رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني… طفولة دائمة تلاحق ظلها

رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني… طفولة دائمة تلاحق ظلها
محمد عبد الرحيم
كاتب مصري
القاهرة ــ «ما زلت أرسم بروح الطفلة التي كنتها، وما زالت تلك اللحظات الجميلة تسكنني، وما زلت أتذكر كثيرا من الشخصيات التي عايشتها، ولعبت معها في تلك المناطق القريبة من روحي وعقلي». زينب السجيني
برحيل الفنانة المصرية زينب السجيني، التي ولدت في 10 فبراير 1930 وتوفيت في 7 أبريل 2026، تطوى صفحة مهمة من تاريخ التشكيل المصري الحديث. فقد كانت من أبرز الفنانات المصريات اللواتي جمعن بين الموهبة الأكاديمية والوفاء للروح المصرية في الفن، من غير انسياق وراء صيغ تحديث زائفة أو تقليد سطحي لاتجاهات وافدة. وعلى امتداد مسيرة طويلة تجاوزت سبعة عقود، حافظت السجيني على عالمها البصري الخاص، المنحاز إلى الإنسان البسيط، وإلى الذاكرة الشعبية، وإلى جماليات المكان المصري في طبقاته العميقة.
نشأت زينب السجيني في القاهرة، وتوزعت طفولتها بين أحياء عريقة مثل الظاهر والحسين والأزهر والجمالية والنحاسين. وفي هذه البيئة تشكل وجدانها البصري، وتكونت علاقتها المبكرة بالمشهد الشعبي المصري، بما يحمله من عمارة وزخارف وطقوس وحياة يومية. وقد انعكس هذا كله على اختياراتها الأكاديمية اللاحقة، إذ درست القيم الزخرفية في التصوير المصري القديم، ثم واصلت انشغالها بالتراث البصري العربي والإسلامي في أبحاثها العليا، لتؤكد عبر دراستها أن الرسم والزخرفة في الحضارات القديمة لم يكونا مجرد عناصر تزيينية، بل كانا تعبيرا عن الحياة الاجتماعية والخيال الجمعي ونظام الرؤية إلى العالم.
وكان انتماؤها إلى عائلة فنية عاملا حاسما في تكوينها. فهي ابنة أسرة يرتبط اسمها بالفنان الكبير جمال السجيني، الذي كان له أثر واضح في توجيهها إلى دراسة الفن دراسة أكاديمية جادة، وفي تعميق إحساسها بالانتماء الوطني وبأهمية التعبير عن الناس العاديين والهامش الإنساني. ومع أنها اقتربت مبكرا من عالم النحت بحكم هذه الصلة، فإنها اختارت بوعي أن تمضي في طريق التصوير، مدركة أن لكل فنان مجاله الذي يستطيع أن يضيف إليه صوته الخاص من غير استعادة لظل الآخرين، مهما كانت مكانتهم.

درست السجيني في كلية الفنون الجميلة، قسم الفنون الزخرفية، بجامعة حلوان، ونالت البكالوريوس عام 1956، ثم حصلت على بكالوريوس المعهد العالي للتربية الفنية عام 1957. وبعد ذلك واصلت مسارها البحثي والأكاديمي حتى نالت الدكتوراه في فلسفة التربية الفنية عام 1978، وتدرجت في العمل الجامعي إلى أن تولت رئاسة قسم التصميمات بكلية التربية الفنية بجامعة حلوان، ثم صارت أستاذة متفرغة في القسم نفسه. وبذلك جمعت بين الإنتاج الفني والممارسة التعليمية، وأسهمت في تكوين أجيال جديدة من الفنانين والباحثين.
أما اختيارها لفن التصوير، فلم يكن مصادفة. فقد وجدت فيه المجال الأوسع للتعبير عن حساسيتها الفنية، وعن ميلها إلى التقاط التفاصيل الحميمة في حياة الناس. ومن خلال هذا الاختيار انفتحت على عالم الحارات والأحياء الشعبية، وعلى ألعاب الأطفال والعادات اليومية والمشاهد المألوفة التي كانت تراها مادة خصبة لبناء اللوحة. وقد اقترن هذا المسار أيضا بتأثرها بزوجها الفنان عبد الرحمن النشار، الذي شاركها الميل إلى الحس الشعبي، وشجعها على تعميق هذا المنحى في أعمالها. وهذا ما جعل لوحتها تنتمي إلى الواقع المصري لا بوصفه موضوعا خارجيا، بل بوصفه خبرة معاشة وذاكرة مستمرة.
ولم تكن السجيني بعيدة عن الأحداث الكبرى التي عاشتها مصر. فقد انعكست الصدمات الوطنية، ولا سيما هزيمة 1967، على عدد من أعمالها التي بدت فيها الشخصيات في حالات اختلال وانكسار وتشبث بالأرض، كأنها تواجه اقتلاعا رمزيا من الجذور. ثم استمر تفاعلها مع الشأن العام حتى السنوات الأخيرة، بما في ذلك ما بعد ثورة يناير 2011، حين ظهرت في أعمالها حالات ترقب وقلق وتوجس، عبر وجوه نسائية وطفولية تقف بين البراءة والهشاشة واستشعار ما هو آت. ومن هنا لم يكن فنها سجلا زخرفيا للحياة اليومية فحسب، بل كان أيضا مرآة حساسة للقلق الجمعي والتحولات الاجتماعية.
وتبقى «فتيات السجيني» من العلامات الأوضح في تجربتها. فشخصياتها النسائية، على اختلاف الأعمار بين الطفولة وبدايات الأنوثة والأمومة، تحمل مزيجا خاصا من السكون الداخلي والقلق المكتوم. وتبدو هذه الشخصيات، في كثير من الأحيان، كأنها تنتمي إلى عائلة بصرية واحدة: أجساد نحيلة، وملامح مصرية شعبية، وشعر منفوش، ونظرات تفيض بالتأمل. غير أن هذا التشابه الظاهر لا يلغي التعدد النفسي داخل اللوحات، إذ تبدو كل شخصية حاملة لعالمها الخاص، ولأسئلتها ومخاوفها وأحلامها الصغيرة. ولهذا استطاعت السجيني أن تجعل من الفتاة المصرية الشعبية رمزا جماليا وإنسانيا، لا مجرد عنصر تشكيلي داخل المشهد.
وفي هذا العالم أيضا حضرت مفردات مثل العروسة والسمكة والمشربية والنافذة، لا كزينة فولكلورية، بل كامتداد لحكايات شعبية وطبقات رمزية ضاربة في الذاكرة. وقد منحت هذه العناصر لوحاتها طابعا يجمع بين البساطة والأسطرة، بين اليومي والحلمي، وبين التجربة الفردية والخيال الجمعي. وكانت السجيني شديدة الإيمان بأن الطفولة ليست مرحلة عابرة، بل مخزون دائم يغذي الرؤية الفنية، ولهذا بقيت شخصياتها مشدودة إلى عالم اللعب والاكتشاف الأول، وإلى البراءة التي لا تنفصل عن التوجس والرغبة في الحرية.

وعلى مستوى الحضور المؤسسي، أقامت زينب السجيني معارض خاصة داخل مصر وخارجها منذ عام 1961، وشاركت في معارض جماعية ودولية منذ عام 1957. كما حصدت عددا من الجوائز المهمة، من بينها جائزة التصوير الأولى من صالون القاهرة عام 1968 عن لوحة «مأساة القدس»، وجائزة التصوير الأولى في بينالي القاهرة الدولي الرابع عام 1994، إلى جانب جائزة الدولة التشجيعية في التصوير، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1980. وهذه الجوائز لا تختصر قيمتها الفنية، لكنها تشير إلى مدى حضورها في المشهد التشكيلي المصري والعربي عبر عقود طويلة.
رحلت زينب السجيني في 7 أبريل 2026 عن 96 عاما، تاركة إرثا فنيا وأكاديميا كبيرا. ومع رحيلها لا نفقد فنانة بارزة فقط، بل نفقد أيضا صوتا بصريا ظل مخلصا لفكرة أن الفن لا يكتمل إلا حين ينحاز إلى الإنسان، وإلى ذاكرته، وإلى قدرته على تحويل الهامش اليومي إلى جمال باق. وربما لهذا بدت عبارتها الأخيرة من أصدق ما يختصر مسيرتها كلها: «ما زلت أتعامل بشخصية هذه الطفلة، لم أدخل أي صراع في حياتي سوى مع اللوحة».

«القدس العربي»:




