ينطوي على خطرين رئيسيين بالنسبة إلى روسيا؛ أولا، سيؤدي كسر المحظور النووي القائم منذ 80 عاما إلى زعزعة نظام الأمن العالمي، وقد يؤدي ذلك بالتالي إلى رد فعل عالمي شديد، بما في ذلك من جانب الصين والهند، ما يقوض مكانة روسيا الدبلوماسية.
ثانيا، أظهرت أوكرانيا قدرتها على توجيه ضربات عميقة داخل روسيا، وإذا استخدمت روسيا أسلحة الدمار الشامل ولم يكن رد الفعل الدولي كافيا، فقد تفكر أوكرانيا في تطوير قدرات للرد، بما في ذلك “القنابل القذرة”، أي رؤوس حربية تقليدية تحتوي على مواد تبعث إشعاعات من منشآتها النووية.
وبينما سيكون مثل هذا الرد أكثر فاعلية من ضربة نووية مضادة فعلية، فإن احتمال تلوث أراضي الدولة الروسية بمواد مشعة سيكون له تداعيات كبيرة على روسيا.
وفي مختلف أنحاء أوروبا، أصبحت فكرة احتمال تصعيد روسيا من خلال تقدم عسكري إلى ما وراء أوكرانيا موضوعا ساخنا مؤخرا. ووفقا لمنطق هذا السيناريو، قد يهدف هجوم روسي تقليدي في مناطق، مثل دول البلطيق أو منطقة البحر الأسود، إلى صدمة حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي ودفعهما إلى تقليص دعمهما لأوكرانيا.
بيد أن مثل هذا الهجوم قد يؤدي أيضا إلى نتيجة عكسية تتمثل في زيادة الدعم الأوروبي لأوكرانيا. علاوة على أنه قد يؤدي إلى تفعيل المادة الرابعة من معاهدة واشنطن الخاصة بحلف شمال الأطلسي، والمادة 42 من معاهدة لشبونة للاتحاد الأوروبي، ما قد يجر روسيا إلى حرب على جبهتين ضد الغرب وأوكرانيا، وهو ما سيكون في غير مصلحة موسكو.
ولهذه الأسباب، من غير المرجح أن تشن روسيا هجوما عسكريا تقليديا على أراضي إحدى دول حلف شمال الأطلسي أو الاتحاد الأوروبي.
ومن ناحية أخرى، يتزايد بالفعل التصعيد الهجين في مختلف أنحاء أوروبا، ومن المرجح أن يتصاعد أكثر. ومن المرجح أن تزيد روسيا من الهجمات السيبرانية، والهجمات على الشركات المصنعة لمعدات الدفاع، ومراكز الخدمات اللوجستية، والسكك الحديدية، والمطارات والموانئ، والتشويش على نظام تحديد المواقع العالمي، وانتهاكات المجال الجوي، وتوغلات الطائرات المسيّرة، وحملات التضليل المتزامنة مع الانتخابات.
وتستغل هذه العمليات حالة الغموض، وتؤخر تحديد المسؤولية، وتعقّد الردود عليها. وحتى الآن، لا يمتلك حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي استجابات متفقا عليها مسبقا بالقدر الكافي، بحيث يمكن تفعيلها قبل أن يتحول تصاعد حالة عدم اليقين إلى ميزة لروسيا.
كما أن خيارات التصعيد الأكثر خطرا لدى الكرملين، مثل استخدام أسلحة الدمار الشامل في أوكرانيا أو شن هجوم تقليدي على دولة عضو في حلف شمال الأطلسي، هي أيضا الأكثر خطورة وتكلفة بالنسبة إلى روسيا. ولذلك، فإن مسارات التصعيد الأكثر ترجيحا أمام موسكو تتمثل في تكثيف الهجمات على البنية التحتية المدنية الأوكرانية، وتوسيع الحرب الهجينة ضد أوروبا.
ما التدابير التي يمكن أن تحد من فعالية التصعيد الروسي؟
ويقول الباحثان إنه لجعل التصعيد صفقة خاسرة بالنسبة إلى موسكو، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يجعل إنتاج روسيا للصواريخ والطائرات المسيّرة أكثر صعوبة؛ من خلال تحسين تتبع المكونات الأجنبية التي يُعثر عليها في الأسلحة المستعادة، وفرض عقوبات بطريقة أسرع على منتجيها وتجارها.
وينبغي للشركاء الغربيين وغير الغربيين لأوكرانيا الانخراط في إنتاج مشترك لصواريخ اعتراضية منخفضة التكلفة، وأنظمة للحرب الإلكترونية مع أوكرانيا.
كما تحتاج الدول الأوروبية إلى تطوير بروتوكولات لحماية مراكز الخدمات اللوجستية التي تدعم أوكرانيا، وتحديد إجراءات الكشف والتحييد وإعادة التوجيه واستئناف العمل.




