تحقيقات وتقارير

سوريا: احتقان في المدن الجامعية وشهادات خاصة للطلاب الدروز

سوريا: احتقان في المدن الجامعية وشهادات خاصة للطلاب الدروز

منهل باريش

نفى وزير التعليم العالي والبحث العلمي، محتوى المقاطع المصورة التي تظهر حالات توتر وخطابات طائفية في الجامعات السورية ومرافقها، وأكد أن هدفها إثارة الفتنة والانقسامات الطائفية بين الطلبة.

بعد يوم من وصول آخر القوافل التي تقل الطلاب من أبناء طائفة «الموحدين الدروز» إلى محافظة السويداء، انتشرت أشرطة مصورة تظهر عشرات الطلاب من أبناء الدروز في عدة مدن جامعية يجرون حقائبهم وكأنهم في رحلة هجرة جماعية. واتضح أن الفيديوهات المتداولة صُورت نهاية نيسان (ابريل) مع التجييش الطائفي والأحداث والعمليات الأمنية التي حصلت في جرمانا وصحنايا مطلع أيار (مايو) الجاري. ويفسر انتشارها اليوم بحالة الخوف الكبيرة التي انتابت الطلاب وأهاليهم في الحرص على عدم تداولها وانتشارها قبل وصولهم إلى منازلهم الآمنة.
الجدير بالذكر أن الشحن الطائفي ضد الدروز بدأ مع انتشار تسجيل صوتي مفبرك قيل انه لشاب من السويداء، وركب الصوت على صورة أحد المشايخ الدروز وتبين لاحقا عدم صحة مصدره. إلا أن التسجيل الذي يحمل شتائم تطال شخص الرسول الكريم، انتشر كالنار في الهشيم في ظل توتر كبير في العلاقة بين الإدارة السورية الجديدة والمرجعيات الدينية في السويداء.
تركزت حالة الشحن في المدن الجامعية باعتبارها المناطق الأكثر اختلاطا بين المكونات السورية، حيث بدأت في السكن الجامعي بحمص وانتقلت إلى دمشق وحلب بشكل أقل، في حين كان الاحتكاك بين الطلاب في أدنى حالاته في المدينة الجامعية باللاذقية على اعتبار أن نسبة كبيرة من الطلاب الدروز غادروا عقب أحداث الساحل في اذار (مارس) الماضي.
في المدينة الجامعية بحلب، تعرض الطالب في كلية الهندسة الميكانيكية (أ. غ) إلى هجوم من عدة أشخاص بلا سبب أو احتكاك مباشر، حيث هاجمه ستة طلاب اعتدوا عليه بالضرب بالأيدي وطعنه أحدهم بالسكين عدة طعنات في الصدر والبطن والكتف حسب ما تظهر الصورة وتقرير الطبيب المسعف بمستشفى حلب الجامعي.
وتنشر «القدس العربي» التقارير الطبية من ملف المعتدى عليه والذي يشير إلى أن الطالب المذكور تعرض إلى الطعن بالسكين في الصدر والعضد والكتف، ما تسبب في حدوث ريح صدرية رضية، إثر دخول السكين إلى عمق 3 إلى 4 سم في غشاء الجنب وثقب الرئة بين الضلع الثالث والرابع على الجهة اليسرى (جهة القلب).
ويوضح التقرير الطبي أنه تم إجراء تفجير للصدر في الطرف اليساري بسبب الريح المذكورة والنزف الداخلي. كما جرى وضعه على خطة علاج مناسبة. ونوه الطبيب أن المريض أُخرج من المستشفى على مسؤوليته، وشخص حالة المصاب بانها «شبه مستقرة».
وفي تفاصيل الحادثة، قال (ت. غ) شقيق المعتدى عليه وهو طالب جامعي أيضا، إن العائلة والمشيخة الدرزية طلبت الامتناع عن تقديم أي شكوى أو ادعاء، وعلل ذلك، «حتى لا يزيد الأمر من حالة الشحن أو يتسبب باعتداء جديد»، وزاد «كان هم الشيوخ وصول جميع الطلاب إلى السويداء دون تعرض لهم من قبل المهاجمين والمشحونين طائفيا». وأضاف «أبلغنا مسؤول أمن الجامعة عن رغبتنا بعدم الشكوى على الطلاب المهاجمين. بعدها أحضر الطالب إلى المستشفى وأقر بطعن أخي بالسكين واعتذر عن فعلته» نفى أن يكون الطالب المهاجم قد سجن بتهمة الحق العام.
على الجانب الآخر، قال مصدر أمني في جامعة حلب، إن الطالب المعتدى عليه رفض كتابة ضبط الشرطة وبعد يومين من الحادثة طلب من مدير أمن الجامعة تميم ابو عمر ان يرعى صلحا مع المعتدي و«اشترط تقديم الاعتذار فقط»، وبالعفل فإن المسؤول أحضر المعتدي واعتذر من المعتدى عليه وهو على سريره في مستشفى المدينة الجامعية، وتذرع بأنه وقع تحت «ضغط العاطفة» من خلال الشريط الصوتي المفبرك.
وفي ذروة الاحتجاجات ظهر تميم ابو عمر معترضا على مظاهرة طلابية تهتف ضد سلمان الهجري ابن شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز حكمت الهجري، قائلا للمتظاهرين «نحن مؤسسة تعليمية والعبارت الطائفية ممنوعة في الحرم الجامعي، وكما لديك رموزك ولا تريد لأحد أن يسيء لها، فإن للآخرين رموزهم ولا يجوز الإساءة لهم».
وفي سياق منفصل، تداول ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي، الأربعاء، مقاطع فيديو تظهر طلاب وطالبات من محافظة السويداء في جامعة حلب، وهم يعودون بشكل جماعي إلى مدينتهم بعد إعادة فتح طريق دمشق- السويداء. وذكر الطالب (ت. غ) أن طلاب السويداء قرروا العودة إلى محافظتهم بعد تعرضهم لحملة من التجييش والشحن الطائفي ضدهم بسبب انتمائهم لطائفة «الموحدين الدروز»، وعلى خلفية الأحداث التي اندلعت في كل من جرمانا وأشرفية صحنايا وما تبعها من توترات سياسية وعسكرية بين السلطة الحالية والقوى السياسية والفصائل العسكرية والزعامة الروحية للموحدين الدروز.
وفي سكن الهندسة الميكانيكية والكهربائية الجامعي بدمشق والمعروف باسم «سكن الهمك» اختصارا والواقع على المتحلق الجنوبي، قال الطالب في إحدى كليات الهندسة (م، ش) إن طلابا من الطائفة السنية قاموا بهتافات ضد الطلاب الدروز وأطلقوا شعارات نابية بحقهم، وجرى احتكاك عدة مرات وتدخل الأمن العام واعتقل طلابا من الطرفين واقتادهم إلى مقر الأمن العام  الحالي في «فرع فلسطين» المجاور للسكن، إلا أن «حالات التحرش والهجوم الكلامي لم تتوقف.. ولم توفر حتى الطالبات» حسب قوله.
وفي المدينة الجامعية في المزة، قال طالب في السنة الثانية بمعهد التعويضات السنية- اشترط عدم ذكر اسمه- أنه خائف من العودة إلى الجامعة وذكر انه يفضل عدم إكمال دراسته على تعريض حياته للخطر. ونوه إلى أن «دروس مادة العملي مستمرة ونحن متغيبون عنها وامتحاناتنا النهائية مطلع شهر حزيران (يونيو)» ويزيد متحسرا «لقد خسرت تعبي في المعهد لمدة عامين وحملت أهلي عبئا ماليا كبيرا». وشارك «القدس العربي» شريطا مصورا لطلاب في مظاهرة يحملون أعلام بيضاء مطبوع عليها عبارة «لا إله إلا الله» يتوعدون من خلالها دروز السويداء وجرمانا. بموازاة ذلك، أعاد ناشطون آخرون تداول مقاطع فيديو لعودة طلاب وطالبات من سكن جامعة دمشق في حي المزة، ومع تصاعد الانتقادات، أطلق مسؤولون سوريون تصريحات تخفف من انتقاد السلطات واتهامها بعدم توفير الحماية للطلاب داخل الحرم الجامعي. وفي تعليقات، أشار مدير المدينة الجامعية في دمشق عمار الأيوبي، في تصريح لقناة «الإخبارية السورية» إلى أن مقاطع عودة طلبة السويداء من جامعة ومعاهد دمشق ليست جديدة، وتعود إلى نهاية نيسان (ابريل)، على خلفية انتشار المقطع الصوتي المسيء للرسول. وكانت وزارة الداخلية السورية أكدت أن المقطع الصوتي لا يمت للشيخ بصلة ولا يمكن نسبه له، وأضاف الأيوبي، أن طلبة السويداء حينها غادروا المدينة الجامعية برغبتهم وبدون أي ضغوط عليهم من قبل إدارة الجامعة، مشيرًا إلى أن الجامعة تتعامل مع كافة الطلبة بشكل حيادي ولا تتبنى أي خطاب طائفي أو مذهبي.
ونفى وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الدكتور مروان علبي، محتوى المقاطع المصورة التي تظهر حالات توتر وخطابات طائفية في الجامعات السورية ومرافقها، وأكد على أنها قديمة، وهدفها إثارة الفتنة والفوضى، والانقسامات الطائفية بين الطلبة.
وأضاف الوزير في منشور على منصة «فيسبوك»، أن «العلاقة بين الطلبة داخل المدن الجامعية يسودها جو من التفاهم والتوافق الأهلي، مع حرص جميع الأطراف على الحفاظ على الاستقرار والاحترام المتبادل، بعيدًا عن أي محاولات لبث الفتنة أو زرع الشقاق بين مكونات المجتمع الطلابي»، كما طلب من وسائل الإعلام، ورواد مواقع التواصل الاجتماعي أن يتحروا الدقة في نقل الأخبار، والتأكد من المعلومات قبل نشرها، والتوقف عن نشر المقاطع المصورة القديمة التي من شأنها أن تثير «البلبلة غير المبررة في المجتمع الطلابي».
وكانت شبكة «الراصد» المحلية المختصة بتغطية الأخبار في السويداء، قد نشرت الخميس الفائت تعليقًا على مقاطع عودة طلبة السويداء من حلب قائلة «في وقت يتابع فيه آلاف الطلبة السوريين دراستهم الجامعية بشكل طبيعي، يقبع طلبة محافظة السويداء في المنازل، لا بسبب إهمال دراسي أو عقوبة جامعية، بل لأن الخروج إلى الجامعة بات مغامرة قد لا يعودون منها أحياء».
وفي مقطع مصور آخر، أجرت «الراصد» لقاء مع أحد الطلبة العائدين من جامعة حلب، قال فيه «أن الأمن العام كان مرافقا بشكل كامل لطلبة السويداء بعد أن تم جمعم في وحدة سكنية واحدة، وأنه أكد للطلبة أن الوضع حساس بسبب التجييش الطائفي، ما دفعهم للمغادرة بعد فتح طريق دمشق- السويداء».
ولفت الطالب في المقطع المصور، إلى أن حالات التجييش الطائفي قابلتها أيضا حالات من التضامن من طلبة آخرين ومحاولات للوقوف معهم، وتهدئة الأوضاع.
بدوره وجه محافظ السويداء، مصطفى البكور، رسالة إلى أهالي المحافظة عبر «الإخبارية السورية» أكد فيها على أن السلطة تقف أمام مسؤوليتها عن حفظ وسلامة أبناء المحافظة من الطلبة، وفي هذا الصدد أجرى اتصالا مع وزير التعليم العالي الذي أكد بدوره على «حقوق طلاب محافظة السويداء وغيرهم من المحافظات والحفاظ على كرامتهم ومنع أي تعدٍّ عليهم تحت أي ظرف كان» متعهدا بتعويض «الفاقد التعليمي للطلاب المتضررين».
الجدير بالذكر، أن عددا من منظمات ومؤسسات المجتمع المدني السوري حاولت مناصرة قضية الطلبة، والمشاركة في تهدئة الأجواء، ومنها مبادرة «الطائفة السورية» التي تضم عدة منظمات وعددا من النشطاء في مدينة حلب، والتي أصدرت بيانا قالت من خلاله إن المشاركين في المبادرة أجروا عدة زيارات لطلبة السويداء المقيمين في حلب، واطلعوا على مشاكلهم، وأبدوا لهم استعدادا لتقديم كافة أشكال الدعم النفسي والاجتماعي واللوجستي، والعمل على توفير بيئة آمنة وداعمة لهم تضمن كرامتهم وسلامتهم واستمرارية تعليمهم.
وختمت المبادرة بيانها بالقول إن «حلب جزء من سوريا وهي مدينة لكل السوريين»، داعية إلى «تعزيز قيم التضامن الأهلي والوحدة الوطنية، ونبذ خطاب الكراهية والعنف بكافة أشكاله».
ويتعين على الإدارة الجديدة بذل جهد كبير لتطمين الطلاب وأهاليهم واقناعهم بالعودة إلى جامعاتهم، الفشل بذلك يعني عمليا أن الإدارة السورية غير قادرة على تأمين الحماية للطلاب في جامعاتهم وأنها تميز بين الطلاب على أساس انتمائهم الطائفي وهو أمر في غاية الخطورة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب