**سايكس ـ بيكو… حين تحوّلت الجغرافيا إلى وعي مُسوَّر

**سايكس ـ بيكو… حين تحوّلت الجغرافيا إلى وعي مُسوَّر
مئة عام من التفتيت وإعادة تشكيل الهوية العربية**
إعداد: المحامي علي أبو حبلة –
تُعد اتفاقية سايكس ـ بيكو (1916) واحدة من أكثر المشاريع الاستعمارية تأثيرًا في صياغة الواقع العربي الحديث. فهي لم ترسم حدود الدول فحسب، بل أعادت تشكيل الوعي الجمعي، وحوّلت الانتماء من فضاء حضاري واسع إلى هوية قطرية ضيقة تحكمها الخرائط والأسلاك الشائكة.
تفتيت الأرض… وتفتيت الوعي
أقنعت القوى الاستعمارية شعوب المنطقة بأن الوطن هو ما يقع داخل خطوط رسمها ضباط في غرف مغلقة، وأن الانتماء يُختزل في بطاقة هوية ولون علم وحدود تُقام حولها صراعات لا تنتهي.
تحوّل المواطن العربي إلى “مقيم” داخل حيز جغرافي مُسيّج، بينما أصبح العابر لحدود عربية مجاورة يُعامل كأنه غريب، رغم وحدة الدين واللغة والمصير.
ومع ترسيخ حدود ما بعد الاستعمار، صعدت الهويات الفرعية على حساب الهوية العربية الجامعة، فأصبح الولاء يتحدد وفق الجغرافيا، لا وفق التاريخ المشترك أو الرابطة الحضارية الواسعة.
ذاكرة بلا حدود… وواقع محاصر
عرفت المنطقة عبر قرون طويلة فضاءً حضاريًا مفتوحًا: من قرطبة إلى بغداد، ومن مكة إلى سمرقند، كانت حركة الإنسان والفكر والتجارة عابرة بلا قيود.
لكن المرحلة الحديثة حوّلت هذه الجغرافيا إلى وحدات سياسية منفصلة، وخلقت وعيًا جديدًا يقوم على تقديس الحدود، لا على التكامل بين الشعوب.
وباتت المناسبات الوطنية والأعلام الجديدة جزءًا من هندسة وعي بديل يُسوّق للدولة القطرية باعتبارها هوية نهائية، على حساب الهوية الحضارية العربية الإسلامية التي وحّدت المنطقة يومًا.
فلسطين… الجرح الذي يكشف عمق الانقسام
تأتي فلسطين لتجسّد أخطر نتائج سايكس ـ بيكو.
فلولا تفتيت الجغرافيا العربية لما تمكن المشروع الصهيوني من التمدد، ولما غابت الإرادة الجماعية اللازمة لردع الاحتلال.
أصبحت فلسطين اختبارًا لمدى عمق الشرخ الذي أحدثته الحدود في الموقف العربي، ولأن الانقسام لم يكن فقط جغرافيًا، بل وجد مكانه في الوعي والقرار السياسي.
بين الماضي والمستقبل… الحاجة إلى وعي عربي جديد
إن نقد سايكس ـ بيكو ليس دعوة لإلغاء الدولة الحديثة، بل دعوة لتحرير الوعي من قيود التفتيت، وإعادة بناء إدراك مشترك يقوم على:
تعزيز الأمن القومي العربي كمفهوم جامع.
حماية الروابط الثقافية والحضارية بين الشعوب.
توسيع آفاق التعاون الاقتصادي والسياسي بعيدًا عن الحسابات الضيقة.
إعادة الاعتبار لفلسطين كقضية مركزية توحد ولا تُقسّم.
خلاصة
بعد أكثر من مئة عام على سايكس ـ بيكو، لا تزال آثارها ماثلة في كل تفصيل من تفاصيل الواقع العربي: في الانقسامات، في الأولويات السياسية، وفي الوعي الذي صنعته الحدود.
وما لم تُستعاد رؤية عربية أوسع تتجاوز هذا الإرث، سيبقى المشهد السياسي مرتهنًا لجغرافيا رسمها الآخرون، ووعي تربّى على الخوف من الجار بدل الشراكة معه.
إن الأمة العربية تمتلك من التاريخ والقيم والقدرات ما يجعلها قادرة على استعادة مكانها، شرط أن تتحرر من إرث التقسيم، وأن تعيد تعريف ذاتها بعيدًا عن حدود صُنعت لتفتيتها لا لتوحيدها.




