
رجال الدين الذين صنعوا طغاة افريقيا.
بقلم زكريا نمر -السودان –
من أكثر الملفات التي تبدو معقدة في القارة الإفريقية الدين والسياسة، ليس لأن الدين عنصر طارئ على المجتمع الإفريقي، بل لأنه متجذر في الوعي الجمعي منذ قرون، حتى قبل ظهور الدولة الحديثة بمفهومها الحالي. ولهذا فإن أي محاولة لفهم الأزمات السياسية أو الحروب الأهلية أو حتى التحولات الاجتماعية في إفريقيا دون التوقف عند العامل الديني، تبدو قراءة ناقصة، وأحيانا ساذجة. لكن المشكلة الحقيقية ليست في وجود الدين داخل الحياة العامة، بل في الطريقة التي جرى بها استخدامه، سواء من قبل الأنظمة السياسية، أو الجماعات المسلحة، أو حتى القوى الدولية التي وجدت في الانقسامات الدينية بابا مناسبا للتدخل وإعادة تشكيل النفوذ.
في إفريقيا، الدين ليس مجرد طقوس تؤدى داخل الكنائس أو المساجد، بل هو جزء من تكوين الإنسان نفسه. الفرد الإفريقي غالبا يولد داخل مجتمع يرى في الدين مرجعية أخلاقية واجتماعية وثقافية، ولذلك يصبح الخطاب الديني قادرا على التأثير في المزاج العام بصورة أكبر من الخطابات الفكرية أو الحزبية. السياسي الإفريقي فهم هذه النقطة مبكرا، ولهذا حاول كثير من الحكام الاقتراب من المؤسسات الدينية أو صناعة صورة الحاكم المؤمن القريب من المقدس، لأن الجماهير في المجتمعات الهشة تميل إلى منح ثقتها لمن يبدو حاميا للعقيدة أو ممثلا للقيم الروحية. لكن هذه العلاقة لم تكن دائما بريئة أو طبيعية. ففي أوقات كثيرة تحول الدين إلى أداة تعبئة سياسية أكثر منه رسالة أخلاقية. بعض الحكومات استخدمت رجال الدين لتبرير بقائها في السلطة، وبعض رجال الدين وجدوا في قربهم من السلطة امتيازات ومصالح ونفوذا اجتماعيا. وهنا بدأ التشوه الحقيقي؛ لأن الدين عندما يدخل لعبة المصالح يفقد جزءا من قيمته الروحية، بينما تتحول السياسة إلى ساحة عاطفية يصعب فيها النقاش العقلاني.
التاريخ الإفريقي الحديث يحمل أمثلة كثيرة على هذا التداخل. الاستعمار الأوروبي نفسه لم يدخل القارة بالبندقية فقط، بل دخل أيضا عبر البعثات التبشيرية. الكنيسة في بعض المناطق كانت ترافق الإدارة الاستعمارية بصورة مباشرة أو غير مباشرة. المدارس التي أنشأها المستعمر قدمت التعليم فعلا، لكنها في الوقت نفسه ساهمت في خلق طبقات اجتماعية جديدة مرتبطة باللغة والثقافة الأوروبية. وحتى حين كان بعض رجال الدين يقفون ضد الاستعمار، فإن المؤسسة الدينية عموما لم تكن منفصلة بالكامل عن المشروع الاستعماري. وفي الجانب الآخر، لم يكن الإسلام بعيدا عن السياسة في إفريقيا. فالإسلام في غرب إفريقيا والساحل والقرن الإفريقي ارتبط منذ فترات طويلة بالسلطنات التقليدية وبشبكات التجارة والنفوذ الاجتماعي. ومع الزمن، أصبح الدين عنصرا من عناصر الشرعية السياسية، وأحيانا وسيلة لبناء الولاءات القبلية أو الإقليمية. وهذا ليس أمرا خاصا بإفريقيا وحدها، لكنه في القارة الإفريقية أخذ أبعادا أكثر تعقيدا بسبب هشاشة الدولة الحديثة وضعف المؤسسات. بعد الاستقلال، كان يفترض أن تتجه الدول الإفريقية نحو بناء مشروع وطني يتجاوز الانقسامات القبلية والدينية، لكن ما حدث في كثير من الحالات هو العكس تماما. الأنظمة الجديدة ورثت حدودا رسمها الاستعمار دون مراعاة للهويات المحلية، فوجدت نفسها أمام مجتمعات متعددة الأعراق والأديان واللغات. بدل بناء مفهوم المواطنة، اختارت بعض النخب السياسية اللعب على التوازنات الدينية والعرقية لضمان استمرار السلطة. وهكذا أصبح الدين يدخل تدريجيا في الحسابات الانتخابية والتحالفات السياسية وحتى في توزيع المناصب.
المؤلم أن كثيراً من الشعوب الإفريقية لم تكن ترى في الدين سببا للصراع في الأصل، لكن السياسيين والجماعات المتطرفة حولوه إلى وقود للنزاعات. فالحروب غالبا تبدأ بسبب السلطة أو الثروة أو التهميش، ثم يلبس الصراع ثوبا دينيا حتى يصبح أكثر قدرة على الحشد والتعبئة. وعندما يتحول النزاع السياسي إلى نزاع مقدس، يصبح التراجع عنه أصعب، لأن كل طرف يعتقد أنه لا يدافع عن مصالحه فقط، بل عن عقيدته وهويته ووجوده. في بعض مناطق إفريقيا، أصبحت الجماعات المسلحة تستثمر في هذا الفراغ السياسي والاجتماعي. الفقر والبطالة وغياب العدالة جعلت الشباب أكثر هشاشة أمام الخطابات المتطرفة. الجماعة المسلحة لا تقدم نفسها فقط كمشروع ديني، بل أيضا كبديل عن الدولة الغائبة. ولذلك فإن مواجهة التطرف لا يمكن أن تتم بالسلاح وحده، لأن الأزمة أعمق من ذلك بكثير. عندما يشعر الإنسان أنه بلا مستقبل، يصبح أكثر قابلية للانتماء إلى أي خطاب يمنحه معنى أو قوة أو شعورا بالانتماء.
المشكلة أيضا أن بعض الأنظمة الإفريقية ساهمت بنفسها في تغذية هذا التطرف، سواء بالقمع السياسي أو بالفساد أو بإضعاف التعليم. فالدولة التي تفشل في بناء مواطن واع تترك المجال مفتوحا أمام الخطابات المغلقة. التعليم الضعيف يجعل الناس أسرى للشعارات، والبطالة تجعل الشباب أسرى للغضب، وغياب العدالة يجعل المجتمع مهيأ للانفجار في أي لحظة. لا يمكن إنكار أن المؤسسات الدينية لعبت أدوارا إيجابية في إفريقيا أيضا. كثير من رجال الدين وقفوا ضد الحروب الأهلية، وبعضهم ساهم في المصالحات الوطنية، وآخرون دافعوا عن الفقراء وضحايا الاستبداد. الكنائس والمساجد في أوقات كثيرة كانت أكثر قربا من الناس من الأحزاب السياسية نفسها. وهذا يؤكد أن المشكلة ليست في الدين كقيمة روحية، بل في استغلاله وتحويله إلى أداة صراع.
هناك نقطة مهمة كثيرا ما يتم تجاهلها عند الحديث عن الدين والسياسة في إفريقيا، وهي أن القارة ليست كتلة واحدة. فالعلاقة بين الدين والدولة تختلف من بلد إلى آخر. هناك دول حاولت الحفاظ على قدر من التوازن، ودول أخرى غرقت في التوظيف الديني بصورة خطيرة. كما أن طبيعة التدين نفسها تختلف بين المجتمعات الإفريقية. بعض المناطق ما تزال تحتفظ بتقاليد دينية محلية قديمة متداخلة مع الإسلام أو المسيحية، بينما توجد مناطق أخرى أكثر تشددا وانغلاقا. لكن رغم هذا التنوع، يبقى العامل المشترك هو ضعف الدولة الحديثة. إفريقيا تعاني في كثير من أجزائها من أزمة مؤسسات حقيقية. الأحزاب ضعيفة، والقوانين هشة، والاقتصاد تابع، والتعليم متراجع، ولذلك يصبح الدين أحيانا البديل الأسرع لتنظيم المجتمع أو تعبئة الجماهير. الناس لا تذهب إلى الدين فقط بدافع الإيمان، بل أيضا بحثا عن الأمان والهوية والتضامن الاجتماعي. من أخطر الأشياء التي حدثت في بعض الدول الإفريقية أن رجال السياسة لم يعودوا يكتفون باستخدام الدين، بل أصبحوا يقدمون أنفسهم باعتبارهم جزءا من المقدس نفسه. الحاكم يتحول إلى رمز ديني، ومعارضته تصبح في نظر بعض الأتباع خيانة للعقيدة أو تهديدا للاستقرار الروحي. وهنا تدخل المجتمعات في مرحلة خطيرة جدا، لأن السلطة عندما تقدس يصبح نقدها شبه مستحيل.
الإعلام كذلك لعب دورا متناقضا في هذه القضية. بعض وسائل الإعلام ساهمت في نشر خطاب الكراهية والانقسام، بينما حاولت وسائل أخرى الدفاع عن فكرة الدولة المدنية والتعايش. لكن في المجتمعات التي ترتفع فيها معدلات الأمية والفقر، يصبح تأثير الخطاب العاطفي أكبر من تأثير التحليل العقلاني، ولهذا تنتشر الشائعات والخطابات المتشددة بسرعة كبيرة. كما لا يمكن تجاهل دور القوى الخارجية في تعقيد العلاقة بين الدين والسياسة داخل إفريقيا. بعض الدول الكبرى دعمت جماعات أو تيارات دينية لخدمة مصالحها الجيوسياسية، سواء خلال الحرب الباردة أو بعدها. إفريقيا كثيرا ما كانت ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين، بينما تدفع الشعوب الثمن من استقرارها ومستقبلها.
ما يثير القلق اليوم هو أن بعض المجتمعات الإفريقية بدأت تفقد الثقة في السياسة نفسها، ولهذا يزداد الاعتماد على الخطاب الديني بوصفه بديلا أخلاقيا. لكن هذا الحل يحمل مخاطره أيضا، لأن تحويل الدين إلى مشروع سياسي كامل قد يؤدي إلى إقصاء الآخرين وخلق انقسامات جديدة. الدولة الحديثة لا يمكن أن تقوم على أساس ديني ضيق في مجتمعات متعددة الهويات مثل المجتمعات الإفريقية. الحاجة الحقيقية اليوم ليست إلى محاربة الدين، كما يعتقد بعض المتطرفين في الاتجاه الآخر، بل إلى بناء توازن صحي بين المجال الديني والمجال السياسي. الدين يجب أن يبقى مصدرا للقيم والأخلاق والضمير الإنساني، لا وسيلة لاحتكار السلطة أو تخوين المختلفين. والسياسة يجب أن تبقى مجالا للنقاش والمحاسبة وإدارة المصالح العامة، لا معركة بين المؤمن والكافر.
إفريقيا تحتاج إلى مشروع وطني جديد يقوم على فكرة المواطنة لا الطائفة، وعلى العدالة لا المحاباة، وعلى التعليم لا التعبئة العاطفية. لأن المجتمعات التي تحكم بالشعارات الدينية وحدها قد تكسب الحماس موقتا، لكنها تخسر الدولة على المدى البعيد. والتاريخ مليء بأمثلة لأنظمة رفعت رايات الدين بينما كانت تمارس الفساد والقمع بأشكال مختلفة. ما أخشاه فعلا ليس وجود الدين في السياسة، بل غياب الوعي داخل السياسة نفسها. عندما يصبح رجل الدين أكثر تأثيرا من المفكر، والخطاب العاطفي أكثر حضورا من المشروع الاقتصادي، والمقدس أكثر استخداما من القانون، فإن المجتمع يدخل تدريجيا في دائرة مغلقة يصعب الخروج منها.
القارة الإفريقية ليست فقيرة كما يقال دائما، بل هي قارة أنهكت بالصراعات وسوء الإدارة والتوظيف الخاطئ للهويات. والدين كان في أحيان كثيرة ضحية للاستغلال أكثر مما كان سببا مباشرا للأزمات. ولهذا فإن أي قراءة موضوعية يجب أن تفرق بين الإيمان بوصفه قيمة إنسانية، وبين استغلاله كوسيلة هيمنة سياسية. يبدو لي أن مستقبل إفريقيا لن تحدده فقط الثروات الطبيعية أو التحالفات الدولية، بل قدرتها على بناء دولة تحترم التعدد وتحمي الإنسان من الاستغلال باسم الدين أو القبيلة أو السلطة. لأن الدولة التي تفشل في حماية مواطنيها من الانقسام، ستظل دائما مهددة بالانفجار مهما رفعت من شعارات الوحدة والإيمان.



