عبد الله.. حكاية متقاعد لم تنصفه دولته..

عبد الله.. حكاية متقاعد لم تنصفه دولته..
الأستاذ: علي اعمو
كاتب من المغرب
كان عبد الله ينتظر تقاعده باعتباره نهاية سنوات طويلة قضاها
في خدمة الوظيفة العمومية، وبداية مرحلة ينعم فيها بالراحة
ويهتم بأسرته وصحته. لكنه وجد نفسه أمام واقع مختلف، بعدما
اكتشف أن معاشه المحدود لا يستجيب لمتطلبات حياته الأسرية.
فهو متزوج وأب لأربعة أبناء، لهم احتياجاتهم اليومية ومتطلبات
جيلهم، من حواسيب وهواتف ذكية وإنترنت وملابس و غيرها،
ولم تكن هذه المطالب وحدها ما يثقل كاهله؛ فغياب مؤسسات
التعليم العالي في مدينته اضطر أبناءه إلى الانتقال إلى مدينة
أخرى لمتابعة دراستهم الجامعية، وما يترتب عن ذلك من نفقات
السكن والنقل والدراسة والمعيشة.
وفوق هذه الالتزامات، يعاني عبد الله من المرض ويحتاج إلى
الأدوية والعلاج، الأمر الذي زاد وضعه صعوبة. ولم يجد أمامه
سوى العودة إلى العمل سائقاً لسيارة أجرة، رغم تقدمه في السن
وحاجته إلى الراحة. يقضي ساعات طويلة خلف المِقود، وأحياناً
إلى وقت متأخر من الليل، من أجل توفير ما يعجز معاشه عن
تأمينه لأسرته.
بعض المحسنين في مدينته يعرفون ظروفه ويقدمون له
المساعدة من حين إلى آخر، لكنه لا يريد أن يكون عبئاً على أحد؛
كل ما يتمناه أن يستطيع القيام بمسؤولياته تجاه أسرته، وأن
يرى أبناءه يكملون دراستهم دون أن تتحول الظروف المادية إلى
عائق أمام مستقبلهم.
وفي نهاية الأسبوع، يلتقي عبد الله بأصدقاء من المتقاعدين في
أحد مقاهي المدينة. يتبادلون الحديث عن سنوات العمل، ثم تنتقل
أحاديثهم إلى واقعهم بعد التقاعد. أحدهم يشتكي من تكاليف
العلاج، وآخر اضطر إلى البحث عن عمل إضافي، وثالث يعتمد
على أبنائه لمواجهة مصاريفه.
من خلال هذه اللقاءات، يتبين أن حكاية عبد الله ليست حالة
معزولة، بل صورة لمعاناة متقاعدين كثيرين وجدوا أنفسهم أمام
مرحلة من الحياة لم توفر لهم الاستقرار الذي كانوا ينتظرونه بعد
سنوات الخدمة.
وهنا يطرح السؤال نفسه: ما قيمة التقاعد إذا اضطر الموظف
إلى مواصلة العمل رغم المرض والتقدم في السن، حتى يتمكن
من توفير احتياجات أسرته؟.
إن إنصاف المتقاعد لا ينبغي أن يكون إحساناً أو مبادرة ظرفية،
بل مسؤولية تقتضي ضمان معاش يحفظ كرامته ويتيح له العيش
في أمان، والاستفادة من العلاج دون أن يتحول المرض إلى
عبء إضافي على حياته.
ما زال عبد الله، يقود سيارة الأجرة، بعدما كان يأمل أن تكون
سنوات التقاعد فرصة للراحة. قصته تختصر واقعاً يستحق أن
يُلتفت إليه، وتعيد طرح سؤال الإنصاف تجاه من قضوا أعمارهم
في خدمة وطنهم.
فهل من العدل أن يتحول التقاعد، بعد سنوات العطاء، إلى معاناة
جديدة؟..
الأستاذ: علي اعمو
كاتب من المغرب

