عالمية الرسالة المحمديّة. هل الإسلام دين لجماعة بعينها، أم رسالة إلهية موجهة إلى البشرية جمعاء..

عالمية الرسالة المحمديّة.
هل الإسلام دين لجماعة بعينها، أم رسالة إلهية موجهة إلى البشرية جمعاء..
الأستاذ: علي اعمو.
كاتب من المغرب.
كثيراً ما جرى التعامل مع الإسلام باعتباره هوية دينية مغلقة،
ينتمي إليها أتباع جماعة محددة، حتى أصبح بعض الناس
يتصرفون وكأنهم أصحاب الحق الحصري في تعريف الإسلام
وتحديد من ينتمي إليه ومن يُستبعد منه. غير أن العودة إلى
القرآن الكريم، بعيداً عن الأحكام المسبقة والتصورات الموروثة،
تفتح أمامنا أفقاً أوسع لفهم عالمية الرسالة الإسلامية.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْاسْلَامُ﴾ (آل عمران: 19).
فالآية تتحدث عن الدين عند الله، ولا تقدمه باعتباره اسماً
لجماعة بشرية أو امتيازاً تاريخياً تحتكره فئة دون غيرها. ومن
هذا المنطلق، يبرز التمييز بين الإسلام بوصفه دين التوحيد
والخضوع لله، وبين الانتماءات الدينية والتاريخية التي تمايزت
بها المجتمعات عبر العصور.
وفي القراءة المعاصرة التي يقدمها المفكر محمد شحرور، لا
يُختزَل الإسلام في مجرد الانتساب الاسمي إلى جماعة دينية، بل
يرتبط أساساً بالإيمان بالله والاستقامة في السلوك والعمل.
فالعبرة ليست بما يعلنه الإنسان بلسانه وحده، وإنما بما يترجمه
إيمانه إلى سلوك أخلاقي وإنساني.
ويستوقفنا في هذا السياق قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ
اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا
بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (فصلت الآية 30).
إن ترتيب المعاني في الآية لافت؛ فقد جاء الإقرار بربوبية الله
أولاً، ثم أعقبته الاستقامة. وهذا الانتقال من القول إلى العمل
يحمل دلالة عميقة: فالإيمان لا يكتمل بمجرد التلفُّظ، بل تظهر
قيمته في استقامة الإنسان، وفي أفعاله ومواقفه. وقد أعاد القرآن
المعنى نفسه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا
فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (الأحقاف: الآية13).
ويتعزز هذا الأفق بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا
وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنَ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا
فَلَهُم أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة:
الآية:62).
فالآية تضع الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح في صلب
الحديث عن الأجر الإلهي، وتذكر جماعات دينية مختلفة، دون أن
تجعل مجرد أسمائها حكماً نهائياً على مصير أفرادها. وهي تفتح
باب التأمل في أن علاقة الإنسان بالله لا ينبغي أن تُختزل في
بطاقة انتساب أو هوية موروثة، وأن الحكم النهائي على الناس
ليس من اختصاص البشر.
ومن جهة أخرى، فإن القرآن يدعو أهل الكتاب إلى كلمة
مشتركة، فيقول تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ
بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا
بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾
(آلعمران الآية 64).
إن الدعوة إلى كلمة سواء تقوم على التوحيد ونبذ الشرك،
وتكشف عن مساحة مشتركة للحوار بين أصحاب المعتقدات
المختلفة. كما أن ختام الآية بعبارة «اشهدوا بأنا مسلمون»
يستحق التأمل في سياق هذا الخطاب الموجه إلى أهل الكتاب.
ولا تنفصل هذه المعاني عن عالمية الرسالة التي بعث بها النبي
محمد، إذ يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾
(الأنبياء: الآية 107). فالعالمية هنا ليست مجرد انتشار
جغرافي، بل أفق إنساني يتجاوز الحدود والأعراق والانتماءات،
ويجعل الرحمة قيمة مركزية في الرسالة.
وإذا كان الدين عند الله هو الإسلام، فإن ذلك لا يمنح أي إنسان
حق احتكاره أو التحدث باسم الله دون علم. فالقرآن يحذر من
الافتراء على الله، بقوله تعالى: ﴿قُل إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ
الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (يونس: الآية 69). وهذا تحذير يقتضي
التثبت في نسبة الأحكام إلى الله، وعدم تحويل الاجتهادات
البشرية إلى حقائق إلهية لا تقبل النقاش.
إن جوهر الإشكال لا يكمن في اختلاف الناس في معتقداتهم، فهذا
الاختلاف واقع في حياة البشر، وإنما يكمن في تحويل الانتماء
الديني إلى وسيلة للإقصاء وادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة. فليس
من حق أحد أن يُنصّب نفسه حارساً على علاقة الآخرين
بخالقهم، أو أن يصادر عنهم حق التفكير والتدبر في كتاب الله.
إن عالمية الرسالة الإسلامية تقتضي أن ننظر إلى الإنسان من
خلال إيمانه وقيمه وأعماله، لا من خلال الاسم الذي يحمله أو
الجماعة التي وُلد داخلها. وفي هذا الفهم تتراجع العصبيات،
وتتقدم المسؤولية الأخلاقية، ويصبح التوحيد والاستقامة والعمل
الصالح منطلقاً للتقارب الإنساني.
فالإسلام، في هذا الأفق القرآني، ليس ملكاً لجماعة، ولا امتيازاً
وراثياً لطائفة، بل رسالة إلهية ذات أفق إنساني شامل؛ والله
وحده أعلم بما في القلوب، وهو وحده صاحب الحكم الفصل بين
عباده.
الأستاذ: علي اعمو
كاتب من المغرب



