مقالات

“فزّاعة الصواريخ: كيف تصنع إسرائيل روايتها الأمنية في الضفةبقلم مروان سلطان. فلسطين 🇵🇸

بقلم مروان سلطان. فلسطين 🇵🇸

“فزّاعة الصواريخ: كيف تصنع إسرائيل روايتها الأمنية في الضفة لإبقاء الإسرائيليين في حالة ذعر دائم، واظهار الفلسطينيين بانهم تهديد لوجود اسرائيل .

 

بقلم مروان سلطان. فلسطين 🇵🇸

2.10.2025

———————————————

عسكرة الضفة الغربية، والعمليات التي ينفذها الجيش الاسرائيلي ، والإعلان عن اكتشاف صناعات عسكرية فلسطبنية، وكل ما يرافق ذلك من ترويج إعلامي، تبدو محاولة متعمدة لتصوير الضفة كخطر يزعزع التوازن الأمني لإسرائيل. هذا الأسلوب هو رفع وتيرة التهويل الذي يوحي به الإعلام الإسرائيلي حول “اكتشاف المفرقعات” أو “الصناعات الصاروخية” فانه يثير في كثير من الأحيان الدهشة والضحك؛  فالأمر قد لا يتجاوز في كثير من الحالات أدوات بدائية أقرب إلى الألعاب النارية المستوردة من الصين. وإسرائيل لا تخشى الألعاب النارية أو ماسورات الحديد، بل تخشى الاعتراف بفلسطين كواقع سياسي وحقوقي، ولذلك تصنع من التهويل الأمني أداة لبقاء السيطرة على الضفة الغربية.

سياسة التهويل الأمني تقوم على تضخيم الخطر لتبرير القمع: تُصوَّر المشكلة كتهديد وجودي، فيُسوَّق اتباع إجراءات أمنية مشددة، بحجّة حماية المواطنين الاسرائيلين. الهدف المعلن من هذه الحالة هو إظهار الضفة الغربية كمنصة تهديد لإسرائيل، والهدف الفعلي هو خلق فزاعة أمام الرأي العام الإسرائيلي تتناسب مع الحاجة السياسية لتبرير مزيد من السيطرة والإجراءات الأمنية.

بدأ هذا الخطاب يتصاعد بعد قضية الاعتراف بالدولة الفلسطينية، حيث أصبح يحكى أن أي كيان فلسطيني قد يُقام سيشكّل تهديدا وجوديا لإسرائيل. بالتالي تُستخدم هذه الرواية لشرعنة حواجز إضافية، وعمليات اعتقال، ومصادرات أراضٍ، وقيود على الحركة، فضلا عن حملات عسكرية تستهدف مناطق بعينها في الضفة، بما يجعل الحياة اليومية بأكملها ملفا أمنيا بيد الجيش. وامام الراي العام الدولي ، ان الفلسطينين لا يستحقون دولة.

منذ الحديث عن إطلاق صاروخ في شمال الضفة، وعن حادث في كفر نعمة، تصاعدت الحملات الإعلامية والعسكرية على نحو يوحي بوجود تهديد فعلي. لكن كثيراً مما يُعرض على أنه “صواريخ” لا يتجاوز ماسورات حديدية أو أدوات بسيطة تنطلق بالهواء وتسبب صوتاً أو شرارة، وهو ما يقرّبه أكثر إلى الألعاب النارية منه إلى منظومات صاروخية حقيقة. الإعلان عن “اكتشاف مكان لتصنيع هذه الماسورات” ترافقه في العادة حملات عسكرية مكثفة لتحويل الحدث إلى حدث استثنائي يستدعي ردّ فعل واسع.

التصنيع العسكري الفعلي يتطلب إمكانات ومعلومات وخبرات تقنية متقدمة غير متاحة في الضفة الغربية بشكل عملي وتقني. وحتى إن وُجد تصنيع بدائي، هي نماذج عن العاب نارية متوفرة بالسوق المحلي وهذا لا يشكل تهديدا استراتيجيا ولا عاديا  باي حال من الاحوال؛ بل قد يشكل خطراً محدوداً على المصنع نفسه أو على محيطه المباشر التي قد تنفجر اثناء عملية التصنيع. أمثلة على ذلك: أسلحة محلية الصنع مثل “كارلو” تتعطل بسرعة بعد إطلاق عدد قليل من الطلقات، لغياب التعقيد التقني في تصنيعها. لذلك يظلّ الحديث عن قدرات تهديد استراتيجي أمراً مبالغا فيه في كثير من الحالات.

مصادر السلاح داخل الضفة معروفة مصدرها السوق الاسرائيلي: جزء منها يعود إلى عمليات تهريب قديمة أو إلى سلع دخلت عبر تسهيلات سابقة، وجزء آخر هو انتشار داخلي لدى عصابات وعشائر تُستخدم أحياناً لخلق حالة أمنية وفوضى داخل المجتمع الفلسطيني نفسه. لا توجد (بالمستوى الذي يُسوق له الإعلام الإسرائيلي) منظومات معقدة تهدد التوازن الإقليمي. إسرائيل تتحكم بالحدود والمعابر وتفرض رقابة صارمة، ولا يمكن تهريبها عبر الحدود وبالتالي فإن الرواية الأمنية تُوظَّف سياسياً لتبرير مزيد من الإجراءات، وخلق الفزاعات.

باختصار، ما يجري الكثير منه ليس تهديداً عسكرياً حقيقياً بقدر ما هو أداة لفرض سياسات أمنية تقيّد الحياة اليومية وتُحوّل كل فعل مدني إلى ذريعة للتدخّل. هذه الرواية المصطنعة تكبّر الأمور لتغذي خوف الإسرائيليين، وتحافظ على دعمهم لحكومات تقدم الأمن والردع على أنهما السبيل الوحيد للبقاء.

إن ما يجري في الضفة الغربية ليس سوى إعادة إنتاج لسياسة إسرائيلية قديمة: تضخيم أي فعل فلسطيني مهما كان بسيطا، وتحويله إلى تهديد وجودي. والغاية ليست حماية الأمن بقدر ما هي ترسيخ الاحتلال، وتعميق السيطرة على الأرض والإنسان، وإبقاء المجتمع الإسرائيلي في حالة خوف دائم. السؤال الجوهري الذي يبقى: من المستفيد من صناعة هذه الفزّاعة الأمنية؟ الجواب واضح؛ إنها الحكومات الإسرائيلية التي تقتات على الخوف، وتحكم من خلاله، وتضمن استمرار دعم جمهورها لسياسات الاحتلال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب