عربي دولي

طال صحافيا بسبب مقال عن الغاز الصخري.. تجدد الجدل حول المنع من السفر خارج الجزائر بالتزامن مع “ترحيب الرئيس بالمعارضين”

طال صحافيا بسبب مقال عن الغاز الصخري.. تجدد الجدل حول المنع من السفر خارج الجزائر بالتزامن مع “ترحيب الرئيس بالمعارضين”

 أبدت شخصيات سياسية وإعلامية في الجزائر تضامنها مع الصحافي بجريدة “الوطن” والكاتب الروائي والمسرحي مصطفى بن فضيل، عقب إعلانه أنه مُنع من السفر للمشاركة في فعاليات مهرجان أفينيون الدولي للمسرح بفرنسا، في واقعة أعادت إلى الواجهة الجدل بشأن قرارات المنع من مغادرة التراب الوطني وآليات تطبيقها، خاصة عندما لا تكون مصحوبة بتبليغ قضائي أو إداري رسمي.

وأوضح بن فضيل، في بيان نشره على حسابه، تفاصيل ما جرى معه، مشيرا إلى أن القضية تعود إلى ستة أشهر، عندما استدعته مصالح الاستعلامات العامة، مساء 18 كانون الثاني/ يناير 2026، للاستماع إليه بشأن مقال صحافي نشره في اليوم نفسه حول دراسة تناولت ملف الغاز الصخري في الجزائر، كانت قد أعدتها مجلة علمية متخصصة تصدر بصورة قانونية.

وقال الصحافي إنه أُبلغ خلال ذلك الاستدعاء بأنه خاضع لإجراء المنع من السفر، رغم أن المقال استند بالكامل إلى دراسة منشورة ولم يترتب عنه، بحسب روايته، أي إجراء قضائي، كما لم يتم تحويله إلى وكيل الجمهورية أو قاضي التحقيق، ولم تتقدم أي جهة رسمية بشكوى ضده، معتبرا أن الإجراء “تعسفي ولا يستند إلى أساس قانوني”.

وأضاف أنه تلقى بعد أيام من الاستماع إليه تطمينات بإمكانية السفر دون عراقيل، الأمر الذي دفعه إلى الاعتقاد بأن الملف انتهى، رغم إلغائه آنذاك جميع ارتباطاته الخارجية.

منع من السفر لتقديم مسرحية عن التجارب النووية الفرنسية في الجزائر 

غير أن بن فضيل أوضح أنه تلقى مؤخرا دعوة للمشاركة في مهرجان أفينيون لتقديم عمل مسرحي جديد يتناول جرائم التجارب النووية الفرنسية في الجزائر، لكنه فوجئ، عند توجهه إلى مطار الجزائر يوم الاثنين الماضي، بإبلاغه من قبل شرطة الحدود بأنه لا يزال خاضعا لإجراء المنع من السفر، ما حال دون مغادرته البلاد.

وأكد أن القضية لا تتعلق سوى بممارسة نشاط ثقافي وإبداعي يمثل الجزائر في تظاهرة دولية، معتبرا أن الطريقة التي عولج بها الملف تسيء في النهاية إلى صورة البلاد.

وفي رد فعلها، ذكرت هيئة تحرير مجلة “نقد” (NAQD)، في رسالة مفتوحة، أن القضية تعود إلى نشر مصطفى بن فضيل في صحيفة “الوطن” عرضاً للعدد 44 من المجلة، المخصص لموضوع الغاز الصخري: المخاطر والرهانات، وهو عدد تناول خيار استغلال الغاز الصخري في الجزائر وما يثيره من نقاشات.

وأكدت هيئة تحرير المجلة أن الصحافي لم يقم سوى بواجبه المهني، موضحة أن المقال الذي نشره اقتصر على تقديم مضمون العدد 44 من المجلة، كما درج على فعله منذ سنوات مع كل إصدار جديد للمجلة. وأشارت إلى أن هذا العدد، شأنه شأن جميع الأعداد الصادرة منذ 35 عاماً، نُشر ووُزع داخل الجزائر، ولم يصدر أي قرار بمنعه أو حجزه أو سحبه من التداول.

واعتبرت هيئة التحرير التي يرأسها المؤرخ المعروف دحو جربال، أن أي تقييد لحرية التنقل يجب أن يستند إلى أسس قانونية واضحة، وأن يحترم مبادئ الشرعية والضرورة والتناسب، فضلاً عن توافقه مع الحقوق والحريات الأساسية، وفي مقدمتها مبدأ المساواة وعدم التمييز.

وتساءلت المجلة في ختام رسالتها عن مدى انسجام مثل هذا الإجراء مع مفهوم دولة القانون، مؤكدة أنه، بحسب ما لديها من معطيات، لم يصدر أي قرار قضائي أو إداري تم تبليغه إلى مصطفى بن فضيل بشأن منعه من السفر، وهو ما يطرح حسبها تساؤلات حول إمكانية أن يُحرم أي شخص من حقه في التنقل داخل بلده وخارجه دون قرار معلل وإجراءات قانونية معلنة.

وعلى مواقع التواصل، أثارت الواقعة موجة تضامن واسعة داخل الأوساط الإعلامية والثقافية والسياسية. وقال الكاتب الصحافي حميدة العياشي إن منع بن فضيل من السفر يتناقض مع الرسائل السياسية الداعية إلى توسيع فضاءات التعبير، خاصة في ظل تشجيع السلطات لعودة معارضين وشخصيات سياسية من الخارج للمشاركة في النقاش العام.

وقال العياشي إن ما حدث يبعث برسائل متناقضة، إذ يأتي في وقت يجري فيه الحديث عن الانفتاح السياسي وعودة شخصيات معارضة إلى الجزائر، من بينها الدكتور سعيد سعدي، بينما يُمنع في المقابل صحافي وكاتب معروف من المشاركة في مهرجان ثقافي دولي. وأضاف أن بن فضيل عرف باختياره البقاء في الجزائر وممارسة نشاطه الفكري والثقافي من داخل البلاد، رغم الفرص التي أتيحت له للإقامة في الخارج، معتبرا أن انسجام الممارسات مع الخطاب السياسي المعلن يمثل شرطا لتعزيز الثقة بين الدولة والنخب الثقافية والفكرية.

وامتدت موجة التضامن إلى عدد من الشخصيات من بينهم رئيس حزب جيل جديد السابق جيلالي سفيان، والقيادي في حزب العمال رمضان تعزيبت، إضافة إلى عشرات الصحافيين والكتاب والناشطين الذين دعوا إلى توضيح أسباب المنع وتمكين الصحافي من حقوقه القانونية، معتبرين أن المشاركة في المحافل الثقافية الدولية تمثل إضافة لصورة الجزائر وإشعاعها الثقافي.

وأعادت القضية إلى الواجهة ملفات مشابهة شهدتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة، تتعلق بمنع صحافيين ونشطاء وسياسيين من السفر دون صدور أوامر قضائية معلنة أو تبليغ رسمي بالأسباب.

ومن أبرز تلك القضايا ما أثاره الصحافي رؤوف حرز الله خلال سنة 2025، عندما أعلن أنه خاضع لإجراء يمنعه من مغادرة التراب الوطني، مؤكدا أنه لم يتلق أي إشعار رسمي أو استدعاء قضائيا يوضح أسباب القرار، وأن جميع محاولاته للاستفسار لدى الجهات المختصة باءت بالفشل.

كما سبق للصحافي مصطفى بن جامع أن أعلن في أكثر من مناسبة منعه من مغادرة التراب الوطني عبر المعبر الحدودي مع تونس، مؤكدا أنه لم يعثر على قرار قضائي يبرر الإجراء، وهو ما جعل من الصعب الطعن فيه أو معرفة الجهة التي أصدرته.

وأثارت هذه القضايا انتقادات منظمات حقوقية دولية، إذ دعت كل من منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش سنة 2022 السلطات الجزائرية إلى التراجع عن قرارات منع السفر التي طالت عددا من النشطاء الجزائريين المقيمين في كندا، معتبرتين أن غياب إجراءات قانونية واضحة للطعن في هذه القرارات يثير مخاوف تتعلق بحرية التنقل.

كما دفعت هذه الملفات إلى طرح مقترحات لتعديل قانون الإجراءات الجزائية، حيث تقدم النائب السابق عن الجالية عبد الوهاب يعقوبي بمقترح ينص على ألا يصدر قرار المنع من مغادرة التراب الوطني إلا بأمر قضائي معلل يصدر عن قاضي الحريات، مع إلزام السلطات بتبليغ المعني بالقرار ومنحه حق الطعن خلال أجل محدد. غير أن البرلمان رفض هذا التعديل، معتبرا أنه ينتقص من صلاحيات النيابة العامة، ليبقى الجدل قائما بشأن الضمانات القانونية المرتبطة بإجراءات المنع من السفر، وهو ما أعادت قضية مصطفى بن فضيل إحياءه من جديد.

الرئيس تبون يعلن ترحيبه بالمعارضين شرط أن يمارسوا السياسة بـ”طريقة حضارية”

وتجدد الجدل حول المنع من مغادرة التراب الجزائري بالتزامن مع إبداء الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، خلال زيارته قبل أيام لألمانيا، ترحيبه بالمعارضين، مؤكدا أن كل جزائري يملك الحق في انتقاد السلطة وإبداء الرأي، شريطة الابتعاد عن السب والشتم، في رسالة بدا أنها تستهدف نشطاء في الخارج قياسا إلى السياق المكاني الذي صدرت منه التصريحات.

وخلال لقائه بأفراد من الجالية الجزائرية على هامش زيارته الرسمية إلى ألمانيا، قال تبون في كلمته: “المعارضون.. مرحبا بهم. من يعارض بصفة حضارية وبأفكار ويأتي بالبديل، هذا يسمح للجزائر لكي تتطور في الديمقراطية”. وأضاف: “أقولها وأعيدها، كل جزائري له الحق في الانتقاد مع مراعاة تقاليدنا وحرمتنا، لأن السب والشتم لا يأتيان بنتيجة ويأتيان بالعنف والكراهية”. وتابع: “لا يوجد إشكال فيمن يقول لست موافقا، وهذا سبب رأيي، ويأتي بالبديل، نعمل مثل الدولة الفلانية أو الكاتب الفلاني. هذه أمور تثري المسيرة الوطنية، والذي لا يفهمها لا يفهم شيئا”.

وتناقل نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي بكثافة تصريحات تبون في ألمانيا، مرفقة بتوقعات بأن تتبعها إجراءات عملية قد تسهل عودة بعض المعارضين، أو تفتح الباب أمام مبادرات جديدة في هذا الاتجاه.

وتأتي هذه التصريحات بعد أشهر من مواقف شبيهة صدرت عن الرئيس تبون ومسؤولين في الدولة تضمنت رسائل موجهة إلى جزائريين يقيمون في الخارج، خاصة أولئك الذين يواجه بعضهم متابعات قضائية مرتبطة بقضايا تتعلق بالنظام العام أو بالنشاط السياسي والإعلامي.

 “القدس العربي”:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب