مقالات

رسالة ياسر عباس إلى القوى السياسية الدولية: بين تشخيص الانتهاكات ومتطلبات الفعل الفلسطيني

رسالة ياسر عباس إلى القوى السياسية الدولية: بين تشخيص الانتهاكات ومتطلبات الفعل الفلسطيني
المحامي علي أبو حبلة
تفتح الرسالة التي وجّهها عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح»، المفوض العام للعلاقات الخارجية ياسر عباس، في 13 تشرين الأول/أكتوبر 2026، إلى قادة الأحزاب والقوى السياسية في الوطن العربي والإقليم والعالم، باباً للنقاش حول أدوات التحرك الفلسطيني في مواجهة ما تتعرض له القدس والأراضي الفلسطينية وقطاع غزة من انتهاكات وتحديات سياسية وإنسانية. ولا تقتصر أهمية الرسالة على مضمونها، بل تمتد إلى السؤال الأهم: كيف يمكن تحويل المواقف السياسية والتضامن الدولي إلى إجراءات عملية تسهم في حماية الشعب الفلسطيني وصون حقوقه الوطنية؟
ومن منظور فلسطيني وطني، ينبغي قراءة الرسالة في سياق الحاجة إلى تطوير أدوات العمل السياسي الخارجي، وتوسيع دائرة مخاطبة القوى المؤثرة في الرأي العام وصناعة القرار، بعيداً عن الاكتفاء بالبيانات التي تتكرر من دون أن تقترن دائماً بآليات متابعة ونتائج ملموسة.
القدس في صلب المواجهة السياسية والقانونية
تضع الرسالة القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية في مقدمة الأولويات، في ظل ما تتحدث عنه من إجراءات تستهدف تغيير معالم المدينة وهويتها، إلى جانب الاقتحامات والقيود المفروضة على حرية العبادة. وتمثل هذه القضايا، في بعدها الفلسطيني، مسألة وطنية وقانونية تتصل بالحقوق التاريخية والسياسية للشعب الفلسطيني، وبالمكانة الخاصة للقدس في أي تسوية عادلة.
وتتطلب مواجهة هذه التحديات عملاً سياسياً وقانونياً متواصلاً، يستند إلى قرارات الشرعية الدولية والقواعد ذات الصلة في القانون الدولي، ويهدف إلى حماية المقدسات وصون الوضع التاريخي والقانوني القائم، فضلاً عن توثيق الانتهاكات ومتابعتها لدى الجهات الدولية المختصة.
غير أن فعالية التحرك لا تُقاس بمجرد إعادة تأكيد المواقف، وإنما بمدى القدرة على حشد مواقف دولية واضحة، ومتابعة تنفيذ الالتزامات، ومساءلة الجهات المسؤولة وفق الأطر القانونية المعتمدة.
موسم الزيتون: الأرض والاقتصاد وحقوق السكان
وتتناول الرسالة الاعتداءات التي يتعرض لها المزارعون الفلسطينيون خلال موسم قطاف الزيتون، بما يشمل، وفق ما ورد فيها، سرقة المحاصيل وإتلاف الأشجار والاعتداء على المزارعين والمتضامنين، إلى جانب مصادرة الأراضي وفرض القيود على الوصول إليها.
ولا يمكن فصل هذه الممارسات عن انعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية على التجمعات الفلسطينية، خصوصاً في المناطق التي تواجه قيوداً متزايدة على الحركة والعمل الزراعي. فالزيتون ليس مجرد محصول موسمي، بل يمثل مورداً اقتصادياً ورمزاً للارتباط بالأرض واستمرار الحياة في الريف الفلسطيني.
ومن هنا، فإن الدعوة إلى التضامن الدولي مع المزارعين تكتسب قيمتها العملية عندما تقترن بتوثيق الاعتداءات، وتوفير المساندة القانونية، وتعزيز قدرة المزارعين على الوصول إلى أراضيهم، ومطالبة الجهات المعنية بضمان حماية المدنيين وممتلكاتهم وفق القانون الدولي المنطبق.
غزة واختبار الالتزامات الدولية
أما قطاع غزة، فتضع الرسالة معاناته الإنسانية في إطار ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار، ووقف القتل والتدمير، وضمان دخول المساعدات، وإعادة الإعمار، ورفض التهجير القسري والانتقاص من الحقوق الوطنية الفلسطينية.
وتكشف هذه المطالب عن ترابط المسارين الإنساني والسياسي؛ إذ لا تكفي الاستجابة للاحتياجات الطارئة إذا لم تترافق مع ضمانات تحول دون تجدد الأعمال القتالية، وتحمي السكان، وتتيح إعادة بناء ما دمرته الحرب، وتحفظ حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.
ويظل المطلوب فلسطينياً هو الدفع باتجاه موقف دولي لا يكتفي بإدارة الأزمة الإنسانية، بل يعمل على معالجة أسباب استمرارها، وفق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، مع التمييز بين المطالب السياسية المشروعة والآليات القانونية المتاحة لتنفيذها.
من مخاطبة الأحزاب إلى بناء آلية متابعة
توجّه الرسالة إلى الأحزاب والقوى السياسية، بدلاً من حصر المخاطبة بالحكومات، يعكس توجهاً نحو توسيع قنوات العمل الخارجي الفلسطيني. فالأحزاب والبرلمانات والنقابات والمؤسسات الحقوقية تستطيع، كلٌّ ضمن اختصاصه، الإسهام في تشكيل الرأي العام، ومساءلة الحكومات، ودعم المبادرات القانونية والإنسانية.
لكن هذا المسار يحتاج إلى برنامج متابعة واضح، يحدد الجهات المستهدفة، وأولويات التحرك، والمطالب المطلوب تبنيها، وآليات قياس الاستجابة. كما يحتاج إلى ملفات موثقة ومحدثة، وإلى تنسيق بين المؤسسات الفلسطينية الرسمية والسياسية والحقوقية، بما يمنع تشتت الجهود وتكرار الخطاب من دون تراكم في النتائج.
وفي هذا السياق، لا ينبغي التعامل مع الرسالة باعتبارها إنجازاً سياسياً قائماً بذاته، ولا التقليل من أهميتها لمجرد أنها نداء سياسي؛ فالحكم الموضوعي عليها يظل مرتبطاً بما ستفضي إليه من تحركات ومواقف وإجراءات قابلة للتقييم.
المطلوب فلسطينياً: وحدة الموقف وفاعلية الأداء
إن جوهر المسألة يتجاوز رسالة بعينها أو الجهة التي أصدرتها. فالقضية الفلسطينية تحتاج إلى استراتيجية وطنية متكاملة للعمل السياسي والدبلوماسي والقانوني، تستند إلى وحدة الخطاب والمرجعية، وتربط التحرك الخارجي بالأولويات الوطنية، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان والتهجير، وحماية القدس ومقدساتها، وصون حقوق اللاجئين، وتحقيق حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.
كما أن فاعلية التحرك الدولي ترتبط بمدى تماسك الموقف الفلسطيني الداخلي، واحترام المؤسسات والقانون، وتكامل أدوار القوى السياسية والمجتمعية، وتقديم خطاب يستند إلى الوقائع الموثقة والحجج القانونية، بعيداً عن المبالغة والشعارات التي لا تسندها خطط تنفيذية.
الخلاصة، إن الرسالة تطرح قضايا مركزية في المواجهة السياسية والقانونية الفلسطينية، لكنها تظل خطوة في مسار يحتاج إلى متابعة مؤسسية وتنسيق وطني وقياس للنتائج. والمعيار الموضوعي ليس موقع صاحب الرسالة أو صفته التنظيمية، بل مدى إسهام هذا التحرك في حماية الحقوق الفلسطينية وتحويل التضامن الدولي إلى مواقف وإجراءات مؤثرة.
فالقضية الفلسطينية أكبر من الأشخاص والفصائل، والحقوق الوطنية لا تُصان بمجرد النداءات، وإنما بعمل وطني منظم، ومرجعية قانونية واضحة، وتحرك دولي مستمر، وإرادة سياسية قادرة على الجمع بين الشرعية والفاعلية، وصولاً إلى سلام عادل يستند إلى إنهاء الاحتلال واحترام القانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب