فايننشال تايمز: مبررات وأهداف ترامب للحرب على إيران تتغير بسرعة البرق وتعتمد على الوسيلة الإعلامية التي يتحدث معها

فايننشال تايمز: مبررات وأهداف ترامب للحرب على إيران تتغير بسرعة البرق وتعتمد على الوسيلة الإعلامية التي يتحدث معها
نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تقريرا أعدته إبيغيل هاوسلونر وجيمس بوليتي وستيف تشافيز، قالوا فيه إن الرئيس الأمريكي يكافح من أجل شرح السبب الذي دفعه لشن حرب جديدة في الشرق الأوسط. وقالوا إن الرئيس ترامب تحدث عن أشياء كثيرة لشرح حملته العسكرية ضد إيران، منها تغيير النظام ووقف برنامج الصواريخ الباليستية والانتقام لمقتل الجنود الأمريكيين.
وفي يوم الاثنين، قال وزير الخارجية ماركو روبيو إن الولايات المتحدة كانت تعرف أن إسرائيل ستضرب إيران والتي ستقوم بدروها بالانتقام من الولايات المتحدة. وأضاف: “كنا نعلم أننا لو لم نقم بعملية وقائية وملاحقتهم وشن الهجوم، فسنواجه ضحايا كثرا”، وكرر رئيس مجلس النواب، مايك جونسون نفس الكلام لاحقا.
وكان هذا الكلام من روبيو، آخر شرح للحرب التي مضى عليها 3 أيام وتغمر المنطقة كلها. وأثرت الحرب على أسواق النفط، وقتل فيها مئات الإيرانيين، وأوقفت حركة الملاحة في ممرات استراتيجية، إلى جانب مقتل ستة جنود أمريكيين، وهناك توقعات بمقتل المزيد كما يقول ترامب.
ومع استمرار الحرب، يتغير شرح ترامب للدوافع والجدول الزمني لها وبسرعة قياسية.
ومع إعلانه اغتيال المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي يوم الأحد، قال ترامب بأن القصف “الكثيف والدقيق” سيستمر “دون انقطاع طوال الأسبوع”، لكنه غيّر النبرة بحلول يوم الاثنين، قائلا إن الحرب التي لم يطلب لها تفويضا من الكونغرس، قد تستمر لفترة أطول بكثير و”مهما تطلب الأمر”.
وأضاف في تصريح لشبكة “سي إن إن”: “منذ البداية، توقعنا أن تستمر الحرب من أربعة إلى خمسة أسابيع، لكن لدينا القدرة على الاستمرار لفترة أطول بكثير. لم نبدأ حتى الآن بضربهم بقوة”.
وفي الجناح الشرقي للبيت الأبيض، قال ترامب، يوم الاثنين إن الأهداف تشمل أيضا منع إيران من دعم “الجماعات الإرهابية بالوكالة في الخارج”. وكان يتحدث بعد إسقاط ثلاث طائرات مقاتلة أمريكية بنيران صديقة فوق الكويت، في حين استهدفت هجمات إيرانية انتقامية مدنا مثل دبي، وبنية تحتية للطاقة في دول الخليج، مما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط. ومنذ أن شن ترامب حربه من مار- إي- لاغو يوم السبت، تذبذبت أهدافه المعلنة بين الإطاحة بنظام “متعطش للدماء” وفرض مفاوضات جديدة مع الحكومة نفسها.
ووصف ترامب في مقطع فيديو مدته ست دقائق من مقر إقامته في فلوريدا، الصراع بأنه معركة ثقافية ملحمية، متهما إيران بأنها “شنت حربا على الحضارة نفسها”.
وهذا هو الهجوم الثاني الذي يشنه ترامب وإسرائيل على إيران في غضون ثمانية أشهر. انضمت الولايات المتحدة لفترة وجيزة إلى حرب إسرائيل التي استمرت 12 يوما الصيف الماضي، عندما ادعى الرئيس الأمريكي أن جيشه “دمّر” المواقع النووية الإيرانية.
إلا أن الأسباب المتضاربة لشن الهجوم الآن أربكت النقاد والحلفاء على حد سواء.
ونقلت الصحيفة عن النائب الديمقراطي جيك أوشينكلوس قوله إن الرئيس قدم “أربعة مبررات مختلفة للحرب خلال الـ72 ساعة الماضية”. وأضاف أنه بفضل الوضوح الاستراتيجي، تستطيع القوات الأمريكية “تنفيذ مهمتها بلا رحمة”، لكنه استدرك قائلًا: “من يستطيع أن يأخذ مثل هذا القائد الأعلى على محمل الجد؟”.
وكانت التناقضات واضحة منذ يوم السبت عندما أعلن وهو يرتدي قبعة بيسبول كتب عليها “يو أس إي” في الساعة 2:30 صباحا أن عملية تغيير النظام قد بدأت وحث الإيرانيين على “تولي زمام الحكم” و”التحكم بمصيرهم”.
وبعد يوم، قال المقربون من ترامب بأن الإدارة الأمريكية لا تهتم ببناء الدولة. وفي تصريحات أطلقها السناتور الجمهوري ليندزي غراهام على شبكة “أن بي سي”: “ليس من شأننا اختيار الحكومة الإيرانية المقبلة، وليس من شأني ولا من شأن الرئيس ترامب”.وبدا أن ترامب يوافق على ذلك. ففي رسالته يوم الأحد، قال إنه “أوفى” بوعده بمساعدة الشعب الإيراني بعد حملة القمع الدموية التي شنها النظام الشهر الماضي. وأضاف أن ما سيحدث لاحقًا “يعود إليهم”.
لكنه عاد يوم الأحد وقال لصحيفة “نيويورك تايمز” بأنه اختار “ثلاثة خيارات جيدة جدا” من بين المسؤولين الإيرانيين لتولي زمام الأمور في البلاد. وبعد يوم، قال لشبكة “إي بي سي” بأن الضربات الأمريكية والإسرائيلية كانت “ناجحة للغاية” لدرجة أن المرشحين “جميعهم لقوا حتفهم”. وقال لشبكة “سي إن إن”: “لا نعرف من يقود البلاد الآن. هم أنفسهم لا يعرفون من يقودها”.
وقد أثار التناقض الحاد في تصريحات الرئيس، الذي تعهد بإنهاء “حروب الولايات المتحدة الأبدية”، قلقا في واشنطن. وقال السناتور الديمقراطي تيم كين: “يبدو الأمر وكأننا سنحطم كل الخزف الصيني، وأنتم من يقرر كيفية إعادة تجميعه، يبدو أن هذه هي الاستراتيجية”.
كما يشعر بعض مؤيدي ترامب من أنصار “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” بالقلق. وقال إريك برينس، مؤسس شركة بلاك ووتر الأمنية الخاصة خلال حرب العراق، في بودكاست ستيف بانون، مساعد ترامب السابق: “هذه الحرب ستفتح بابا واسعا للفوضى والدمار في إيران. من سيتولى زمام الأمور الآن؟ لا أرى كيف يتوافق هذا مع التزام الرئيس بشعار: لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”.
كما أعرب مات والش، أحد المؤثرين المؤيدين لترامب، عن استيائه على موقع إكس قائلا: “حتى الآن، سمعنا أنه على الرغم من أننا قضينا على النظام الإيراني برمته، إلا أن هذه لم تكن حربا لتغيير نظام. وعلى الرغم من أننا دمرنا برنامجهم النووي، إلا أننا اضطررنا إلى فعل ذلك بسبب برنامجهم النووي. وعلى الرغم من أن إيران لم تكن تخطط لأي هجمات على الولايات المتحدة، إلا أنها ربما كانت تخطط لذلك.” وكتب أن الشعب الإيراني أصبح الآن حرا، لكن الولايات المتحدة “لا تملك أدنى فكرة” عمن سيحكم البلاد، مضيفًا أن الرسالة “مربكة، على أقل تقدير”.
كما أثارت تعليقات روبيو، التي تشير إلى أن الولايات المتحدة قد انجرت إلى الصراع بسبب خطط إسرائيل الهجومية، استنكارا من الديمقراطيين. وقال السناتور الديمقراطي برايان شاتز: “إن تخطيط دولة ما لمهاجمة دولة أخرى” – لا علاقة للولايات المتحدة بها – “لا يشكل تهديدا وشيكا، إننا نقترب من مستويات الخداع التي شهدناها في حرب العراق من قبل نظام ترامب. إنه أمر سخيف تماما”.
وتقول الصحيفة إن هذه المبررات المتغيرة تذكر بالهجوم الأمريكي على فنزويلا، حيث أمر ترامب قوات خاصة بالقبض على الرئيس نيكولاس مادورو في كانون الثاني/يناير. فبعد القبض على مادورو، تعهد ترامب بـ”إدارة” البلاد، ودرس إمكانية إرسال قوات برية لضمان “السلام والحرية والعدالة”. وفي غضون 24 ساعة، نصبت إدارته نائبة الرئيس، ديلسي رودريغيز، زعيمة جديدة للبلاد، مبقيةً النظام على حاله.
وكان على روبيو تفسير هذا التحول المفاجئ في السياسة. وأشار إلى أن واشنطن كانت تسعى لفرض سياستها في كاراكاس، لا لاحتلالها. وتم استبدال فكرة اختيار الفنزويليين لقادتهم بهدف أكثر إلحاحا، ألا وهو سيطرة الولايات المتحدة على النفط الفنزويلي.
وقبل الهجوم الأمريكي الإسرائيلي، الذي أمر به ترامب من طائرة الرئاسة الأمريكية المتجهة إلى تكساس يوم الجمعة، استشهد بعملية فنزويلا كنموذج. وحذر المحللون من أن النظام الإيراني، صاحب التوجهات الأيديولوجية والوحشية، يختلف عن حكومة كاراكاس. وقالت كيلي غريكو، من مركز ستيمسون، وهو مركز أبحاث للشؤون الخارجية: “هناك شيء محير في نظرية النجاح هذه، وفي كيفية سير الأمور. هؤلاء الذين رشحهم ترامب لإدارة البلاد، هل كانوا يعلمون أنهم مرشحون؟”. وأضافت غريكو أن الخطة بدت وكأنها “مجرد أمنيات” دون فهم لكيفية عمل النظام الإيراني و”لا يوجد دليل تاريخي يذكر على إمكانية استخدام القوة الجوية لإعادة تشكيل السياسة الداخلية”. وأدى الارتباك الذي أعقب ثلاثة أيام فقط من الحرب إلى إتاحة المجال أمام آخرين لطرح خططهم الخاصة.
فقد أعلن رضا بهلوي، نجل شاه إيران المنفي، بعد ساعات من الضربات الأولى، أنه “يقود هذه المرحلة الانتقالية” بدعم من “الملايين”، كما أعلنت جماعة معارضة منافسة في المنفى، هي المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، المعروف أيضا باسم مجاهدي خلق، عن تشكيل حكومتها المؤقتة.
– “القدس العربي”:




