في فلسطين اقتصاد على حافة الاختناق وأرزاق منهوبة: الفلسطيني بين قرصنة الاحتلال وضيق المعيشة.
بقلم مروان سلطان – فلسطين 🇵🇸

في فلسطين اقتصاد على حافة الاختناق وأرزاق منهوبة: الفلسطيني بين قرصنة الاحتلال وضيق المعيشة.
بقلم مروان سلطان – فلسطين 🇵🇸
8.11.2025
——————————————————
في الوسط متداول قول بين الناس: كيف يعيشون في ظل كل ما يمر عليهم من الظروف الصعبة التي يسببها الاحتلال، وسط كل تلك المناخات الساخنة التي تهيمن على واقع الشعب الفلسطيني، وإن بتفاوت بين المدن والقرى والمخيمات والتجمعات السكانية، وتأثيرها على مصادر الدخل للافراد والجماعات والمؤسسات الاقتصادية داخل الوطن. فقط الجواب وحده الله اللي ساترها.
فقد ارتفعت اسعار السلع الاساسية بنسبة تفوق 30٪ منذ نهاية عام 2023، فيما بقيت الرواتب كما هي أو تراجعت بفعل الاقتطاعات، مما جعل متوسط الدخل الشهري لا يغطي سوى ثلث الاحتياجات المعيشية للاسرة الفلسطينية المتوسطة.
الورقة والقلم هما اللذان يشيران الى مدى سلامة المسارات والانشطة الاقتصادية في اي زمان ومكان، من حسابات وتخطيط ودراسة وتحليل اقتصادي. ومهما كان حجم النشاط، كبيرا أو صغيرا، فهناك خطوات ادارية لمتابعة الانشطة الاقتصادية، ونموها وازدهارها أو كسادها، الا في فلسطين من الصعب ان يكون فقط القلم والورقة من تدفع في العجلة الاقتصادية، انها تحسب بان الارزاق على الله فلا ينام هنا جائع. ولكن الاوطان بناؤها ونمو اقتصادياتها لها حساباتها ولا يتم الا بزوال الاحتلال.
في فلسطين، كل المسارات والنشاطات تقع في قبضة الاحتلال وهيمنته، لذا هو الذي يبقي على الحياة، لا موت ولا ازدهار، فقط حالة ترنح بينهما.
ارزاق الفلسطينيين متعددة المصادر، واهمها الزراعة، والصناعة، والوظيفة العمومية، ووظائف القطاع الخاص، والورش، والشركات الصغيرة، والعمالة في السوق الاسرائيلي، وقطاع الخدمات. وحتى السابع من اكتوبر كان اكبر مصدر لدخل الفلسطينيين هو رواتب القطاع الخاص وعائدات العمالة في السوق الاسرائيلي، والصناعات التي يصدر انتاجها الى السوق الاسرائيلي.
بعد السابع من اكتوبر امتنعت اسرائيل عن تحويل عوائد الضرائب الى السلطة الفلسطينية، مما ادى الى اضطراب في دخل القطاع العام وتذبذب الاقتصاد الفلسطيني الذي هو اصلا هش لاعتماده الكبير على ضخ الاموال الى السوق المحلي. نتيجة لذلك تأخرت رواتب اكثر من 140 الف موظف حكومي، واضطرت آلاف الاسر الى الاقتراض من البنوك أو المحال التجارية لتغطية نفقاتها اليومية، مما ادى الى تفاقم المديونية الشخصية في السوق المحلي.
كما اقدمت اسرائيل على ملاحقة العمال الفلسطينيين ومنعت دخولهم الى السوق الاسرائيلي الذي كان مصدر دخل لما يقارب 450 مليون دولار شهريا، وكان يوفر تدفقا نقديا مهما في السوق الفلسطيني. وتقدر تحويلات المغتربين بنحو 320 مليون دولار شهريا، وتوفر المقاصة ما يقارب 225 مليون دولار، ويقدم القطاع الخاص حوالي 475 مليون دولار. اما المساعدات الانسانية فتبلغ نحو 65 مليون دولار، والمساعدات والمنح حوالي 115 مليون دولار. ويظل الاقتصاد الفلسطيني هشا بسبب غياب الانتاج الحقيقي في الزراعة والصناعة والخدمات، التي تخضع بشكل مباشر لسياسات الاحتلال في الاراضي الفلسطينية.
وقد بلغ الدين العام المستحق للموظفين العموميين على الحكومة الفلسطينية حتى نهاية اكتوبر 2025 نحو 1.7 مليار دولار، نتيجة امتناع وزير المالية الاسرائيلي بتسلئيل سموتريتش عن تحويل اموال الضرائب منذ عام 2021، مما انعكس على الاسواق المحلية بركود حاد وانكماش في الطلب على السلع والخدمات.
وهنا يخوض المزارعون الفلسطينيون اليوم رحى معركة من اجل ارزاقهم، في ارضهم التي ورثوها عن آبائهم واجدادهم منذ مئات السنين، وعاشوا فيها منذ نعومة اظفارهم، بين الفلاحة والزراعة وتربية المواشي ورعيها. والزراعة هي من اهم الموارد الاقتصادية التي يعتمد عليها الاقتصاد الفلسطيني، ولكن مع النشاط الاستيطاني الواسع، وبناء الجدار، والطرق الالتفافية، واغلاق الاراضي الزراعية المحاذية للمستوطنات ومشاريع الاستيطان، فقد خسر الفلسطينيون مساحات واسعة من اراضيهم، وهي خسائر اقتصادية ذات تأثير بالغ على الاقتصاد المحلي.
واهم المحاصيل الموسمية هو محصول الزيتون الذي يتعرض لتحديات كبيرة اثرت على دخل المزارع الذي طالما كان ينتظره في موسم الحصاد. وهذه الازمة المالية لا تقتصر على المدن أو الموظفين، بل تمتد الى الريف الفلسطيني حيث بات المزارعون يعانون ايضا من ارتفاع اسعار مدخلات الانتاج الزراعي كالوقود والاسمدة والاعلاف بنسبة تفوق 60٪، في ظل غياب أي دعم حكومي فعلي بسبب الضائقة المالية التي تعاني منها الحكومة.
اما الصناعات الفلسطينية، فإن اعتمادها على السوق المحلي لا يمنحها تقدما ولا ازدهارا، وإذا لم تجد تصريفا لمنتجاتها في السوق الدولي عموما، أو في السوق الاسرائيلي خصوصا، فستجد نفسها امام الاضمحلال والاغلاق. وهذه الصناعة تخضع لمعايير اسرائيلية وامنية من اجل السماح بتصريفها في السوق الاسرائيلي، خاصة في مجالي النقل والتخزين.
ولعل حركة النقل والمواصلات ايضا تتعرض لاجراءات امنية بسبب الاغلاقات المتكررة للمدن والقرى والحواجز والبوابات الحديدية التي يزيد عددها على اكثر من الف حاجز في الضفة الغربية، مما يعيق التسويق وحركة البضائع والتنقل بين المدن الفلسطينية، ويسبب ضائقة مالية ونقصا في التدفق النقدي للاسواق الفلسطينية.
إن الضائقة المالية التي يعيشها الفلسطينيون اليوم ليست مجرد ازمة رواتب أو تحويلات، بل نتيجة تراكمية لاقتصاد محاصر وموارد مصادرة وسوق مكبل بقيود الاحتلال، يدار بالقطارة ليستمر في البقاء فقط، لا في التقدم أو الازدهار.





