علاقات إسرائيل مع الولايات المتحدة تمر بتغيير عميق.. ماذا بعد؟

علاقات إسرائيل مع الولايات المتحدة تمر بتغيير عميق.. ماذا بعد؟
البروفيسور أبراهام بن – تسفي
في 8 أكتوبر 1973 فشل الهجوم الإسرائيلي المضاد في سيناء فشلاً تاماً. فأمام الجيشين المصري والسوري المندفعين إلى الأمام في حرب يوم الغفران، احتاجت إسرائيل حاجة ماسة لما سمي “القطار الجوي” من الذخيرة الأمريكية.
منحت هذه اللحظة وزير الخارجية هنري كيسنجر رافعة ضغط تاريخية في معانيها. فقد أتاح التوريد لإسرائيل قلب الجرة رأساً على عقب، ووصول قواتها حتى مسافة 101 كيلومتر عن القاهرة فيما هي في الجانب الآخر من القناة وعلى شفا محاصرة الجيش المصري الثالث الذي علق في الضفة الشرقية من قناة السويس. لكن عندها جاء وقت دفع الثمن لقاء حبل النجاة الأمريكي: فقد أجبر كيسنجر إسرائيل على رفع الطوق عن الجيش المحاصر. فتطلعه لمنع النصر المطلق عن إسرائيل وفي الوقت نفسه الإثبات لمصر بأن الولايات المتحدة فقط قادرة على ممارسة ضغط فاعل على إسرائيل، كان أكثر قطعاً من إرادة إسرائيل لشطب صدمة 6 أكتوبر. لقد استخدم وزير الخارجية الأمريكي كل روافع الضغط التي كانت تحت تصرفه، بما في ذلك التهديد بإرسال قوات الأسطول السادس إلى المنطقة للتدخل ولرفع الطوق. استسلمت إسرائيل للضغط، واضطرت لفتح مسار انسحاب للجيش المحاصر. وهكذا تبلور نمط جديد في علاقات الولايات المتحدة مع حليفها الإسرائيلي.
عندما قالت إسرائيل “لا”
منذ قيام إسرائيل كدولة مستقلة، وعلى خلفية دائرة العداء والمقاطعة التي فرضت من جيرانها عقب هزيمتهم في حرب الاستقلال، سعت إسرائيل برئاسة دافيد بن غوريون إلى شبكة أمان متينة تمنح الدولة الشابة دعماً عسكرياً وسياسياً وقدرة على ردع أعدائها بقواها الذاتية.
لقد رأى بن غوريون في الولايات المتحدة شريكاً مثالثاً، لكنه كان مصمماً على ألا تلزم هذه الشراكة إسرائيل في التنازل عن سيادتها. وقوله الشهير “أعطونا الأدوات ونقوم بالمهمة” عبر عن هذا التصميم.
في 1955، عندما بادرت الولايات المتحدة وبريطانيا لـ “خطة ألفا” – بتر النقب من خلال ممر بري بين مصر والأردن – هدد مساعد وزير الخارجية الأمريكي هنري بايرد، رئيس الوزراء موشيه شاريت بإرسال قوات أمريكية لفرض الخطة. وكان جواب شاريت: في مثل هذه الحالة، سيصطدم الجنود الأمريكيون بجيش إسرائيلي مصمم على القتال. في 1967 رفضت إسرائيل طلب الرئيس الفرنسي شارل ديغول الامتناع عن هجوم مسبق.
خط مباشر يربط بين 6 أكتوبر 1973 و7 أكتوبر بعد 50 سنة بالضبط. فالمذبحة الوحشية التي قامت بها حماس والضربة العسكرية في ذاك اليوم تركتا إسرائيل مرضوضة ومذهولة ومتألمة. شروط البدء، التي تطلبت دعماً أمريكياً معززاً بالفعل وبالقول، أعطت الأمريكيين روافع ضغط ذات مغزى وأدت بموظفين رسميين من واشنطن للجلوس في جلسات الكابنت الإسرائيلي.
التعلق المتزايد
بايدن تغير ومثله النهج تجاه إسرائيل في البيت الأبيض، الذي بات أكثر راحة بكثير لحكومة إسرائيل. لكن مزيجاً من العزلة السياسية والتعلق المطلق بالدعم الأمريكي تحولا بالتدريج إلى رافعة شديدة القوة في يدي ترامب.
لقد كان الهجوم في الدوحة خط الفصل. فالخطوة الإسرائيلية مست بشكل مباشر بالمصلحة الأمريكية التي ترى في قطر شريكاً استراتيجياً واقتصادية وتجارياً في المنطقة كلها. إسرائيل لم تتشاور مسبقاً مع الإدارة، واكتفت بتبليغها في اللحظة الأخيرة. ولم يتأخر الرد الأمريكي، فقط صمم البيت الأبيض خريطة طريقه لإنهاء القتال وللتسوية في غزة دون أن تكون إسرائيل شريكاً بشكل كامل في المباحثات. واضطرت إسرائيل لقبول الإملاءات الأمريكية، بل واضطرت أيضاً لتلقي إهانة علنية: فقد فرض ترامب على نتنياهو اعتذاراً لرئيس وزراء قطر عبر الهاتف، في صيغة أُمليت عليه في البيت الأبيض.
هكذا فرض الرئيس على إسرائيل وقف النار رغم تحفظات نتنياهو على جواب حماس، وهكذا أيضاً أجبرها على وقف النار بعد أن ردت بالقصف على خروقات الاتفاق. وإذا لم يكن هذا بكافٍ، فقد رابط 200 من رجال الجيش الأمريكي في إسرائيل لمراقبة تنفيذ الاتفاق. إن تطلع ترامب للدفع قدماً بالمرحلة الثانية من خطته كان أقوى من تطلع نتنياهو لمحاسبة حماس.
وهكذا سحق مبدأ الاستناد الحصري إلى القوة الإسرائيلية لحالات الأزمة تماماً. وتبخر مبدأ السيادة غير القابل للتجزئة، وتبددت القدرة على اتخاذ مواقف في مواضيع أمن حرجة أيضاً. على هذه الخلفية، فإن منح إسرائيل جائزتها لترامب يرمز إلى تغيير عميق: فقد أضيف بُعد التسيُّد إلى الصداقة. ومثلما رفع كيسنجر مستوى علاقاته مع السادات بالضغط على إسرائيل، فترامب أيضاً ليس مستعدًا للمخاطرة بعلاقاته مع قطر. في الحالتين، يفرض الثمن على إسرائيل.
إذا ما بقيت معزولة، هل تجد إسرائيل نفسها ككيان حكم ذاتي برعاية سيد سخي – لكنه ذو مصالح مختلفة؟ ستخبرنا الأيام.
إسرائيل اليوم 21/10/2025




