منوعات

عماد أديب ودلالة خطاب الإساءة لمصر… عندما «قطعت المرحلة الخلف!»

عماد أديب ودلالة خطاب الإساءة لمصر… عندما «قطعت المرحلة الخلف!»

سليم عزوز

بدأ برنامج «بتوقيت مصر» في محاولة لسرقة مساحة لحركته، في ظل حالة الانغلاق المحكم على الحريات الإعلامية، وإن كان السقف مرتفعًا نسبيًا في برامج الـ «بودكاست»، والتي لو انتبه لها أهل الحكم لأغلقوها، لأن قانون تنظيم الإعلام الحالي نص على أنه يسري على التواصل الاجتماعي ما يسري على الوسيلة الإعلامية التقليدية.
هذا قانون مثل مغارة علي بابا، لا يبارح مكتبي، فكلما قرأته اكتشفت فيه جديدًا، ولعل كونه كذلك فلا ينتبه أهل الحكم للكثير من نصوصه، وهو قانون وضعه طبيب فاشل، يسرف في كتابة الأدوية ليحاصر المرض!
ما علينا، ففي ظل التجريم القانوني، انطلقت برامج «بودكاست» عدة بدون ترخيص، وأحيانًا تترك الأنظمة الزبون يخالف القانون، وعند الحاجة لذلك تفاجئه بعريضة الاتهامات، مستندة إلى القوانين.
ورأينا في خلية الماريوت، حيث القبض على عدد من العاملين في مكتب قناة «الجزيرة» الإنكليزية، الاتهام بأنهم يعملون بدون ترخيص، مع أن عملهم تم تحت بند السماح هذا، واستنادًا إلى كلمة شرف، وهو ما حدث في بداية انطلاق «الجزيرة»، فقد كان لها مكتب معروف العنوان، ومدير مكتب يعمل بهمة ونشاط، وإذ قامت كثير من العواصم بإغلاق مكاتبها وسحب بطاقة مزاولة المهنة من مراسليها، فقد انطلقت أصوات تطلب من القاهرة أن تحذو حذوها!
عندئذ خرج وزير الإعلام صفوت الشريف ليقول: لا يوجد مكتب لقناة «الجزيرة»، كما لا يوجد مراسل لها من القاهرة. وكتبت: وماذا يفعل حسين عبد الغني؟ ولماذا لا يصدر ترخيص له بالعمل؟
الوزير كان ذكيًا، إنه لن يصطدم بنواميس الكون، وهي غلابة، وفي الوقت نفسه فوجود مراسل أفضل من الفراغ، ثم إن عقدة الأمر بيده، إن شاء منح الترخيص، وإن شاء سحبه، وإن شاء ترك المراسل يعمل في المخالفة للقانون، وهو يدرك خطورة وضعه!

أزمة «بي بي سي»

وبعيدًا عن المحاولات، التي يقوم بها عدد من البودكاست لتوسيع الهامش، فإن برنامج «بتوقيت مصر» يعمل الشيء نفسه في الآونة الأخيرة، ليذكر بمرحلة أكرم شعبان، عندما كان يشغل موقع مدير مكتب «بي بي سي» في القاهرة، وحدثت كثير من المشكلات مع القناة والإدارة في مصر، وغادر أكرم وحلت محله المحمولة جوًا صفاء فيصل، وأرادت أن تتقرب إليهم بالنوافل من خلال أداء جعل من «بي بي سي» قناة «النيل للأخبار»، ووجدتها فرصة لتكون بنت المرحلة، بيد أن المرحلة كانت قد أقبلت على حبوب منع الحمل، «فقطعت الخلف»، ولا أمل حتى في مولود جديد نتاج حمل خارج الرحم!
ولم يتوقف هجوم الأبواق الإعلامية على «بي بي سي»، وغادرت صفاء فيصل إلى لندن، ولا نعرف من المدير الآن، لكننا نشاهد ما تيسر من حلقات برنامج «بتوقيت مصر»، وفي حلقة سابقة كانت مداخلة لضيف خرج عن المألوف بكلام ضد السياسة المصرية، فتحولت نسمة السعيد إلى ضيفة تقاطع، وتشوح بيديها، فالاستمرار في دور المذيعة قد يجعلها في مواجهة مع الأبواق الإعلامية، وينتهي الأمر بسحبها إلى مقر القناة في لندن، «التي يموت حيتانها من البرد»، كما قال الطيب صالح!
يقولون، والحجة على الراوي، إن والدها ضابط متقاعد في الجيش، لكن المعلوم أن ريم ماجد والدها أيضًا كان ضابطًا كبيرًا في القضاء العسكري، يعرفه المحامون عن المتهمين المدنيين، الذين أُحيلوا للمحاكمة العسكرية. ومع ذلك رفضوا عودتها حتى لتقديم برنامج خاص بالمرأة.

تساؤل عماد أديب

الكلام الذي قاله عماد أديب، وشغل به منصات التواصل الاجتماعي، كان في مقابلة مع نسمة، وهو كلام قاسٍ، دفع الأبواق الإعلامية للسلطة للهجوم عليه تلميحًا، وكذلك يفعلون مع شقيقه عمرو في بعض الكلام الذي يرون أنه يمثل إساءة لمصر، ولك أن تتخيل لو أن القائل محمد ناصر على قناة «مكملين»، إذن لكانت هي الحرب، والاتهام بخيانة الوطن، الذي تم تصويره ضعيفًا، مفلسًا، لا يقوى على شيء!
في الحرب الأخيرة، فإن الخطاب المصري انتقل من مستوى إلى آخر، ومن القول إن دول الخليج لم تطلب شيئًا من مصر، إلى تسريب أن ما طلب منها أوفت به، وجاء عماد أديب مع نسمة ليعيدنا إلى ما قبل المربع الأول!
وقد قال ما استفز الناس، فالدولة التي تطفئ النور في الساعة التاسعة مساءً، تريد دول الخليج منها الوقوف معها عسكريًا، وهي دولة تحاول توفير احتياجاتها من الكهرباء والطاقة، وعليها 165 مليار دولار ديون، و13.4 تريليون ديون.
هل هذه الدولة تستطيع تحمل نفقات قوات وطائرات ومؤن وإمداد وتموين.. كيف؟ هكذا تساءل!
وهو خطاب وإن أهدر قيمة الدولة المصرية بالكامل، فإنه ليس معلومًا أن الخليج يحتاج لكل هذه القوات وما يستدعي من مؤن وإمدادات، لأن العدوان الذي تعرضت له ليس عدوان جيوش، يستدعي حشد الجيش المصري، حيث العين بصيرة واليد قصيرة!
هي حرب تكنولوجيا، ظهر أن دول الخليج استعدت لها، فإن لم تكن قدرات المواجهة كبيرة ووقعت خسائر بسبب كثافة العدوان، فلم يكن سيتم تدارك الأخطاء إذا تم الدفع بالجيش المصري إلى هناك!
ثم، والحال لا يخفى على أحد، فقد كان يمكن إرسال القوات المطلوبة، وتتحمل دول الخليج نفقات النقل التي تحدث عنها عماد أديب!
اللافت هنا، مع هذا الكلام المهين، فإن من تكلم من الأبواق الإعلامية لم يفصح عن الاسم، لأن العين لا تعلو على الحاجب، فهل كان عماد أديب يرسل رسالة عبر «بي بي سي» للخليج طُلبت منه في القاهرة عن الحالة الاقتصادية الصعبة في أم الدنيا؟ وللخليج فيه أكثر مما لمصر فيه، أي أن كلامه مسموع.
والمقصود بالخليج هنا هو المملكة العربية السعودية، التي عمل عماد أديب في إعلامها ومشاريعها الإعلامية مبكرًا ومنذ تخرجه في كلية الإعلام، وقد كان في شبابه يبشر بمستقبل واعد، ليكون الامتداد لمصطفى أمين، وهو الطالب النبيه، الذي أجرى مع زميله في الكلية عمرو عبد السميع حوارًا لمجلة الكلية مع الرئيس السادات، لكنه راق له أن يكون رجل أعمال، فلم يصبح مصطفى أمين، ولم ينجح في أن يكون ساويرس مثلاً، فكل مشروعاته فشلت!
وقد بدأ حياته العملية منطلقًا من أزمة الذين يهاجمون مصر في الخارج، وهو الاصطلاح الذي نحته السادات على كل من ينتقده أو ينتقد سياساته في صحافة الخارج، ثم هداه شيطانه إلى تخيير الصحافيين الكبار بين العمل في الصحافة المصرية والكتابة للصحف التي تصدر في عواصم أخرى، وكان إبراهيم سعدة مدير مكتب جريدة «الشرق الأوسط» السعودية، ومدير تحرير «الأخبار».
وقد قيل إن سعدة فضل الاستمرار في المؤسسة المصرية، ولم يكن هذا دقيقًا، لكن هذا ما وصل للسادات فرقاه رئيسًا لتحرير جريدة «أخبار اليوم» مكافأة له، وكان عماد في بداية تخرجه يعمل في مكتب «الشرق الأوسط»، فقرر ألا يترك فراغًا وتطوع من تلقاء نفسه بإدارته، إلى حين يعينوا مديرًا جديدًا، فأعجبتهم المبادرة وتمسكوا به، وفتحت أمامه الدنيا يركض فيها ركض الوحوش في البرية، وحقق نجاحات مهنية مهمة إلى أن قرر أن يكون رجل أعمال!
لكن يبدو أن شقيقه عمرو صار هو الأقرب للجيل الجديد في السعودية، فقرأنا أن عماد يعيش في الإمارات، وهو ما جعل البعض يرى في خطابه الذي ألقاه عبر «بي بي سي» امتدادًا مثلاً لخطاب المستشار الإماراتي عبد الخالق عبد الله، عن مصر بأنها دولة هشة.
وظني أن الأمر ليس كذلك، فالرجل لا يقصد الإساءة لوطنه الأم، وإنما يخاطب دول الخليج بأنه إذا أردتم مصر فهذا حالها فتصرفوا.
وإلا تعرض عماد أديب للهجوم الشديد، ولشاهدنا نسمة السعيد محمولة جوًا لمدينة الضباب، ولأعلنت الهيئة العامة للاستعلامات الحرب على مكتب القاهرة.
من يرأس مكتب «بي بي سي» في القاهرة الآن؟!

٭ صحافي من مصر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب