منوعات

قانون جديد لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب… هل تسعى الجزائر لتجنب الضغوط الدولية؟

قانون جديد لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب… هل تسعى الجزائر لتجنب الضغوط الدولية؟

محمد سيدمو

الجزائر ـ  في مشهد تختلط فيه الثغرات التقنية بالحسابات السياسية، وجدت الجزائر نفسها مؤخرا في قلب دائرة الضوء الأوروبية، بعد تصنيفها رسميا ضمن قائمة الدول عالية المخاطر في مجال تبييض الأموال وتمويل الإرهاب من قبل البرلمان الأوروبي.
وجاء هذا القرار وفق التصنيف الأوروبي، بعد تقييمات فنية أظهرت وجود ثغرات في نظام الرقابة المالية الجزائري، أبرزها ضعف تتبع الأموال، وقصور في مراقبة بعض الأنشطة المالية غير المصرفية، ونقص في التعاون القضائي الدولي.
ورغم أن القرار يبدو في ظاهره فنّيا وتقنيا، إلا أن توقيته والخلفيات السياسية المرافقة له أثارا الكثير من التساؤلات داخل الجزائر، خاصة في ظل تزايد الضغط من أطراف أوروبية معروفة بعدائها التقليدي للجزائر، على غرار اليمين المتطرف الفرنسي. هذا التيار لم يخفِ ابتهاجه بالقرار، واعتبره بعض أعضائه «انتصارا»، كما صرّحت بذلك نائبة فرنسية من الكتلة المحافظة في منشور احتفالي على منصة «إكس».
ويأتي التصنيف الأوروبي بعد أن كانت الجزائر قد أدرجت في تشرين الأول/أكتوبر 2024 ضمن «القائمة الرمادية» لمجموعة العمل المالي الدولية «غافي» (GAFI)، وهي الهيئة العالمية المعنية بوضع المعايير ومحاربة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. واعتبرت «غافي» حينها أن الجزائر تعاني من «نقائص استراتيجية» في نظام مكافحة الجرائم المالية، لكنها أبدت التزاما سياسيا واضحا بإصلاح المنظومة واستيفاء المعايير الدولية المطلوبة.
ومنذ ذلك الوقت، كثّفت السلطات الجزائرية جهودها للتجاوب مع توصيات «غافي»، حيث قدمت في شباط/فبراير وآذار/مارس 2025 تقارير متابعة تُظهر تحقيق تقدم تقني على بعض المحاور، من بينها تحسين الرقابة على المؤسسات غير المصرفية وتطوير آليات التبليغ عن المعاملات المشبوهة، رغم بقاء عدد من النقائص بدون معالجة كاملة.
وفي محاولة لتدارك هذه الثغرات، اعتمدت الحكومة الجزائرية مؤخرا بعد موافقة البرلمان، مشروع قانون جديد لتعزيز آليات مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. وأكد وزير العدل، لطفي بوجمعة، أن النص يهدف لتكييف التشريع الوطني مع التزامات الجزائر الدولية، خاصة تلك الصادرة عن «غافي»، ومواكبة التطورات التقنية في أساليب الجريمة المالية.
ويتضمن المشروع عدة إجراءات جديدة، أبرزها تعزيز العقوبات، وتوسيع صلاحيات التحقيق، وتكثيف التعاون مع الدول الأجنبية، إضافة إلى مراقبة أكبر على المنظمات والأشخاص المدرجين في لوائح الإرهاب. كما تسعى السلطات إلى سد الثغرات المرتبطة بشفافية هويات المستفيدين من الشركات المالية، وتحسين آليات التبليغ عن المعاملات المشبوهة.

ماهية التعديلات

وفي التفاصيل التقنية، ظهر أن التعديلات الجديدة التي نُشرت في الجريدة الرسمية يوم 24 تموز/يوليو 2025، جاءت لتسد ثغرات أشار إليها خبراء دوليون، مثل عدم وضوح هوية المستفيدين الحقيقيين من الشركات، وضعف الرقابة على بعض القطاعات، وتأخر تطبيق العقوبات المالية ضد المتورطين في الإرهاب، إضافة إلى محدودية التعاون مع الدول الأخرى.
ومن أهم النقاط التي عالجتها التعديلات، فرض غرامات وسجن على كل من لا يصرّح بهوية الشخص الحقيقي الذي يستفيد من الأموال أو الشركات، ويقصد به الشخص الذي يملك أو يتحكم فعليا في كيان قانوني مهما كان الاسم الظاهر. وقد عاقب القانون من يقدّم بيانات ناقصة أو كاذبة أو لا يحدّثها بشكل منتظم (التوصية 24 و25).
كما فرض القانون على الشركات والمؤسسات الخاضعة للرقابة أن تحتفظ بسجل مفصل ومحدّث بأسماء ومعلومات الأشخاص المستفيدين، ويجب الاحتفاظ بهذه المعلومات لمدة لا تقل عن خمس سنوات بعد توقف النشاط، وهو ما يتماشى مع المعايير الدولية. وقد أعطى القانون صلاحيات للسلطات المعنية مثل مصالح التجارة والضرائب للتأكد من احترام هذه الالتزامات ومراقبة مدى تطبيقها (التوصية 27).
وفي مجال التعامل مع الأشخاص المعروفين بنفوذهم السياسي، أُلزم البنوك والمؤسسات المالية بالتحقق مما إذا كان الزبون أو من يقف وراءه له صفة سياسية أو قريب منه أو شريك له، ويُقصد بهم من يشغلون مناصب عليا في الدولة أو في الخارج، أو من تربطهم بهم صلة شخصية أو مالية (التوصية 12). وفي حال تأكد ذلك، يجب على المؤسسة أن تتحقق من مصدر أمواله وثروته، وأن تطلب الإذن من الهيئة المسيرة قبل التعامل معه أو مواصلة العلاقة المالية. كذلك فُرضت إجراءات مشددة على شركات التأمين بخصوص عقود التأمين على الحياة، إذ أصبحت ملزمة بتحديد هوية المستفيد الحقيقي عند صرف التعويض، خاصة إذا كانت هناك مؤشرات على وجود مخاطر مثل الصفة السياسية أو المعنوية للمستفيد (التوصيتان 10 و17). وفي حال وجود خطر مرتفع، تُفرض إجراءات إضافية للتأكد من هوية المستفيد ومن مصدر الأموال.
ومن التعديلات المهمة أيضا، أن القانون عاقب كل من يُبلّغ صاحب الأموال محل الشبهة بأن هناك بلاغا أو تحقيقا جاريا ضده، واعتبر ذلك جريمة يعاقب عليها بالحبس والغرامة، سواء تعلق الأمر بموظف في بنك أو مؤسسة تأمين أو أي جهة أخرى (التوصية 21). كما عاقب من يعرقل تنفيذ التدابير التحفظية كالحجز أو التجميد التي تأمر بها السلطات المختصة (التوصية 27). وشدد العقوبات على كل من يمتنع عن إرسال بلاغات الشبهة عند اكتشاف معاملات مالية غير عادية أو مشبوهة (التوصية 20). وشمل العقاب الأشخاص المعنويين، أي الشركات والمؤسسات، وليس فقط الأفراد الطبيعيين، بحيث يمكن تحميل الكيان القانوني مسؤولية جزائية عن الجرائم المالية المرتكبة داخل إطاره (التوصيتان 3 و34)، مما يعكس رغبة واضحة في تحمل الجميع المسؤولية.
وبخصوص تجميد أموال الإرهابيين، نصت التعديلات الجديدة على ضرورة تنفيذ هذا التجميد فورا، ومن دون حاجة إلى إنذار مسبق أو انتظار لقرار قضائي، سواء تعلق الأمر بأسماء موجودة في القائمة الوطنية الجزائرية أو تلك الصادرة عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بموجب الفصل السابع (التوصيتان 6 و7). وأُنشئت لجنة وطنية داخل وزارة الخارجية لمتابعة تنفيذ هذه العقوبات الدولية، مما يسمح بتطبيق فوري لدون تأخير، وهو ما طالبت به «غافي» مرارا.
وفي جانب التعاون الدولي، أصبحت السلطات الجزائرية ملزمة قانونا بتبادل المعلومات بسرعة وفعالية مع نظرائها في الخارج، وخاصة بخصوص الأشخاص المشبوهين والمعاملات التي قد تكون مرتبطة بتبييض الأموال أو تمويل الإرهاب، مع احترام مبدأ السرية المهنية والتعامل بالمثل (التوصيتان 36 و40). كما فُرض على السلطات المعنية أن تتيح المعلومات المرتبطة بالمستفيدين الحقيقيين وتبادلها عند الحاجة، بما في ذلك معلومات حول المساهمين والمديرين في الشركات. ومنحت التعديلات سلطات واسعة للشرطة والقضاء للقيام بتحقيقات مالية موازية، وتشكيل فرق تحقيق مشتركة مع أجهزة أجنبية، لتتبع الأصول المشبوهة عبر الحدود (التوصيات 30 و31 و40).
وفي شق آخر، وسّع القانون نطاق الرقابة ليشمل بشكل أدق ما يسمى بالمهن غير المالية المحددة، مثل المحامين، والمحاسبين، والوكلاء العقاريين، إذ أصبحوا ملزمين قانونا برفع تقارير الاشتباه في حال اكتشاف عمليات مالية غير مبررة أو مشكوك فيها، وقد فرض القانون عقوبات صارمة على من يتجاهل هذه الالتزامات (التوصية 22). ومن جهة أخرى، ألزم القانون الهيئات الرقابية مثل بنك الجزائر وسلطة ضبط التأمينات بوضع تعليمات واضحة ومكتوبة حول الإجراءات الواجب اتباعها، مع التأكيد على ضرورة التزام كل المؤسسات بها (التوصية 26). ويُعد هذا الإجراء ضروريا لخلق بيئة رقابية واضحة لكل المتعاملين.
كما شملت التعديلات أيضا الجمعيات والمنظمات غير الربحية، إذ أصبح مطلوبا منها تطبيق تدابير صارمة لمنع استغلالها في تمويل الإرهاب أو تحويل الأموال بطرق ملتوية. كما أصبحت خاضعة لرقابة دقيقة من طرف الهيئات المختصة، وملزمة باحترام التعليمات التنظيمية بكل تفاصيلها (التوصية 8). واعتبرت الجزائر هذه النقطة أولوية بالنظر إلى التقارير الدولية التي أظهرت ثغرات في هذا الجانب.
وعالج القانون أيضا موضوع المخاطر المحتملة التي قد تظهر من تحويل الأموال عبر الحدود، أو من القطاعات التي لم تكن خاضعة للرقابة الكافية. وقد أدرج إجراءات لتقييم تلك المخاطر مسبقا والتصرف بناء على نتائج التقييم، بما ينسجم مع المعايير الدولية المعتمدة (التوصية 1). ووسّع القانون الصلاحيات الرقابية لتشمل التحقيق في المعاملات والروابط المالية غير المباشرة التي قد يستخدمها المجرمون لتفادي الرقابة.
ويرى متابعون أن التعديلات القانونية قد استجابت بشكل مباشر لعدد معتبر من التوصيات التي وضعتها مجموعة غافي كمعايير دولية لمكافحة الجريمة المالية، وركزت الجزائر بشكل خاص على أهم النقاط التي تسببت في إدراجها ضمن القائمة الرمادية.

تقدم جزئي في التشريع

وفي تقييمه، يقول النائب المتابع لهذا الملف عبد الوهاب يعقوبي، إن التقييم العام للإصلاحات الأخيرة، وعلى رأسها القانون الجديد لسنة 2025 المعدل للقانون 05-01، يُظهر تقدما جزئيا على المستوى التشريعي الشكلي، لكنه لا يرقى بعد إلى مستوى التغيير المؤسسي العميق.
واعتبر البرلماني المنتخب عن الجالية في تصريح لـ«القدس العربي»، أن القانون يُعبّر عن رغبة واضحة في التكيّف مع توصيات مجموعة العمل المالي «GAFI»، عبر إدراج مفاهيم أساسية مثل «المالك الفعلي»، وتعزيز صلاحيات خلية الاستعلام المالي «CTRF»، وتوسيع الرقابة على المهن المالية غير المصرفية مثل المحامين، الخبراء، والوكلاء العقاريين.
غير أن هذه الإصلاحات، بحسبه، تظل تعاني من بطء التنفيذ الميداني بسبب ضعف الرقابة البنكية، ونقص الشفافية في تبادل المعلومات بين السلطات القضائية والمالية، إضافة إلى افتقار خلية الاستعلام المالي إلى الاستقلالية التنفيذية الكافية التي تسمح لها بالتحقيق والتجميد والمحاسبة بفعالية. وأضاف النائب أن «النصوص تحسنت، لكن البيئة المؤسسية الحاضنة لهذه القوانين ما تزال ضعيفة وتخشى التطبيق الصارم».
وفي تعليقه على قرار إدراج الجزائر ضمن قائمة الدول عالية المخاطر من قبل المفوضية الأوروبية، قال يعقوبي إن ذلك لم يكن مفاجئا، حيث يعكس تراكم فقدان الثقة الدولية أكثر من كونه تقييما تقنيا محضا. وأوضح أن المفوضية اعتمدت على تقارير «غافي» التي سجلت عدة نقائص، منها غياب نتائج فعلية في التحقيقات المالية الموازية، وجود ثغرات في تتبع تمويل الإرهاب عبر الاقتصاد غير الرسمي والرقمي، ضعف الرقابة على البنوك والمؤسسات غير المصرفية، وتبادل محدود للمعلومات بين السلطات المختصة، إضافة إلى تأخر الجزائر في تطبيق التوصيات المتعلقة بكشف «المالك الفعلي».
وأشار إلى أن البرلمان الأوروبي أيد هذا التقييم بتصويت الأغلبية، واعتبر أن الجزائر لم تُظهر بعد نتائج ملموسة في تفعيل النصوص القانونية، مثل الأحكام القضائية، أو تجميد الأصول، أو التعاون الدولي الفعلي، وهو ما عجل بإبقاء الجزائر ضمن الدول المصنفة عالية المخاطر في مجال تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.
وعن الخلفيات السياسية لهذا القرار، قال يعقوبي إن «هناك توظيفا سياسيا داخل البرلمان الأوروبي، خصوصا من قبل التيارات اليمينية المعروفة بمواقفها التاريخية المتوترة تجاه الجزائر، سواء في فرنسا أو بعض دول أوروبا الشرقية». وأضاف أن هذه الأطراف تستغل أي تأخر أو تقصير تقني أو تشريعي في النظام الجزائري للدفع نحو قرارات سياسية مغلفة بتقارير تقنية.
لكنه شدد على أنه «لا يمكن اختزال هذا التصنيف الأوروبي في مؤامرة فرنسية فقط»، مؤكدا أن السياق الموضوعي قائم، فـ»عدم التزام الجزائر التام بمعايير الشفافية، ومحدودية فعالية مؤسساتها الرقابية، ترك المجال مفتوحا أمام هذا النوع من الاستهداف السياسي». وخلص إلى أن «حتى مع وجود نوايا سياسية، فإن أرضية القرار قائمة على وقائع موضوعية تم رصدها من قبل (غافي) والمؤسسات الأوروبية».
وللخروج من «اللائحة الرمادية» وتلبية التزاماتها الدولية، يرى يعقوبي أن الجزائر تحتاج إلى تنفيذ حزمة إصلاحات فعلية، أبرزها منح خلية الاستعلام المالي استقلالية قانونية وتنفيذية كاملة، تشمل سلطة اتخاذ قرارات التجميد وفتح التحقيقات من دون الرجوع إلى الهيئات البيروقراطية؛ وإنشاء سجل وطني شفاف وعملي للملكية المستفيدة، يمكن لكل السلطات الرقابية والقضائية الاطلاع عليه بسهولة؛ ورقمنة تبادل المعلومات بين البنوك، مصالح الضرائب، الجمارك، القضاء، هيئة الاستعلام المالي والبنك المركزي، لتمكين تتبع أكثر فعالية.
كما أكد النائب ضرورة الرقابة الصارمة على المهن غير المالية مثل المحامين، الصرافين، والوكلاء العقاريين، وإجبار المؤسسات على الإبلاغ عن المعاملات المشبوهة مع فرض عقوبات حقيقية على غير الممتثلين. وأبرز الحاجة إلى تعزيز شفافية الدولة عبر نشر تقارير دورية للرأي العام حول الملفات الكبرى، والتعاون القضائي الدولي السريع والفعال في ما يخص التحويلات المالية العابرة للحدود وتمويل الشبكات الإجرامية.
وأشار يعقوبي إلى أن الجزائر أُدرجت في اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي «GAFI»، بعد أن تبين وجود نقائص استراتيجية في منظومتها الخاصة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. وعلى الرغم من الإصلاحات التي قامت بها، إلا أنها لا تزال خاضعة للمتابعة المعززة ولم تعلن غافي رسميا بعد عن خروجها من القائمة.
ويرصد النائب في ختام حديثه، أن الجزائر رغم جهودها القانونية والمؤسساتية، لا تزال تعاني من «غياب لافت في مواقع صنع القرار على المستوى الدولي»، ما يحدّ من قدرتها على الدفاع عن وجهة نظرها أو التأثير في صياغة السياسات العالمية. وأوصى بضرورة الدفع بكفاءات جزائرية مؤهلة لتمثيل البلاد داخل المنظمات المالية والرقابية الكبرى، وعلى رأسها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية «OECD»، بالنظر إلى دورها المباشر في تقييم المخاطر وتوجيه السياسات الاقتصادية وصياغة المعايير الدولية للامتثال المالي.

«القدس العربي»:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب