قبل هجوم 7 أكتوبر.. تحذير مصري لإسرائيل يكشف ما كان يجري في غزة

قبل هجوم 7 أكتوبر.. تحذير مصري لإسرائيل يكشف ما كان يجري في غزة
أفاد تقرير لمجلة “ذا أتلانتيك” الأمريكية بأن رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية السابق عباس كامل حذر مسؤولين إسرائيليين، قبل هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، من احتمال وقوع هجوم كبير انطلاقًا من قطاع غزة، داعيًا الحكومة الإسرائيلية إلى اتخاذ خطوات اقتصادية من شأنها تجنب التصعيد.
تحذير قبل 7 أكتوبر
ووفقًا لما جاء في “التقرير”، وصل عباس كامل إلى إسرائيل في 26 سبتمبر/أيلول 2023، في زيارة أمنية بالغة الحساسية، تزامنت مع إحياء القيادة الإسرائيلية الذكرى الخمسين لحرب أكتوبر 1973.
وأوضح “التقرير”، نقلًا عن مسؤولين إسرائيليين ومصريين وعرب وأمريكيين وأوروبيين قالت إنهم اطلعوا على تفاصيل الزيارة بعد هجوم 7 أكتوبر، أن كامل أبلغ الجانب الإسرائيلي بأن حركة حماس تبدو وكأنها تستعد لتنفيذ هجوم واسع، وأن الوقت المتاح لاتخاذ إجراءات تحول دون وقوعه أصبح محدودًا.
وأشار “التقرير” إلى أن رئيس المخابرات المصرية أوصى الحكومة الإسرائيلية بتقديم تنازل اقتصادي لحركة حماس بهدف تخفيف التوتر ومنع اندلاع مواجهة عسكرية.
ونقل “التقرير” عن مسؤول إسرائيلي سابق، قال إنه اطلع لاحقًا على مضمون الزيارة، أن الرسالة المصرية كانت واضحة بشأن تداعيات تجاهل التطورات في قطاع غزة، قائلًا: “إذا لم تغيروا مساركم، فإن غزة ستنفجر في وجوهكم”.
زيارة أمنية في توقيت حساس
وتزداد أهمية الرواية التي أوردتها “ذا أتلانتيك” في ضوء تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية أقيمت في القدس في اليوم نفسه، 26 سبتمبر 2023، لإحياء ذكرى حرب أكتوبر 1973.
وفي كلمته، استحضر نتنياهو هجوم مصر وسوريا المفاجئ عام 1973 باعتباره درسًا في مخاطر تجاهل التحذيرات الاستخباراتية والاعتماد على افتراضات خاطئة بشأن نوايا الخصوم، مؤكدًا آنذاك: “نحن لا نستهين بأي تهديد”.
وفي السياق ذاته، لفت “التقرير” إلى أن زيارة كامل تمت قبل نحو ساعتين من اعتلاء نتنياهو المنصة، بعدما هبطت طائرة خاصة من طراز “سيسنا” مرتبطة بجهاز المخابرات المصري في مطار بن غوريون، وتوقفت في منطقة معزولة مخصصة للمهام الدبلوماسية والأمنية الحساسة.
ويشير سجل رحلات هيئة المطارات الإسرائيلية إلى أن الطائرة المصرية بقيت على الأراضي الإسرائيلية لمدة 67 دقيقة، قبل أن تعود إلى القاهرة، فيما تؤكد تطبيقات مستقلة لتتبع الرحلات الجوية مسار الطائرة.
ولا يزال مصير تحذير كامل، الذي كُشف عنه بعد ثلاث سنوات من هجوم 7 أكتوبر، مجهولًا، لكن مسؤولين من سبع دول مختلفة أكدوا أن زيارة كامل كان ينبغي أن تدق ناقوس الخطر في أعلى مستويات الحكومة الإسرائيلية.
وبحسب “التقرير”، حضر نتنياهو جلسة إحاطة سرية عقب إحياء ذكرى حرب أكتوبر، وفقًا لجدوله المعلن، وبعد ذلك بفترة وجيزة وافق على بعض التنازلات الاقتصادية لحماس.
كما شدد المسؤولون الذين تحدثت معهم المجلة على أن مجرد وجود رئيس المخابرات المصرية في إسرائيل كان ينبغي أن يكشف مدى إلحاح القضية.
وقال مسؤول إسرائيلي سابق: “كان الرسول هو الرسالة”، مضيفًا: “لا يُعقل أن يجتمع كبار المسؤولين الإسرائيليين مع رئيس المخابرات المصرية دون علم نتنياهو”.
روايات متضاربة وتحذيرات متكررة
وقد نفى مكتب نتنياهو في الأيام التي تلت الهجوم تلقيه أي تحذيرات، مباشرة أو غير مباشرة، من مصر بشأن الوضع في غزة، كما لم يرد المتحدثون باسم نتنياهو والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على الطلبات المتكررة للتعليق، عندما وُجّهت إليهم أسئلة بشأن زيارة كامل.
كما نفى رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي آنذاك، تساحي هانغبي، هذا الأسبوع وجود أي زيارة لكامل أو أي تحذير مصري من أي نوع.
وتؤكد زيارة كامل عام 2023، التي لم تنشر تفاصيلها سابقًا، ما أكدته عشرات المصادر، وهو أن الحكومة الإسرائيلية أُبلغت مرارًا وتكرارًا بنشاط مهدد من حماس قبيل السابع من أكتوبر/تشرين الأول.
وفي سياق متصل، أفادت “التقرير” بأن مسؤولين حاليين وسابقين من إسرائيل ودول عربية والولايات المتحدة في إسرائيل شهدوا جميعًا الظاهرة نفسها خلال عام 2023، والمتمثلة في غطرسة نتنياهو التي غذّاها اعتقاد راسخ بأن إسرائيل متفوقة على حماس.
وقال مسؤول مصري عن زيارة كامل إلى إسرائيل في سبتمبر/أيلول 2023: “إن ذهاب كامل إلى إسرائيل لمدة ساعة واحدة فقط يعني أن السيسي نفسه شعر بضرورة الذهاب إلى هناك وإبلاغهم بنفسه”.
وأشار تقرير المجلة إلى أن تركيز الحكومة الإسرائيلية كان منصبًا على أمور أخرى، إذ كانت البلاد تعاني بالفعل من أعمق أزمة داخلية تشهدها منذ عقود.
كما انشغلت إسرائيل لأشهر بمسعى نتنياهو لإصلاح النظام القضائي، وهو صراع دستوري احتج عليه مئات الآلاف، وأحدث انقسامات عميقة داخل الجيش والمجتمع.
وأسهم تصاعد العنف بين الإسرائيليين والفلسطينيين في الضفة الغربية في جعل عام 2023 الأكثر دموية بالنسبة للفلسطينيين هناك منذ عقود، في ظل ما شهدته المنطقة من غارات عسكرية إسرائيلية وهجمات فلسطينية وأعمال عنف نفذها مستوطنون، ما زاد من حدة التوتر.
ونقل “التقرير” عن محللين عسكريين أمريكيين وإسرائيليين أن إسرائيل أساءت فهم نوايا حماس، وخلصت إلى أن الحركة لا ترغب في مواجهة عسكرية.
تحذيرات قبل الهجوم
وأوضحت المجلة الأمريكية أن زيارات عباس كامل إلى إسرائيل نادرة، وكانت آخر رحلاته المعروفة في مايو/أيار وأغسطس/آب 2021، عقب حرب إسرائيل وحماس في ذلك العام.
وعقب زيارة كامل في سبتمبر 2023، واصلت مصر دق ناقوس الخطر حتى قبل يومين من الهجوم، وفقًا لمسؤولين أمريكيين ومصريين وإسرائيليين مطلعين على تلك الاتصالات.
وأكد مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون إنه من غير الواضح ما إذا كان من الممكن فهم رسالة كامل على أنها تنبؤ بالهجوم غير المسبوق الذي تلاها.
ولم تشمل معظم التحذيرات التي تلقتها إسرائيل في عام 2023 تاريخًا أو هدفًا أو أسلوبًا للهجوم، لكنها كانت متكررة ومستمرة.
وفي الفترة نفسها تقريبًا، تلقى نتنياهو اتصالًا من بن زايد، الذي كانت بلاده قد طبعت علاقاتها مع إسرائيل قبل ثلاث سنوات فقط، وسعى بن زايد، بحسب التقارير، إلى إيصال تقييمه بأن السنوار كان يخطط لهجوم كبير.
كما شعر مفاوضو الأمم المتحدة والمسؤولون الأمريكيون والمنظمات الدولية بأن التوترات في غزة بلغت مستويات استثنائية، لكنهم أبلغوا المجلة بأنهم لم يكونوا على علم بأي خطط محددة لشن هجوم.
وخلال 28 سبتمبر/أيلول، أصدرت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية تقريرًا داخليًا بشأن احتمال تصعيد حماس في غزة، استنادًا جزئيًا، بحسب التقارير، إلى معلومات من أجهزة استخبارات أجنبية.
وذكر مسؤولون أمريكيون أن التقرير أشار إلى احتمال إطلاق حماس صواريخ على إسرائيل على مدى عدة أيام، فيما بُني التقرير الثاني، المؤرخ في 5 أكتوبر/تشرين الأول، على التقرير الأول، لكنه كان تحليليًا أكثر منه كاشفًا.
ولم يرصد أي من التقريرين تدريبات على هجوم منسق ومتعدد المحاور، كتلك التي نفذتها حماس بعد يومين.
وخلال 5 أكتوبر/تشرين الأول، أكدت رسالة من مصر إلى إسرائيل مجددًا المخاوف من أن الوضع لا يُطاق، وفقًا لمسؤولين أمريكيين ومصريين وإسرائيليين.
ولم تحدد الرسالة تاريخًا أو منهجية للهجوم، لكنها نقلت حالة من الاستعجال بشأن هجوم محتمل، بحسب المسؤولين.
كما شاركت مصر تقييماتها مع عدة دول أخرى في المنطقة، من بينها السعودية، وفقًا لما ذكره مسؤول خليجي رفيع المستوى.
وأفاد مسؤولون عرب بأن رئيس المخابرات الأردنية نقل مخاوفه إلى نظرائه الإسرائيليين من أن الوضع بات متفجرًا، لا سيما في الضفة الغربية، ويتطلب معالجة عاجلة، فيما لم يرد متحدثون باسم الحكومة الأردنية وجهاز المخابرات على طلب للتعليق.
وأبلغ مدير وكالة المخابرات المركزية ويليام بيرنز، بشكل عابر تقريبًا بعد عدة أشهر من الهجوم، بزيارة كامل إلى إسرائيل ومكالمة بن زايد، لكنه لم يُبلغ بتفاصيل اتصالاتهما، وفقًا لمسؤولين أمريكيين وإسرائيليين وعرب.
ما بعد 7 أكتوبر
وعقب مرور يومين من الهجوم، وبينما كانت إسرائيل تقيم حجم المأساة وبدأت حملتها العسكرية في غزة، نفى مكتب نتنياهو التقارير الصحفية التي أفادت بتلقيه أي اتصال من كامل أو مصر.
وقالت المجلة إن التمييز بين الاتصال المباشر والمعلومات الاستخباراتية التي تنقل عبر مساعدين ومسؤولين آخرين أصبح محور النقاش حول ما إذا كان بإمكان إسرائيل بذل المزيد من الجهد لاستباق الهجمات.
ومن جانبه، صرح رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب آنذاك، مايكل ماكول، للصحفيين في 11 أكتوبر/تشرين الأول، بعد جلسة إحاطة سرية للنواب، بأن مصر حذرت إسرائيل.
وقال ماكول: “نعلم أن مصر حذرت الإسرائيليين قبل ثلاثة أيام من احتمال وقوع حدث كهذا، لا أريد الخوض في تفاصيل سرية، لكن تم توجيه تحذير، أعتقد أن السؤال كان حول مستوى هذا التحذير”، ولم يستجب ماكول لمحاولات المجلة المتكررة لمناقشة تصريحاته.
ووصف مسؤولون إسرائيليون في الأشهر اللاحقة فشلًا أوسع في تفسير الإشارات القادمة من غزة.




