عندما تنقلب الثورة إلى انقلاب

عندما تنقلب الثورة إلى انقلاب
عبدالناصر عليوي العبيدي
وعند إسقاط هذا المشهد على الواقع السوري، تتجلّى المأساة بوضوحٍ أشدّ إيلاماً.
فقد خرج السوريون على نظامٍ مجرمٍ فاسدٍ، صادر الدولة وحوّلها إلى مزرعة،
وأدار البلاد بمنطق العصابة لا بمنطق القانون. كان الهدف واضحاً: إسقاط
الاستبداد وبناء دولة الحق. غير أنّ المأساة لم تقف عند حدّ النظام المخلوع؛ إذ
تسلّق على الثورة من تسلّق، وتكاثر حولها من امتهنوا المراوغة والتكويع،
فبدّلوا البوصلة، وضيّقوا الأفق، وحوّلوا بعض ساحاتها إلى مسارح نفوذ.
هؤلاء لم يأتوا لإزالة الفساد، بل لإعادة تدويره. لم يحملوا مشروع دولة، بل
مشروع حصة. وحين أُتيح لهم موقعٌ أو نفوذ، أعادوا إنتاج الأساليب ذاتها التي
ثار الناس عليها: إقصاء، محسوبية، تبرير للانتهاكات، وتسويغ للفشل بلغة
المظلومية. وهكذا، بدا وكأن الثورة في بعض تجلياتها تُختطف مرتين: مرةً بقمع
النظام، ومرةً بابتذال من ادّعوا تمثيلها.
إن الثورة التي لا تُنقّي ذاتها، ولا تُقيم ميزان القيم قبل ميزان القوى، مهددةٌ بأن
تنقلب انقلاباً ناعماً، يبدّل الوجوه ويُبقي الجوهر. والنجاة من هذا المصير لا تكون
بالشعارات، بل ببناء مؤسسات، وتكريس الشفافية، وتقديم العدالة على الغنيمة،
والحق على الصفقة. فالثورة إمّا أن تكون إصلاحاً شاملاً يقتلع الفساد، أو تتحوّل
إن خانتها النخب إلى فصلٍ جديدٍ من كتاب الاستبداد.
وما بين هذين الحدّين، يقف الشعب في سوريا شاهداً على حقيقةٍ لا تقبل التزييف:
أن الثورة ليست ضدّ شخصٍ أو نظامٍ فحسب، بل ضدّ ثقافةٍ كاملة.
وأن إسقاط الطغيان لا يكتمل إلا بإسقاط منطقه.
—–
عبدالناصر عليوي العبيدي



