غزة تزيح الركام… ولكن أي إعمار نريد؟.

غزة تزيح الركام… ولكن أي إعمار نريد؟.
الأستاذ: علي او عمو.
كاتب من المغرب.
قرأت باهتمام مقالًا بعنوان: «غزة تزيح الركام.. خطوة أولى نحو
الإعمار!»، وهو عنوان يحمل في ظاهره قدرًا من التفاؤل
والأمل، خصوصًا لشعب أنهكته الحرب، ودمرت بيوته
ومؤسساته ومستشفياته ومدارسه، وحُرم من أبسط مقومات
الحياة.
لكن، أمام حجم المأساة الفلسطينية وتعقيد المشهد السياسي الذي
يحيط بغزة، يحق لنا أن نتساءل: عن أي إعمار نتحدث؟ وهل
إزالة الركام تعني فعلًا أن الطريق أصبح مفتوحًا أمام إعادة
إعمار غزة؟.
إن الإعمار ليس مجرد جرافات ترفع الأنقاض، ولا أموال تُرصد
لإعادة بناء البيوت والمنشآت. الإعمار الحقيقي يعني أن يكون
الفلسطيني قادرًا على البقاء فوق أرضه، وأن يعود النازح إلى
بيته، وأن تُفتح المعابر أمام الغذاء والدواء ومواد البناء، وأن
يمتلك سكان غزة القدرة على إعادة بناء حياتهم دون أيتحول
الإعمار نفسه إلى أداة لإعادة تشكيل واقعهم السياسي
والديموغرافي.
والأرقام وحدها تكفي لإدراك حجم الكارثة. فالتقييم النهائي
للأضرار والاحتياجات الذي أعدته الأمم المتحدة والاتحاد
الأوروبي والبنك الدولي في أبريل 2026 قدّر احتياجات التعافي
وإعادة الإعمار في غزة بنحو 71.4 مليار دولار خلال عشر
سنوات، فيما تضررت أو دُمرت أكثر من 371 ألف وحدة سكنية،
وأصبح أكثر من 60% من السكان بلا منازل. كما قُدّر عدد
النازحين بنحو 1.9 مليون شخص، كثير منهم نزحوا أكثر من
مرة.
فهل يكفي، بعد كل ذلك، أن نقول إن غزة «تزيح الركام» وإنها
بدأت طريق الإعمار؟.
الركام ليس المشكلة الوحيدة.
المشكلة أن من يعيش فوق هذا الركام ما زال يواجه واقعًا يجعل
إعادة بناء ما دُمّر مهمة بالغة الصعوبة. ففي يوليو 2026، قالت
الأمم المتحدة إن العمليات العسكرية والقيود على الحركة
والوصول ما زالت تدفع إلى مزيد من النزوح، وتعرقل وصول
السكان إلى الغذاء والماء والمأوى والرعاية الصحية والخدمات
الأساسية.
وفي تقرير للأمم المتحدة في يونيو، وصفت المنظمة سكان غزة
بأنهم محصورون إلى حد كبير في مساحة آخذة في الانكماش،
بينما ظل معبر كرم أبو سالم المعبر الوحيد العامل للبضائع بعد
إغلاق معبر زيكيم، ووصلت المناطق الخاضعة لقيود الوصول
إلى نحو 64.9% من مساحة القطاع في 23 يونيو، مع تقارير
عن اتجاه لتوسيعها أكثر.
هنا تحديدًا يصبح الحديث عن الإعمار بحاجة إلى قدر أكبر من
الحذر.
كيف يمكن أن نبني بيتًا بينما لا نضمن لصاحبه البقاء فيه؟.
وكيف يمكن أن نتحدث عن إعادة إعمار غزة بينما لم تُحسم بعد
مسألة حرية الحركة ودخول مواد البناء والمساعدات، ومستقبل
المناطق التي جرى إخلاؤها، ومستقبل النازحين، والأهم: مستقبل
القطاع نفسه؟.
إن إعمار غزة ينبغي ألا يتحول إلى مشروع عمراني منفصل عن
القضية الفلسطينية. فغزة ليست مجرد منطقة منكوبة تحتاج إلى
الإسمنت والحديد والمال. إنها جزء من شعب تحت الاحتلال،
وجزء من قضية سياسية لم تُحل، وجزء من أرض يطالب
الفلسطينيون بأن تكون أساسًا لدولتهم المستقلة.
وهنا تكمن خطورة اختزال المسألة في صورة جرافة ترفع
الركام.
المشكلة أعمق من الركام
هناك من يتعامل مع غزة باعتبارها ملفًا إنسانيًا يمكن فصله عن
الملف السياسي. وهذا الفصل قد يبدو عمليًا في ظاهره، لكنه
يحمل مخاطر كبيرة.
فإذا أصبح المطلوب هو «إعادة إعمار غزة» فقط، من دون
معالجة أسباب تدميرها، ومن دون ضمان حق سكانها في تقرير
مستقبلهم، فقد نجد أنفسنا أمام إعادة بناء للمباني مع إبقاء
الظروف التي جعلت تدميرها ممكنًا.
أي إعمار هذا الذي يعيد بناء الجدران ولا يعيد بناء الأمان؟
أي إعمار يعيد تشييد المدرسة ولا يضمن للطفل الفلسطيني حقه
في مستقبل آمن؟
وأي إعمار يعيد بناء المستشفى ولا يضمن حرية إدخال الدواء
والمعدات والوقود؟
الإعمار الحقيقي يبدأ من إعادة الإنسان إلى مركز القضية، وليس
تحويل القضية إلى مشروع هندسي.
وماذا عن التهجير؟
لا يمكن تجاهل هاجس التهجير في أي حديث جدي عن مستقبل
غزة.
فالفلسطينيون يحملون في ذاكرتهم تجربة النكبة وما رافقها من
اقتلاع وتهجير، ولذلك فإن أي حديث عن نقل السكان أو دفعهم
إلى مغادرة أرضهم، ولو تحت عناوين إنسانية أو أمنية أو
اقتصادية، يثير مخاوف مشروعة بشأن مستقبل وجودهم على
أرضهم.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق سؤال الإعمار هو:
هل سيكون الإعمار من أجل إعادة الفلسطينيين إلى غزة، أم
إعادة تشكيل غزة بما يجعل بقاء الفلسطينيين فيها أمرًا أكثر
صعوبة؟
هذا السؤال ليس ترفًا سياسيًا.
فالتهجير لا يحدث دائمًا بقرار معلن يقول للناس: اتركوا أرضكم.
قد تتراكم الظروف التي تجعل الحياة مستحيلة: تدمير المنازل،
تقييد الحركة، نقص الغذاء والماء، غياب الخدمات، تدمير البنية
الاقتصادية، ثم يُقال للناس في النهاية إن مغادرة القطاع أصبحت
«خيارًا» أمامهم.
وهنا يصبح التمسك ببقاء الفلسطيني في أرضه جزءًا أساسيًا من
مفهوم الإعمار نفسه.
والمشهد لا يتوقف عند غزة.
الأخطر أن ما يجري في غزة لا يمكن فصله تمامًا عن التطورات
في الضفة الغربية والقدس الشرقية.
فوفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، أدت
عمليات الهدم والاستيطان وعنف المستوطنين وقيود الوصول
إلى نزوح أكثر من 4,300 فلسطيني في الضفة الغربية خلال
عام 2026 حتى سبتمبر، وكانت هجمات المستوطنين والقيود
المرتبطة بها العامل الأكبر في هذا النزوح.
كما وثقت الأمم المتحدة منذ بداية عام 2023 نزوح آلاف
الفلسطينيين في سياق هجمات المستوطنين والقيود المفروضة
على الوصول إلى الأراضي، مع استمرار توسع المستوطنات
والبؤر الاستيطانية.
لذلك فإن القضية ليست مجرد «إعادة إعمار غزة».
إنها قضية من سيبقى على الأرض، ومن سيملك الأرض، ومن
سيقرر مستقبلها؟
وهذه أسئلة تتجاوز بكثير إزالة الركام.
أين الموقف العربي؟.
وهنا نصل إلى السؤال الأكثر إيلامًا.
ماذا فعل العالم العربي طوال السنوات الماضية تجاه هذه القضية؟
لقد تحولت القضية الفلسطينية، في مراحل كثيرة، من قضية
مركزية إلى ملف سياسي يُستحضر في الخطب والبيانات، بينما
اتجهت بعض الدول العربية إلى تطوير علاقاتها مع إسرائيل،
وأصبح التطبيع عنوانًا قائمًا في المنطقة، في الوقت الذي كان
فيه الفلسطينيون يواجهون الوقائع الجديدة على الأرض.
لا يعني ذلك أن العلاقات العربية الإسرائيلية وحدها هي التي
صنعت المأساة الفلسطينية، فالقضية أعقد من ذلك بكثير. لكن من
الصعب تجاهل أن تراجع الضغط السياسي العربي، وتباين
المواقف العربية، منحا إسرائيل هامشًا أوسع للتحرك وفق
رؤيتها الأمنية والسياسية.
والأخطر من ذلك أن غياب موقف عربي جماعي واضح بشأن
مستقبل غزة يجعل الفلسطينيين أمام معادلة صعبة: إسرائيل تحدد
شروط الأمن، والقوى الدولية تحدد شكل الترتيبات، والدول
المانحة تحدد مسارات التمويل، بينما يبقى السؤال: أين
الفلسطينيون من كل ذلك؟
لا ينبغي أن يكون الفلسطيني مجرد مستفيد من مشروع إعمار
يموله الآخرون.
ينبغي أن يكون صاحب الأرض وصاحب القرار في مستقبل
أرضه.
الإعمار نعم… ولكن ليس بأي ثمن.
لا أحد يمكن أن يعارض إعمار غزة.
بل إن إعمارها ضرورة إنسانية وأخلاقية وسياسية.
لكن الإعمار الذي نريده يجب أن يكون إعمارًا يعيد الحياة إلى
غزة، لا إعمارًا يعيد ترتيب غزة بما يتلاءم مع مصالح القوى
المتصارعة عليها.
نريد إعمار المنازل، نعم.
لكن نريد أيضًا إعادة بناء المدارس والمستشفيات والجامعات
والاقتصاد.
نريد إعادة بناء البنية التحتية، ولكن نريد كذلك إعادة بناء قدرة
الإنسان الفلسطيني على العيش بحرية وكرامة.
نريد إدخال مواد البناء والمساعدات، لكننا نريد قبل ذلك ضمان
عدم تحويل المعابر إلى أدوات لخنق السكان أو التحكم في
مستقبلهم.
نريد أن تعود غزة إلى الحياة، لا أن تتحول إلى مساحة تجريب
لمشاريع سياسية جديدة.
لا تجعلوا إزالة الركام نهاية القصة
لهذا، فإن صورة غزة وهي تزيل الركام يمكن أن تكون فعلًا
صورة أمل، لكن بشرط ألا نكتفي بالصورة.
فالركام الذي ينبغي إزالته ليس فقط ركام البيوت.
هناك ركام سياسي عمره عقود.
وهناك ركام من القرارات الدولية التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ.
وهناك ركام من الوعود العربية التي لم تتحول إلى سياسات.
وهناك ركام من الصمت الدولي أمام معاناة الفلسطينيين.
وهناك، قبل كل شيء، واقع سياسي يجعل الفلسطيني حتى بعد
إعادة بناء منزله غير متأكد من أنه سيتمكن من الاحتفاظ به.
لذلك فإن الإعمار الحقيقي لغزة يبدأ عندما يصبح بقاء الفلسطيني
على أرضه أمرًا غير قابل للمساومة.
وعندما يصبح فتح المعابر وإدخال المساعدات ومواد البناء حقًا
لا منّة.
وعندما يصبح إعادة بناء غزة جزءًا من حل سياسي يضمن
للفلسطينيين حقهم في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم، وليس
مجرد مشروع لإدارة آثار الحرب.
أما أن نرفع الأنقاض بينما تظل الأسباب التي أنتجت هذا الركام
قائمة، ثم نسمي ذلك «خطوة أولى نحو الإعمار»، فذلك قد يكون
تفاؤلًا مشروعًا من الناحية الإنسانية، لكنه لا يكفي لقراءة
المشهد الفلسطيني بكل تعقيداته.
غزة لا تحتاج فقط إلى من يرفع الركام عنها؛ إنها تحتاج إلى من
يرفع عنها الحصار والوصاية والخوف من المستقبل، ويضمن
لأهلها حقهم في البقاء فوق أرضهم وبناء مستقبلهم عليها.
فالإعمار الحقيقي ليس أن تعود الحجارة إلى أماكنها فحسب،
وإنما أن يعود الإنسان الفلسطيني إلى حياته، وأرضه، وحقه في
تقرير مصيره.



