الصحافه

شهود.. وعائلات غزية: إسرائيل تتعمد إحداث الفوضى كلما رأت “عملاً منظماً” لتوزيع المساعدات

شهود.. وعائلات غزية: إسرائيل تتعمد إحداث الفوضى كلما رأت “عملاً منظماً” لتوزيع المساعدات

هذه الصورة تتكرر في عدد من المناطق في قطاع غزة، خصوصاً شمالي القطاع: قوافل المساعدات تدخل إلى الأحياء ويتجمع الشباب حولها. لا أحد يقترب منها، الجميع يحترمونها. المسؤولون الجدد عن النظام العام في مكان لا نظام فيه، ولكن فيه جمهور. بعد ذلك، يشرف الشباب على قدوم الشاحنات إلى مراكز توزيع الغذاء، ويمنعون مهاجمتها أو نهبها. ليسوا جنوداً إسرائيليين أو رجال حماية دوليين، بل من سكان القطاع، أبناء العشائر القوية في المنطقة، وهي عائلات تتعاظم قوتها في القطاع.
هذه العائلات، التي هي عشائر متوسطة وكبيرة، دخلت إلى الفراغ الذي تولد بسبب إضعاف حماس، ومعارضة إسرائيل أي حضور للسلطة الفلسطينية في القطاع. يدور الحديث عن توجه بدأ في الأشهر الأولى للحرب، وكلما مر الوقت وتآكلت قيادة حماس وسيطرتها، تقوى هذا التوجه. بعد أن اغتالت إسرائيل عدداً كبيراً من قادة حماس، ومن رجال الأجهزة، بما في ذلك رجال شرطة، نشأ في القطاع نوع من المنطقة الحرام، وأوجدت ضائقة المساعدات الإنسانية فرصة ذهبية. ففي ظل غياب حماس، من الذي يمكنه فرض النظام أفضل من العائلات القوية في المنطقة؟
“أينما وجدت سيطرة للعائلات، فثمة نظام”، قال لـ “هآرتس” ناشط مسؤول عن حماية المساعدات. “أينما تقول إسرائيل بأنها تسيطر، فثمة فوضى ونهب”. ولكن الحديث لا يدور فقط عن مبادرة مرتجلة، في مناطق مثل جباليا والزيتون ودير البلح، فالعائلة هي السيد، على الأقل جزئياً، وهي التي توفر الخدمات الأساسية للسكان، بما في ذلك حل النزاعات، وتوفر لهم الأذن المصغية. في المقابل، العائلات شريكة للمنظمات الدولية العاملة هناك. وإلى جانب الحماية، توفر طرقاً لتجاوز العقبات البيروقراطية.
يمكن القول بأن شمال القطاع نوع من مشروع تجربة، وهذا الواقع هناك. وكدليل، جرى توزيع المساعدات هناك في الأسبوع الماضي بشكل منظم نسبياً. في وسط القطاع وفي جنوبه، المناطق التي لم يتم فيها التنسيق مع العائلات، تم نهب المساعدات وهي في طريقها إلى مراكز التوزيع. “رأينا أنه يمكن فرض النظام إذا رغبوا في ذلك”، قال أحد سكان شمال القطاع. “لذلك، النضال الآن يقتصر على وصول ذلك إلى كل أرجاء القطاع”. سبب ذلك، أن الجنوب، المنطقة المشوشة، يرتبط أيضاً بسيطرة العشائر. قال أحد سكان هذه المنطقة: “هناك عائلات تعتبر النهب والسرقة أحد عوامل القوة. لذلك، تفضل سرقة وبيع البضائع بعشرات آلاف الدولارات بدلاً من إدخالها بشكل منظم إلى القطاع”، نحن في وضع معقد جداً، لم نعد نعرف من الذي يسيطر وعلى من. حتى الآن، نرى أن العشائر والعائلات أفضل من الفوضى والمليشيات”.
أحياناً، جميع القوى العاملة في القطاع تتكتل، فمن جهة حماس ما زالت موجودة بحجم متغير، ومن جهة أخرى، العشائر التي تحاول تحقيق السيطرة على بعض المناطق، ومن جهة ثالثة، حيث جنود الجيش الإسرائيلي. في الأسبوع الماضي، أصيب عدد من الأشخاص أثناء تبادل لإطلاق النار خارج مستشفى في خان يونس. كان في هذه الحادثة طرفان أساسيان، وحدة “السهم” التابعة لحماس، ومسلحون من عشيرة بربخ. حسب شهادات السكان، فإن أعضاء وحدة السهم أطلقوا النار على أبناء عائلة بربخ، وقتل شخص واحد منهم وأصابوا آخرين. قالت حماس إن العشيرة كانت مشاركة في نهب شاحنة مساعدات، ولكن العائلة نفت ذلك. استمرت المواجهة في المنطقة لبضعة أيام، ونتج عنها مصابون. في النهاية، حققت حماس سيطرتها على المنطقة.
صراعات القوة هذه تعمق الشعور بعدم الأمان لدى المواطنين، قالت مواطنة غزية. وحسب قولها، ذهبت عدة مرات في الفجر إلى مراكز التوزيع واصطدمت بملثمين لم تعرف انتماءاتهم. “نخرج قبل الفجر، في الظلام، كي نتمكن من الوصول، وعندها نصطدم بكل النماذج”، قالت. “لم أعد أعرف من ينتمي لهذه العائلة ومن هو مجرم ومن هو رجل حماس. لم نعد نفكر بالنظام العام، بل بالحصول على الطحين والغذاء، وإذا كان ذلك عن طريق العشائر وبمساعدتها فليكن”.
حكم العائلات
سيطرة هذه الحمائل أو غيرها في مناطق بالقطاع لا تعتبر ظاهرة جديدة، الأمر أبعد من ذلك. منذ عشرات السنين والعائلات الممتدة هي العامل الرئيسي في النسيج الاجتماعي الفلسطيني. البنية القبلية ليست فقط من بقايا الماضي، بل منظومة حية ونشطة وتوفر الرد على الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية وحتى الأمنية، في ظل غياب مؤسسات دولة قوية. بمعنى ما، يبدو الأمر أشبه بقوة العائلات في القرى العربية في إسرائيل، التي تنسحب فيها سلطات الدولة أيضاً. هي تدافع عن أعضائها أمام المجرمين وممثلي السلطة، وتساعد على إيجاد عمل.
لكن في قطاع غزة، الذي اعتمدت فيه حماس على التعاون مع العائلات، كانت سيطرتها أكثر وضوحاً. هكذا شرخ خبراء في الاقتصاد وفي المجتمع الفلسطيني. هذا وجد تعبيره في كل أركان الاقتصاد الغزي – الزراعة، التجارة والصيد. وفقاً لذلك، ففي السنوات التي سيطرت فيها حماس بقوة، كان التهريب من خلال الأنفاق إلى مصر هو الشريان الرئيسي لاقتصاد القطاع، وكان للعائلات دور مهم في ذلك.
أما الآن، بسبب الانقسام السياسي وتآكل المؤسسات، فإن العائلات التي لها قوة اجتماعية وسياسية موازية تبرز وتلعب دوراً مركباً في إحلال السلم الاجتماعي وتوزيع الموارد، وحتى في توجيه الولاء السياسي. بعض العائلات والحمائل معروفة تاريخياً بأن لها نفوذاً في القطاع، البعض منها بشكل كبير، وبعضها أقل. مثلاً، عائلة الجعبري متماهية مع كتائب عز الدين القسام، الذراع العسكري لحماس. وعائلة برهوم من خان يونس، المعروفة بفضل ابنها فوزي برهوم، المتحدث السابق باسم حماس. ولكن الحديث لا يدور عن حماس فقط. ففي القطاع عائلات ارتبط اسمها مع مرور السنين بجسم ما في كل المجالات، بدءاً بالتماهي الاقتصادي وانتهاء بالدعم الاقتصادي وتوفير النشطاء لهذا الجسم المسلح. الآن، يصعب قياس طبيعة الصلة، لأن كثيراً من العائلات تضررت، وهناك عائلات فقدت ممتلكاتها، وحتى هناك عائلات غادرت القطاع.

بخصوص العائلات التي ما زالت تنشط في القطاع، حتى لو ضعفت صلتها مع أجهزة السلطة، فإن الارتباط بالسكان بقي على حاله في مرات كثيرة. عملياً، في ظل غياب سلطة مركزية وعدم اليقين، فالكثير من العشائر تعتبر جزر استقرار. التصريح الذي نشره “تجمع العائلات والمخاتير في جنوب القطاع”، يعرفنا بأن العائلات يمكنها تحمل المسؤولية عن مجالات حيوية في الحياة في غزة. إلى جانب ذلك، يبدو أنها عائلات تنوي حماية الحدود السياسية والوطنية، وترفض التحول إلى عنصر في جهاز التعاون مع إسرائيل. هذا التصريح عبر أيضاً عن دعمه لحماس وللفصائل التي تعتبر فصائل المقاومة الفلسطينية. ومع ذلك، طالبوا بتدخل السلطة الفلسطينية في الشؤون المدنية.
كل هذه الشروط، إضافة إلى الوضع الهش، تدل على مؤقتية الوضع الحالي. ولكن حتى النموذج القائم الآن بعيد عن أن يكون كاملاً. كثيرون يشيرون إلى سلبيات تظهر من المركزية الجديدة للقوة. “لا يمكن القول بأن العائلات والعشائر ظلت كما كانت ذات يوم، عندما كان شيخ القبيلة أو رئيس العائلة يتخذ القرارات باسم الجميع”، قال للصحيفة أحد أبناء عائلة ثرية في القطاع حتى الحرب. “الوضع تغير. ما يربط الآن هو القوة الاقتصادية أو قوة السلاح. لذلك، فإن كل أنواع الشباب المسلحين يصعدون ويصبحون ذوي قوة. في حالات كثيرة، يتم الحصول على هذه القوة من خلال التخويف. هذا جزء من الفوضى التي ترعاها إسرائيل، مثلما هي الحال مع مليشيا أبو شباب”.
يقف على رأس هذا التنظيم ياسر أبو شباب، وهو ابن قبيلة الترابين البدوية، المعروف بنشاطاته الإجرامية، بما في ذلك نهب المساعدات. ورغم أن أبو شباب نشر تسجيلاً قال فيه بأنه لا يتعاون مع إسرائيل، حسب مصادر في غزة، فإن تنظيمه يضم 100 شاب مسلح، ويحصل على دعم صامت من الجيش الإسرائيلي، وعلى مساعدة لوجستية واستخبارية منه.
اسم أبو شباب ليس الوحيد الذي ارتبط بإسرائيل، بشكل فعلي أو بإمكانية كامنة. لذلك، فإن رؤساء العشائر وكثيراً من المخاتير في القطاع صرحوا علناً عن رفض التحول إلى أداة بيد الاحتلال، أو أن يكونوا بديلاً لحركات وطنية. إسرائيل تعتبر ذلك محاولة لخلق بديل محلي عن سلطة حماس. ولكن الفلسطينيين يرون في دعم إسرائيلي كهذا تماهياً مع الاحتلال ومحاولة تحويل البنية التقليدية إلى أداة تخدم إسرائيل. مثلاً، أبو شباب، الذي حسب شهادات من غزة، حدث تغيير على مكانته، والآن قوة هذا التنظيم في حالة تدهور.
لكن هناك أيضاً عملية تنظيم بعيدة المدى، بصبغة فلسطينية فقط، على سبيل المثال محمد دحلان، رئيس الأمن الوقائي السابق ومن كبار قادة حركة فتح، وهو الآن رئيس التيار الإصلاحي في الحركة، بمرافقة هذا اللقب، هو يدير ويمول منظمات غير ربحية ومنظمات إغاثة. ويشير مقربون من دحلان إلى أن الجمعيات المرتبطة به تعمل بالتنسيق مع مؤسسات الأمم المتحدة، وتشارك في تقديم المساعدات الإنسانية المباشرة للعائلات في قطاع غزة. ناشط بارز يوضح ذلك: “يتم تسليم المساعدات بواسطة مؤسسات دولية، بعضها أمريكية، من خلال أجهزتها. لا آلية مستقلة للتوزيع. ننقل إليهم المعدات، ويهتمون بإدخالها إلى القطاع وتوزيعها، وأحياناً يكون ذلك بإشراف العائلات نفسها”.
الوضع الحالي
في محادثات مع سكان في غزة، ظهر قاسم مشترك: الحالة المؤقتة. الآن، عندما تم تحقيق آلية ثابتة لتوزيع المساعدات في شمال القطاع على الأقل، فإن السؤال الرئيسي ليس “متى سيتم توسيعها في كل أرجاء القطاع”، بل متى ستتوقف كلياً. “هناك تفاهم على أن إسرائيل غير معنية بالضرورة بتفعيل هذه الآلية طوال الوقت وإن نجحت”، قال مصدر في إحدى العشائر التي توفر الحماية للمساعدات. “ربما يكون الطموح الآن هو الحفاظ على الهدوء المصطنع لوقت طويل إلى جانب الفوضى المراقبة”.
القطاع على قناعة بأن سلطة العشائر لن تبقى في القطاع ما لم يحسم من هو السيد فيه. أحد سكان غزة، ناشط في إحدى العائلات، قال للصحيفة إن “إسرائيل معنية بنهب قوافل المساعدات لتعزيز مكانة عصابات الجريمة”. وحسب قوله، عندما توجد إرادة حقيقية للعائلات، وعندما يسمحون لها بالعمل، ستنجح في فرض نظام أفضل. ولكنه غير واثق من أن إسرائيل تطمح لهذا، “حتى لو تعلق الأمر بعائلات مرتبطة بفتح أو بالتيار المرتبط بالإمارات”. وأعطى أمثلة على ذلك. “إسرائيل تريد الحفاظ على حالة الفوضى لتدعي بأن المساعدات تصل إلى حماس، لأن ذلك يخدمها سياسياً، ومن أجل صد الضغط الدولي”.
طه الأسطل، وهو من كبار هيئة العائلات والعشائر في خان يونس، قال إن إسرائيل تضع العقبات أمام آلية إدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع، وحتى إنها تسمح لجهات جريمة بالمس بهذه العملية لأسباب خاصة بها. “بدلاً من السماح لجهاز محلي، ينسق مع المنظمات الدولية للعمل بشكل منظم”، قال في نهاية الأسبوع في مقابلة مع راديو “الشمس” في الناصرة. “إسرائيل تقوم بتعويق إدخال القوافل، وتضع شروطاً مشددة، بل وتوفر الدعم لجهات إجرامية، تحاول السيطرة على المساعدات ونهبها”.
حسب قوله، في الأيام الأخيرة تم الحصول على تعهد بإدخال عشرات الشاحنات المحملة بالطحين، لكن إسرائيل صممت على ألا تدخل المساعدات إلا من معبر كرم أبو سالم، بصورة تزيد الخوف من فقدان السيطرة على الأرض. “هذا يفتح مدخلاً للسرقة، وعدم النظام، وانهيار الجهاز المدني الذي نحاول الحفاظ عليه”، قال. “تصعب معرفة كم من الوقت يمكننا الصمود هكذا. نفعل كل ما في استطاعتنا لحماية المساعدات والتأكد من وصولها إلى هدفها، لكن إسرائيل تسد هذه الإمكانية”.
لكن إسرائيل هي فقط عامل رئيسي واحد من بين ثلاثة عوامل لها صلة فيما يحدث في القطاع؛ فإلى جانبها تعمل حماس، وهناك أيضاً السلطة الفلسطينية التي تريد العودة إلى غزة بعد 18 سنة غياب. وهي تعرف أنه لا يمكنها فعل ذلك بدون إشراك العائلات والاعتراف بدورها، ما يلزمها بتحسين العلاقات وإعادة الثقة من جديد وتطوير نموذج حكم يدمج بين المؤسسات الرسمية والبنية التقليدية. ولأن بعض العائلات حافظت على علاقتها مع السلطة وعائلات أخرى ابتعدت عنها (بعضها يعتبر إسرائيل طوق نجاة حيوياً)، فإن المهمة التي تقف أمام مؤسسات السلطة تبدو معقدة.
جاكي خوري
هآرتس 30/6/2025

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب