سياسات ترامب تؤسس لنظام عالمي جديد

سياسات ترامب تؤسس لنظام عالمي جديد
د. سعيد الشهابي
الصراع بين المشروعين العربي والصهيوني لقضية فلسطين مستمر منذ أكثر من ثلاثة أرباع القرن. وبرغم محاولات وأد القضية وإلغاء فلسطين من الخريطة، إلا أنها استعصت على كافة المحاولات، بل أصبحت تحاصر كل من يسعى لذلك وتخلق مقاومة تحيط به من كافة الجهات.
وتأخذ محاولات طمس القضية أشكالا وعناوين شتى. فتارة تطرح محاولة اختصارها بقضية لاجئين تبحث أمريكا وحلفاؤها عمن يمنحهم ملجأ، وتارة أخرى يتم استهداف من يرفع راية فلسطين من شخصيات ومنظمات وأحزاب، كما يحدث في الوقت الحاضر.
فقد حاول نظام الاحتلال كسر شوكة المقاومة سواء في لبنان أو فلسطين. ولم ينجح، وساهم في تهميش دول محورية في الصراع خصوصا سوريا التي يتحاشى قادتها الجدد الإعلان عن سياسة واضحة إزاء التغلغل الإسرائيلي إلى كافة المناطق جنوب دمشق واحتلال جبل الشيخ. ولم يُخف رئيس وزراء العدو هدفه المستوحى من سياسات الإدارة الأمريكية ومواقفها، عندما استهدف غزة وأعلن أنه يسعى لإزالة المنظمات الفلسطينية منها، بل طلب من حماس حل نفسها ومغادرة غزّة. وربما هناك من الأنظمة العربية من يسايرهم في ذلك. وتارة ثالثة يتم تشجيع سكان غزّة لتركها في مقابل منحهم موطنا آخر ومحفزات مالية سخيّة. وليس غريبا أن ينجم عن ذلك عزم بعضهم على ترك غزّة، ولكن هؤلاء لا يمثلون إلا أقلّيّة محدودة. وتساهم دول عربية في تسهيل المشروع الغربي الجديد تجاه غزّة، وذلك بإعلانها الاستعداد لاستقبال بعض الفلسطينيين الذين يُجبرون على الخروج منها.
منذ أن احتل الصهاينة فلسطين وأقاموا دولتهم قبل أكثر من ثلاثة أرباع القرن، أصبح تهجير الفلسطينيين سياسة ثابتة مارستها الحكومات المتعاقبة. ونظرا للحاجة للمزيد من المنازل لإسكانهم، بدأ بناء المستوطنات الذي أصبح هو الآخر مشروعا ثابتا في المشروع الصهيوني الذي يزداد توسعا. وبقدرة قادر أصبح الفلسطينيون لاجئين في بلدهم، بينما احتل الإسرائيليون مواطنهم، وما يزالون يفعلون ذلك. فقد شهدت مدينة القدس قبل بضع سنوات قرارات لسكانها الأصليين بإخلاء منازلهم لكي يستوطنها المحتلّون. حدث ذلك علنا، ولم يحرّك العالم ساكنا لمنعه. وما تزال حوادث منطقة الشيخ جرّاح في تلك المدينة ماثلة في الذهن. بينما التزمت الحكومات العربية الصمت، ولم تحدث ردود فعل للضغط على الدول الداعمة للاحتلال، خصوصا أمريكا، لوقف التهجير والاستيطان. ولذلك شعر قادة الاحتلال بحصانة شبه كاملة، فراحوا يتوسعون في الاحتلال والتوطين. وها هم اليوم يهجّرون سكان غزة الذين يتجاوز عددهم المليونين أصرّوا على البقاء في مساحة صغيرة تعتبرأرضهم برغم صغر مساحتها.
وتعتبر غزّة اليوم من أكثر مناطق العالم من حيث الكثافة السكانية. ولم يكتف المحتلون ببناء المستوطنات في الأراضي التي احتلوها في العام 1948، بل أصبحوا يبنونها في الضفة الغربية بشكل ملحوظ. ووفقا للمعلومات، فقد أصبح أكثر من 40 بالمائة من مساحتها محتلّا من قبل المستوطنين الصهاينة. ويروّج الصهاينة وداعموهم فكرة ضمّ القطاع كاملا لـ «إسرائيل» لتكتمل خطتهم بمحو الشعب الفلسطيني من الذاكرة. وكثيرا ما ردّد زعماء الاحتلال مقولتهم بعدم وجود مكوّن بشري اسمه «الشعب الفلسطيني» ويسعون لفرض ذلك في الواقع السياسي، خصوصا في غياب مشاريع ضغط حقيقية تشارك فيها الدول العربية والإسلامية والشعوب الداعمة للحق الفلسطيني.
برغم محاولات وأد القضية وإلغاء فلسطين من الخريطة، إلا أنها استعصت على كافة المحاولات، بل أصبحت تحاصر كل من يسعى لذلك وتخلق مقاومة تحيط به من كافة الجهات
قطاع غزة أصبح هو الآخر مستهدفا بالضم للاحتلال. هذه المرّة برز الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، رائدا لفكرة طرد الفلسطينيين من القطاع، مشيرا لرغبته بتحويل المنطقة إلى «ريفييرا» جديدة يستثمر فيها أمواله ويوسع بها امبراطوريته. إنه إعلان من رئيس كبرى دول العالم عن رغبته في المشاركة في الاحتلال بدون الخشية من تبعات سياسية فاعلة أو قانونية مقلقة. هذا برغم أن القانون الدولي يجرّم طرد السكان الأصليين من أرضهم، أو احتلال أراضي الغير عن طريق الإكراه أو الإجبار. وفي عالم تغيب عنه المبادئ والقيم الثابتة، أصبح كل شيء نسبيا، فليس هناك حق طبيعي ثابت، بل أن الحقيقة هي ما يفرضها القوي بوسائله حتى لو كانت غير مشروعة.
وقد تطبّع العالم على التعايش مع الظواهر المقزّزة كالقتل الجماعي والتشريد واجتياح أراضي الغير ومسايرة منطق القوّة. أما ما يقال عن رفض استخدام القوة أو العنف في الصراعات الدولية، فهو شعار لا يحظى بتطبيق شامل، بل يتسم بالخصوصية والنسبية إلى حد كبير. فالغربيون مستعدون للتفاوض مع من يسمّونهم «إرهابيين» إذا استطاع هؤلاء السيطرة على الأرض.
ألم يكن ياسر عرفات ومنظمة التحرير مصنّفين على الإرهاب؟ ولكن ما أن اصبح لهم شأن دولي حتى بدأ التواصل السياسي والدبلوماسي معهم. إنها ما يسمى «سياسة الأمر الواقع» وهذا الواقع لا يفرضه النضال السلمي بل السلاح والمقاتلون، بغض النظر عن التسميات التي تطلق عليه. وهنا يعاد طرح مقولة «الكفاح المسلّح» الذي كان سلعة رائجة خلال الحرب الباردة، ولكن سرعان ما سعى الغربيون لاستهدافه بهدف حماية الأطراف الواقعة تحت حمايتهم. وما تزال أغلب المجموعات الفلسطينية يصنّف ضمن قائمة الإرهاب، لأن الطرف الذي تستهدفه ليس حليفا للغرب فحسب، بل هو جزء من هذا الغرب الذي يصرّ على أنه هو الجهة التي تمثله في الشرق الأوسط ثقافيا وسياسيا.
تمثل الحالة الفلسطينية جانبا من التجاذبات السياسية في العالم في حقبة يخضع النظام العالم لإعادة بناء. وبشكل تدريجي أصبحت منطقة الشرق الأوسط أقل أهمية أو بروزا في هذا النظام. فقد استُهدفت دوله بالتهميش والإضعاف من الداخل، وقُمعت شعوبه بقسوة عندما طالبت بتحوّل ديمقراطي يفضي لوضع تمارس الشعوب فيه دورا أوسع في صنع القرار السياسي وتشكيل المحاور والصراعات السياسية. وفي طور تشكيل هذا الشرق الأوسط استهدف ما يسمى «محور المقاومة» بقسوة، فاغتيل عدد من قادته ورموزه، سواء في غزّة ام لبنان أم سوريا أم إيران. في هذا التشكيل الجديد أصبح لـ «إسرائيل» دور إقليمي واسع، وفق التخطيط القديم ـ الجديد لهذا الكيان الذي فُرض على الأمة بالقوة.
أمّا إيران فثمة محاولات جديدة ـ قديمة لتهميش دورها، لذلك استهدفت خلال العام الماضي مواقع قوتها في لبنان وسوريا والعراق بضرب المجموعات المسلّحة وقطع خطوط الاتصال في ما بينها، واستهداف قادتها بالاغتيال. وحتى الآن ما تزال تركيا قادرة على ممارسة دور سياسي إقليمي محدود بشرط أن لا تقطع خيوطها مع «إسرائيل» أو تعيد علاقاتها بالأطراف المحسوبة على «محور المقاومة». وتعرّض حزب العمّال الكردستاني الذي كان مصدر إزعاج لأنقرة لضربات وتصدّعات قاسية، آخرها توجيه قائده عبد الله أوجلان المعتقل منذ العام 1999 لحزبه بنزع السلاح والتخلّي عن مشروع «الكفاح المسلّح» ليكشف عمق الخطة المرتبطة بالنظام الجديد في الشرق الأوسط. ووفقا لذلك سوف تحتل «إسرائيل» قطاع غزّة وتبقى فيه لفترة حتى تضمن هيمنتها بشكل كامل ربما في غضون خمس سنوات، يتم بعدها نزع سلاح غزّة بشكل كامل. وفي مقابل ذلك كرّر ترامب وعوده بإعادة إعمار القطاع بشرط نزوح أهلها. وقد طرحت فكرة تأسيس صندوق دولي لإعمارها، ولكن «إسرائيل» رفضت ذلك بشكل كامل. وفي غياب مشروع عربي مواز يبدو المشروع الأمريكي الإسرائيلي المدعوم من بعض الأنظمة العربية مرشحا للتحقق.
كاتب بحريني



