مقالات

في اليوم العالمي للمرأة صمود في وجه الألم وشراكة في بناء المستقبل

في اليوم العالمي للمرأة صمود في وجه الألم وشراكة في بناء المستقبل

بقلم: المحامي علي أبو حبلة –

يحلّ اليوم العالمي للمرأة في الثامن من آذار من كل عام مناسبةً إنسانية عالمية للاحتفاء بإنجازات المرأة ودورها في بناء المجتمعات وتعزيز مسيرة التنمية والعدالة والمساواة. وقد ارتبط هذا اليوم تاريخيًا بنضالات النساء في مختلف أنحاء العالم من أجل حقوقهن السياسية والاجتماعية والاقتصادية، منذ الحركات العمالية النسوية في مطلع القرن العشرين، مرورًا بالمؤتمرات الدولية التي كرّست حضور المرأة في الحياة العامة، وصولًا إلى الجهود الأممية التي جعلت من تمكين المرأة أحد ركائز التنمية المستدامة.

ويُعدّ إقرار مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في ميثاق الأمم المتحدة عام 1945 محطة مفصلية في مسار الاعتراف الدولي بحقوق المرأة، حيث أكد الميثاق أن الكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال المساواة وعدم التمييز. ومنذ ذلك التاريخ، لعبت المؤسسات الدولية دورًا مهمًا في دعم مشاركة المرأة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، باعتبارها شريكًا أساسيًا في صناعة السلام وتحقيق التنمية.

غير أن الحديث عن المرأة في السياق الفلسطيني يكتسب أبعادًا مختلفة، إذ لا يمكن فصل مسيرة المرأة الفلسطينية عن واقع الاحتلال وما يفرضه من تحديات قاسية على المجتمع الفلسطيني بأسره. فالمرأة الفلسطينية لم تكن مجرد طرف في معادلة المجتمع، بل كانت وما تزال ركيزة أساسية في صمود الشعب الفلسطيني وبقائه على أرضه.

لقد شكّلت المرأة الفلسطينية عبر التاريخ نموذجًا فريدًا في الجمع بين أدوار متعددة؛ فهي الأم التي تربي الأجيال على حب الوطن، والزوجة التي تشارك في تحمل أعباء الحياة، والناشطة التي تسهم في العمل الاجتماعي والسياسي، والمناضلة التي تقف في الصفوف الأولى دفاعًا عن الحقوق الوطنية. وفي ظل ما يعيشه الشعب الفلسطيني من ظروف سياسية واقتصادية معقدة، تضاعفت مسؤوليات المرأة الفلسطينية، فأصبحت تتحمل أعباءً إضافية في مواجهة الفقر والبطالة وتداعيات الاحتلال، إلى جانب مسؤولياتها الأسرية والاجتماعية.

ولا يمكن الحديث عن نضال المرأة الفلسطينية دون التوقف عند تضحياتها الكبيرة، سواء في مواجهة سياسات الاحتلال التي تستهدف المجتمع الفلسطيني بكل مكوناته، أو في صمودها أمام الاعتقال وهدم المنازل وفقدان الأبناء والأزواج. فقد أثبتت المرأة الفلسطينية، عبر عقود طويلة من الصراع، قدرتها على تحويل المعاناة إلى قوة، واليأس إلى إرادة حياة، وهو ما جعلها رمزًا للصمود الوطني والإرادة الإنسانية.

ومن منظور قانوني وإنساني، فإن ما تتعرض له المرأة الفلسطينية من انتهاكات يشكل تحديًا حقيقيًا لمنظومة القانون الدولي الإنساني، التي تفرض حماية خاصة للمدنيين، وخاصة النساء والأطفال، في أوقات النزاعات المسلحة. فالاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف، تنص بوضوح على ضرورة حماية النساء من كل أشكال العنف أو الإكراه أو المعاملة المهينة، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية لضمان احترام هذه المبادئ.

وفي الوقت ذاته، فإن تمكين المرأة الفلسطينية ليس مجرد قضية حقوقية فحسب، بل هو ضرورة استراتيجية لتعزيز قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود والاستمرار. فالمجتمعات التي تحظى فيها المرأة بفرص متكافئة في التعليم والعمل والمشاركة السياسية تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وبناء مستقبل مستقر ومستدام.

وقد أولى الإسلام المرأة مكانة رفيعة، فسبق بذلك كثيرًا من التشريعات الحديثة في إقرار حقوقها وكرامتها الإنسانية. فقد أكد القرآن الكريم مبدأ التكريم الإنساني للمرأة، كما جاءت السنة النبوية الشريفة حافلة بالدعوة إلى احترامها وتقدير دورها، وفي ذلك يقول الرسول الكريم ﷺ: «استوصوا بالنساء خيرًا»، وهو توجيه أخلاقي وإنساني يعكس عمق الرؤية الإسلامية في بناء مجتمع قائم على العدل والرحمة.

وفي هذا اليوم العالمي، فإن التحية تتوجه إلى المرأة الفلسطينية التي جسدت معنى الصبر والإرادة، ووقفت بثبات في مواجهة التحديات، وأسهمت في الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية. فهي الأم التي قدّمت أبناءها فداءً للوطن، والمرأة التي تحولت إلى عنوان للصمود في وجه الاحتلال، والإنسانة التي ما زالت تؤمن بأن العدالة ستنتصر مهما طال الزمن.

إن الاحتفاء بالمرأة الفلسطينية في هذا اليوم لا ينبغي أن يقتصر على كلمات التقدير، بل يجب أن يتحول إلى التزام حقيقي بدعم حقوقها وتمكينها وتعزيز مشاركتها في صنع القرار، باعتبارها شريكًا أساسيًا في بناء الدولة الفلسطينية المستقبلية.

كل التحية والتقدير للمرأة الفلسطينية في يومها العالمي، فهي عنوان الكرامة والصمود، وهي التي رفعت اسم فلسطين عاليًا رغم كل الصعاب.

وكل عام والمرأة الفلسطينية والعربية ونساء العالم بألف خير، على أمل أن يأتي هذا اليوم في الأعوام القادمة وقد تحقق للمرأة الفلسطينية ما تستحقه من حرية وعدالة وكرامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب