فلسطين
**رسالة مفتوحة إلى دولة رئيس الوزراء الدكتور محمد مصطفى وإلى السادة أعضاء مجلس الوزراء في دولة فلسطين**

**رسالة مفتوحة إلى دولة رئيس الوزراء الدكتور محمد مصطفى
وإلى السادة أعضاء مجلس الوزراء في دولة فلسطين**
حول ضرورة تعليق المهل القانونية في فلسطين خلال الحرب وصيانة الأمن المجتمعي وحماية الحق في السكن
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
محامٍ وباحث في القانون الدولي – رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
انطلاقاً من المسؤولية الوطنية والقانونية في هذه المرحلة الحرجة التي يمر بها الشعب الفلسطيني، وفي ظل تداعيات الحرب الإسرائيلية المستمرة وما أفرزته من آثار إنسانية واقتصادية واجتماعية عميقة، تأتي هذه الرسالة المفتوحة لتؤكد ضرورة التحرك العاجل لاتخاذ إجراءات تشريعية استثنائية تضمن حماية الأمن المجتمعي وصون الكرامة الإنسانية ومنع تفاقم ظاهرة التشرد.
أولاً: واقع استثنائي يهدد الاستقرار المجتمعي
يشهد المجتمع الفلسطيني منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 ظروفاً غير مسبوقة تمثلت في:
تهجير قسري واسع في عدد من المخيمات والبلدات
تدمير منازل وبنى تحتية واعتداءات متكررة
إغلاقات مشددة ومنع العمال من الوصول إلى أعمالهم
أزمة مالية خانقة وتأخر صرف الرواتب
تراجع حاد في القدرة الاقتصادية للأسر الفلسطينية
هذه المعطيات مجتمعة تكرّس حالة قوة قاهرة شاملة تؤثر مباشرة على قدرة المواطنين على الوفاء بالتزاماتهم التعاقدية، وفي مقدمتها بدلات الإيجار.
ثانياً: خطر مباشر على الأمن المجتمعي
إن استمرار تطبيق الإجراءات القانونية التقليدية في ظل هذه الظروف، ولا سيما في ملفات الإخلاء والتنفيذ، يترتب عليه آثار خطيرة تشمل:
اتساع رقعة التشرد وفقدان المأوى
تفكك النسيج الاجتماعي للأسر
ارتفاع معدلات الفقر والنزوح الداخلي
زيادة التوترات الاجتماعية داخل المدن والمخيمات
تحميل مؤسسات الدولة أعباء إنسانية وأمنية متزايدة
وعليه، فإن المسألة لم تعد قانونية فحسب، بل أصبحت تمس بشكل مباشر الأمن المجتمعي والاستقرار الوطني.
ثالثاً: تعليق المهل القانونية ضرورة دستورية عاجلة
استقر الفقه والتشريعات المقارنة على أن الظروف الاستثنائية، وخاصة الحروب، تفرض على الدولة التدخل لتعليق:
المهل القانونية والقضائية
الالتزامات العقدية التي يستحيل تنفيذها
إجراءات الإخلاء المرتبطة بالقوة القاهرة
وذلك حفاظاً على العدالة ومنعاً لتحول النصوص القانونية إلى وسيلة لإنتاج نتائج اجتماعية غير عادلة في ظروف قاهرة.
رابعاً: الحق في السكن أساس للكرامة والأمن
إن الحق في السكن اللائق حق إنساني أصيل كفلته المواثيق الدولية، ويشكل ركناً أساسياً للاستقرار الاجتماعي.
وأي تهديد لهذا الحق في ظل الحرب يؤدي إلى:
تقويض الاستقرار الاجتماعي
زيادة الفقر والهشاشة
إضعاف التماسك المجتمعي
وبالتالي، فإن حماية هذا الحق تُعد جزءاً لا يتجزأ من حماية الأمن المجتمعي.
خامساً: ضرورة التوازن بين المؤجر والمستأجر
إن العدالة الاجتماعية تقتضي عدم تحميل طرف واحد أعباء الأزمة، إذ إن:
المستأجرين يعانون من فقدان الدخل والعمل
والعديد من المؤجرين يعتمدون على الإيجارات كمصدر دخل أساسي
وعليه، فإن أي معالجة يجب أن تقوم على:
التوازن في توزيع آثار الأزمة
تدخل الدولة كضامن اجتماعي
حماية الحقوق دون إضرار بأي طرف
سادساً: ضرورة إصدار مرسوم بقانون عاجل
إن الواقع الراهن يستوجب تدخلاً تشريعياً فورياً عبر مرسوم بقانون يتضمن:
تعليق جميع المهل القانونية والقضائية والعقدية خلال فترة الحرب والطوارئ
وقف تنفيذ أحكام الإخلاء المتعلقة بالسكن
تعليق دعاوى فسخ عقود الإيجار الناتجة عن القوة القاهرة
اعتبار الحرب والإغلاقات وتأخر الرواتب قوة قاهرة قانونية
منح القضاء سلطة تقديرية تراعي الظروف الإنسانية
إنشاء صندوق وطني لدعم المؤجرين المتضررين
ضبط الزيادات غير المبررة في بدلات الإيجار
تفعيل الوساطة والتسويات بدلاً من التقاضي الجبري
سابعاً: مسؤولية الدولة في حماية الأمن المجتمعي
إن مسؤولية الحكومة في هذه المرحلة لا تقتصر على إدارة الأزمة، بل تشمل:
حماية الاستقرار الاجتماعي
منع تفاقم الأزمات الداخلية
صون التماسك الوطني
منع تحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة إنسانية شاملة
فالأمن المجتمعي يشكل اليوم أحد أهم ركائز الأمن الوطني الشامل.
خاتمة
إن استمرار تطبيق القواعد القانونية التقليدية دون تدخل تشريعي استثنائي في ظل الحرب، من شأنه أن يؤدي إلى نتائج اجتماعية وإنسانية خطيرة، قد تهدد الاستقرار الداخلي وتعمّق الأزمة.
وعليه، فإن تعليق المهل القانونية، ووقف إجراءات الإخلاء، وحماية الحق في السكن، لم تعد خيارات إدارية، بل أصبحت ضرورة دستورية ووطنية عاجلة تمليها مبادئ العدالة، وأحكام القانون الأساسي، والالتزامات الدولية لدولة فلسطين.
إن المواطن الفلسطيني، الذي يواجه الحرب والاحتلال والانهيار الاقتصادي، لا يجوز أن يُترك لمواجهة خطر فقدان مأواه، في وقت يُفترض أن تكون فيه الدولة هي الضمانة الأخيرة للعدالة والحماية.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير




