الافتتاحيهرئيسي

صفقة أريحا وتسريب العقارات الفلسطينية: القانون الأردني وحماية الأرض في مواجهة الاستيطان

صفقة أريحا وتسريب العقارات الفلسطينية: القانون الأردني وحماية الأرض في مواجهة الاستيطان

بقلم رئيس التحرير

تعيد المعلومات التي كشفت عنها صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية بشأن سيطرة عائلات استيطانية على ثمانية أو تسعة منازل فلسطينية في منطقة الديوك التحتا غرب أريحا، فتح ملف تسريب العقارات الفلسطينية، وما يرتبط به من تشريعات أردنية تاريخية وإجراءات فلسطينية لحماية الملكية والأرض من الاستيلاء والتهويد.

وتشير المعلومات المنشورة إلى أن العملية استمرت قرابة عام، وأحيطت بسرية شديدة، ولم يكن مطلعاً على تفاصيلها سوى خمسة أشخاص، وفق الرواية المتداولة. كما تحدثت التقارير عن دور لحركة «نحالا» الاستيطانية، بالتعاون مع مجلس مستوطنات بنيامين، وعن استخدام وسيط ثالث لم تُكشف هويته، مع ادعاء المستوطنين امتلاك وثائق تثبت شراء العقارات ودفع أثمانها.

واللافت أن تصريحات منسوبة إلى رئيس مجلس مستوطنات بنيامين، يسرائيل غانتس، ربطت الخطوة بتغيير الواقع الميداني وتفكيك اتفاق أوسلو عملياً. وهذا يضع القضية في سياق يتجاوز الادعاء بصفقات عقارية، إلى محاولة إيجاد بؤر استيطانية جديدة في محيط أريحا، بما يمس التواصل الجغرافي الفلسطيني ومكانة المدينة الاستراتيجية.

القانون الأردني ومنع تسريب الأراضي

تستدعي هذه القضية العودة إلى التشريعات الأردنية التي شكلت إطاراً قانونياً لحماية الأراضي من انتقالها إلى جهات إسرائيلية. ومن الضروري هنا التمييز بين قانون منع بيع العقار للعدو لسنة 1973، وبين عام 1975 الذي يرتبط، وفق ما شهدته تلك المرحلة، بجهود التنسيق والمتابعة مع الأردن لحماية الأراضي والسجلات العقارية الفلسطينية.

وقد تناول قانون سنة 1973 صور البيع المباشر وغير المباشر، والوساطة والوكالات والتصرفات التي تؤدي إلى نقل الحقوق العقارية للعدو، ورتب البطلان والمسؤولية الجزائية على الأفعال التي حددها. وتكمن أهمية هذه الأحكام في أن عمليات التسريب لا تتم بالضرورة من خلال البائع المباشر، بل قد تمر عبر وسطاء وواجهات ووكالات وعقود تستوجب التدقيق والتحقق.

وقد شكل التنسيق مع الأردن في تلك المرحلة امتداداً لجهود حماية الأرض الفلسطينية، من خلال متابعة القيود والسجلات والوكالات والتصرفات العقارية، واستمر الاهتمام بهذا الملف حتى قيام السلطة الوطنية الفلسطينية وانتقال مسؤوليات الإدارة والتسجيل العقاري إلى المؤسسات الفلسطينية ضمن الاختصاصات المقررة لها.

ومن هنا تبرز أهمية استعادة الوثائق والسجلات الأردنية التاريخية، والتعاون بين الخبراء القانونيين والفنيين في البلدين، لضمان عدم ضياع الحقوق أو استغلال أي فراغ إداري أو قانوني.

أريحا بين الادعاءات والوثائق الرسمية

في المقابل، أكدت سلطة الأراضي الفلسطينية أن العقارات تقع ضمن الحوض رقم (6)، في القطعتين (14) و(24) بمنطقة الديوك التحتا. وأوضحت أن القطعة (14) من أملاك الدولة ولم يجرِ تخصيصها أو تأجيرها أو التصرف بها، فيما تعود القطعة (24) إلى ملكية خاصة مسجلة بأسماء أصحابها التاريخيين منذ ما قبل عام 1967، مؤكدة عدم تنفيذ معاملات بيع رسمية بشأنهما، وإحالة الملف إلى الجهات المختصة للتحقيق.

وهذا يستوجب فحص الوثائق التي يدعي المستوطنون امتلاكها، والتحقق من هوية البائعين والوسطاء، ومصادر الأموال، وصحة الوكالات وتواريخها، ومدى مطابقتها للسجلات الرسمية. فوجود عقد أو وكالة لا يشكل بذاته دليلاً كافياً على انتقال الملكية بصورة قانونية.

مسؤولية فلسطينية أردنية مشتركة

إن حماية الأرض تتطلب تشكيل لجنة فلسطينية أردنية مشتركة لتدقيق السجلات التاريخية، وتوثيق الملكيات والوكالات، ومتابعة أي تصرفات مشبوهة، إلى جانب تعزيز الرقابة على معاملات التسجيل وتوفير الحماية القانونية لأصحاب الحقوق.

وعلى المستوى الدولي، فإن المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة تحظر نقل دولة الاحتلال أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي المحتلة، فيما توجب قواعد لاهاي احترام الملكية الخاصة. كما أكد رأي محكمة العدل الدولية الاستشاري الصادر في 19 تموز 2024 عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وضرورة إنهاء الأنشطة الاستيطانية الجديدة.

إن قضية أريحا ليست مجرد خلاف على عقارات، بل اختبار لقدرة المؤسسات على حماية الملكية والوثيقة والحق الوطني. فالأرض لا تنتقل بادعاء أو مستند مشكوك فيه، ولا تمنح القوة العسكرية حقاً في تغيير الملكيات أو فرض وقائع استيطانية.

إن التنسيق الفلسطيني الأردني في حماية الأراضي ليس استعادة لملف تاريخي فحسب، بل ضرورة قانونية ووطنية لحماية الحقوق الفلسطينية وصون الأرض من التسريب والاستيطان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب