فلسطين

طولكرم بين الاستهداف الإسرائيلي وتحديات التنمية والصمود: ماذا يريد أهل المحافظة من الوفد الإعلامي الزائر؟

طولكرم بين الاستهداف الإسرائيلي وتحديات التنمية والصمود: ماذا يريد أهل المحافظة من الوفد الإعلامي الزائر؟
تقرير وإعداد: المحامي علي أبو حبلة
صحيفة صوت العروبة
تمثل زيارة الوفد الإعلامي إلى محافظة طولكرم فرصة وطنية مهمة لتسليط الضوء على واقع المحافظة بكل أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، ونقل الصورة الحقيقية لما تعانيه المدينة وبلداتها ومخيماتها من تحديات متراكمة بفعل سياسات الاحتلال الإسرائيلي من جهة، وبفعل الاحتياجات التنموية والخدمية المتزايدة من جهة أخرى.
فأبناء طولكرم لا ينظرون إلى هذه الزيارة باعتبارها مجرد جولة إعلامية لتوثيق آثار الاقتحامات العسكرية أو مشاهد الدمار الناتجة عن الاعتداءات الإسرائيلية، بل يرون فيها فرصة لإيصال رسالة شاملة تعكس حجم المعاناة اليومية وتكشف في الوقت ذاته المخاطر الاستراتيجية التي تهدد مستقبل المحافظة ومكانتها الاقتصادية والجغرافية ودورها الوطني في شمال الضفة الغربية.
طولكرم في مواجهة مشروع استراتيجي يستهدف شمال الضفة الغربية
ما يجري في محافظة طولكرم لا يمكن قراءته بمعزل عن المشروع الإسرائيلي الهادف إلى إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديمغرافي في الضفة الغربية، عبر تكريس السيطرة على الأرض وتوسيع المستوطنات وربطها بشبكات طرق وبنى تحتية حديثة، بما يؤدي إلى تفكيك التواصل الجغرافي الفلسطيني وفرض وقائع جديدة على الأرض.
وقد تحولت طولكرم خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أكثر المحافظات الفلسطينية تعرضاً لهذه السياسات، سواء من خلال التوسع الاستيطاني أو مصادرة الأراضي أو توسيع جدار الفصل العنصري أو إنشاء الأحزمة الأمنية حول المستوطنات، الأمر الذي يهدد مستقبل المحافظة ويقوض فرص التنمية والاستثمار فيها.
إن ما تواجهه طولكرم اليوم لا يقتصر على إجراءات أمنية كما تدعي إسرائيل، بل يشكل جزءاً من رؤية سياسية تهدف إلى عزل المحافظة عن محيطها الفلسطيني وتحويلها إلى منطقة محاصرة جغرافياً واقتصادياً، بما يحد من قدرتها على النمو الطبيعي ويضعف مقومات صمود سكانها.


الأرض والجدار والاستيطان: أدوات لتغيير الواقع
تواصل سلطات الاحتلال سياساتها الرامية إلى الاستيلاء على الأراضي الزراعية الفلسطينية تحت ذرائع أمنية مختلفة، في وقت يشهد فيه جدار الفصل العنصري توسعاً مستمراً أدى إلى مصادرة آلاف الدونمات وعزلها عن أصحابها.
ولا تقتصر خطورة الجدار على آثاره الاقتصادية والزراعية، بل تمتد إلى إعادة رسم الواقع الجغرافي للمحافظة، وخلق حدود فعلية جديدة تفرضها القوة العسكرية بعيداً عن أي اعتبارات قانونية أو سياسية.
كما تسعى إسرائيل إلى تعزيز الحزام الاستيطاني المحيط بالمحافظة وربط المستوطنات بشبكات طرق حديثة ومناطق صناعية، بما يؤدي إلى تقطيع أوصال التجمعات الفلسطينية وفصل طولكرم عن امتدادها الطبيعي في محافظات الضفة الغربية.


مصانع الموت والتلوث البيئي
ومن القضايا التي تستحق اهتماماً خاصاً قضية التلوث البيئي الذي تعاني منه المحافظة منذ سنوات طويلة نتيجة المنشآت الصناعية الإسرائيلية المقامة بمحاذاة المدينة، وفي مقدمتها مصنع غاشوري والكسارات والمنشآت الصناعية الملوثة.
وتشكل هذه المنشآت تهديداً مباشراً لصحة المواطنين والبيئة الزراعية، حيث يعاني السكان من آثار التلوث الهوائي والضوضائي والمخلفات الصناعية التي تؤثر على جودة الحياة والصحة العامة.
ويطالب المواطنون بإثارة هذه القضية على المستويات المحلية والدولية باعتبارها قضية حقوقية وإنسانية وبيئية تمس حق الإنسان الفلسطيني في العيش في بيئة سليمة وآمنة.


الواقع الصحي: تحديات كبيرة وحاجة إلى النهوض
إلى جانب التحديات السياسية والأمنية، تواجه محافظة طولكرم واقعاً صحياً يحتاج إلى اهتمام خاص وخطة تطوير شاملة.
فالمؤسسات الصحية في المحافظة تعمل تحت ضغط متزايد نتيجة النمو السكاني وارتفاع الاحتياجات الطبية، في حين يعاني المرضى من نقص بعض الأدوية والمستلزمات الطبية والتخصصات العلاجية والخدمات المتقدمة.
كما أن المستشفيات والمراكز الصحية بحاجة إلى تطوير بنيتها التحتية وتوسيع خدماتها وتزويدها بالأجهزة الطبية الحديثة، بما يضمن تقديم خدمات صحية لائقة للمواطنين ويحد من معاناة المرضى الذين يضطرون أحياناً للبحث عن العلاج خارج المحافظة.
إن تطوير القطاع الصحي يجب أن يكون أولوية وطنية وتنموية، باعتباره أحد أهم عناصر الصمود والاستقرار الاجتماعي.
البنية التحتية: استحقاق تنموي عاجل

مديرية صحة طولكرم
تواجه المحافظة تحديات متراكمة في قطاع البنية التحتية نتيجة محدودية الموارد والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة التي طالت الشوارع وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي.
وتبرز الحاجة الملحة إلى خطة تنموية شاملة لإعادة تأهيل الطرق الداخلية والرئيسية، وتطوير شبكات المياه والكهرباء، وتحسين خدمات الصرف الصحي، وتنظيم البنية التحتية بما يتلاءم مع متطلبات النمو السكاني والاقتصادي.
كما أن العديد من القرى والبلدات بحاجة إلى مشاريع تطويرية تضمن تحسين جودة الخدمات الأساسية وتعزز من قدرة المواطنين على الصمود في أراضيهم.
التعليم وبناء الإنسان
يشكل قطاع التعليم أحد أهم عناصر الاستثمار في المستقبل، إلا أن العديد من المدارس في المحافظة تعاني من اكتظاظ الصفوف والحاجة إلى التوسعة والتطوير والصيانة.
ويتطلع المواطنون إلى إطلاق برامج تطويرية للنهوض بالقطاع التعليمي، تشمل تحديث البنية المدرسية وتوفير البيئة التعليمية المناسبة وتعزيز التعليم المهني والتقني وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل.
فبناء الإنسان الفلسطيني القادر على مواجهة التحديات يبدأ من مدرسة عصرية قادرة على إعداد جيل يمتلك المعرفة والمهارات اللازمة للمستقبل.
الاقتصاد والبطالة: التحدي الأكبر للشباب
ربما يكون الملف الاقتصادي من أكثر الملفات إلحاحاً في محافظة طولكرم، حيث تعاني شريحة واسعة من الشباب من البطالة وضعف فرص العمل والاستثمار.
وقد أدت القيود الإسرائيلية والإغلاقات والحواجز وتراجع النشاط الاقتصادي إلى إضعاف قدرة السوق المحلية على استيعاب الخريجين والباحثين عن العمل.
لذلك فإن المحافظة بحاجة إلى استراتيجية اقتصادية متكاملة تقوم على تشجيع الاستثمار، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز القطاع الزراعي والصناعات الوطنية، وتوفير حوافز للمستثمرين، بما يخلق فرص عمل حقيقية ويحد من البطالة والهجرة.
كما أن تطوير المناطق الصناعية الفلسطينية الوطنية يجب أن يكون جزءاً من رؤية اقتصادية مستقلة تعزز الإنتاج وتدعم الاقتصاد المحلي.
أزمة الإسكان والحاجة إلى دعم الحركة التعاونية
في ظل الارتفاع المستمر في أسعار الأراضي والعقارات، باتت قضية الإسكان تشكل تحدياً حقيقياً أمام الشباب الفلسطيني.
وتبرز الحاجة إلى إعداد خطة إسكانية وطنية تستهدف توفير مساكن ميسرة للشباب وذوي الدخل المحدود، بما يساعد على تعزيز الاستقرار الاجتماعي ويمنح الأجيال الجديدة فرصة لبناء مستقبلها داخل الوطن.
وفي هذا السياق تكتسب الجمعيات التعاونية السكنية أهمية خاصة باعتبارها إحدى الأدوات الفاعلة لتوفير السكن بأسعار مناسبة، الأمر الذي يتطلب دعمها مالياً وإدارياً وتشريعياً، وتوفير الأراضي والبنية التحتية اللازمة لإنجاح مشاريعها.
إن إحياء الحركة التعاونية وتطويرها يمثل ركيزة مهمة من ركائز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويسهم في تعزيز صمود المواطنين وتمكينهم من مواجهة التحديات الاقتصادية المتزايدة.
ماذا يريد أهل طولكرم من الوفد الإعلامي؟
يريد المواطنون من الوفد الإعلامي أن ينقل الحقيقة كاملة، وأن يستمع إلى مختلف القطاعات والفئات المجتمعية، من المزارعين والعمال والتجار والشباب والنساء والأكاديميين والأطباء والمهندسين ورؤساء الهيئات المحلية وممثلي المؤسسات الأهلية والقطاع الخاص.
كما يأملون أن تساهم هذه الزيارة في نقل احتياجات المحافظة التنموية والخدمية، وأن تتحول إلى منصة لإيصال رسالة واضحة إلى صناع القرار بضرورة وضع طولكرم على سلم الأولويات الوطنية من حيث التنمية والاستثمار والدعم الحكومي والمؤسساتي.
رسالة طولكرم
إن الرسالة التي يحملها أبناء طولكرم إلى الوفد الإعلامي وإلى الرأي العام الفلسطيني والعربي والدولي هي أن المحافظة لا تواجه فقط تحديات الاحتلال وسياساته التوسعية، بل تواجه أيضاً استحقاقات تنموية وخدمية تتطلب رؤية وطنية شاملة وخطة عمل متكاملة.
فطولكرم بحاجة إلى حماية أرضها من المصادرة والاستيطان، وبحاجة إلى وقف التلوث البيئي الذي يهدد صحة سكانها، وبحاجة إلى تطوير قطاعها الصحي والتعليمي، وإعادة تأهيل بنيتها التحتية، وتحفيز اقتصادها المحلي، وتوفير فرص العمل لشبابها، وإطلاق مشاريع إسكانية تدعم استقرار الأسر الشابة.
إن مستقبل طولكرم لا يرتبط فقط بمواجهة الاحتلال، بل يرتبط أيضاً بقدرة المؤسسات الرسمية والأهلية والقطاع الخاص على بناء نموذج تنموي يعزز الصمود الوطني ويحول المحافظة إلى مركز للإنتاج والتنمية والاستقرار.
ومن هنا فإن نجاح زيارة الوفد الإعلامي يقاس بمدى قدرته على نقل هذه الصورة الشاملة، وتحويل معاناة المحافظة وتطلعاتها إلى قضية رأي عام، وإبراز أن صمود الإنسان الفلسطيني لا يحتاج فقط إلى مواجهة سياسات الاحتلال، بل يحتاج أيضاً إلى تنمية مستدامة وعدالة في توزيع الموارد ورؤية وطنية تستثمر في الإنسان والأرض والمستقبل.

لا يتوفر وصف للصورة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب