قطر تستضيف النسخة الـ23 من منتدى الدوحة.. رئيس الوزراء يدعو إلى منظومة دولية أكثر عدلًا واستنادًا إلى القانون

قطر تستضيف النسخة الـ23 من منتدى الدوحة.. رئيس الوزراء يدعو إلى منظومة دولية أكثر عدلًا واستنادًا إلى القانون
خالد الطوالبة
الدوحة –
في لحظة دولية تتصاعد فيها التوترات وتتزايد فيها الأسئلة حول مستقبل النظام العالمي، انطلقت في العاصمة القطرية الدوحة صباح السبت أعمال النسخة الـ23 من منتدى الدوحة 2025، بمشاركة واسعة تضم قادة دول وصنّاع قرار وخبراء ودبلوماسيين من مختلف أنحاء العالم. ويحمل المنتدى هذا العام شعارًا لافتًا: “ترسيخ العدالة… من الوعود إلى الواقع الملموس”، وهو عنوان يعكس طبيعة النقاشات المتوقعة حول القانون الدولي والحوكمة العالمية والجهود الإنسانية وحل النزاعات.
وحضر افتتاح المنتدى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، فيما امتلأت قاعات فندق شيراتون الدوحة بالحضور الرفيع الذي تجاوز 6 آلاف مشارك، من ضمنهم قادة سياسيون وخبراء في العلاقات الدولية، إلى جانب 471 متحدثًا يمثلون نحو 160 دولة.
دعوة إلى منظومة أكثر عدالة
وخلال كلمته في الجلسة الافتتاحية، شدّد رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني على أن التحديات التي تواجه المنطقة ليست منفصلة عن التحولات العميقة التي يشهدها العالم. وقال إن العدالة باتت في كثير من الأحيان غائبة عن مسار القانون الدولي، مشيرًا إلى أن الحلول العادلة وحدها قادرة على صناعة سلام مستدام.
أكد الشيخ محمد بن عبد الرحمن أن العالم يشهد ازديادًا في الأزمات نتيجة غياب المساءلة، لافتًا إلى الحاجة المُلِحّة لإعادة الثقة في القانون الدولي وبناء منظومة أكثر عدلًا وإنصافًا
وأكد الشيخ محمد بن عبد الرحمن أن العالم يشهد ازديادًا في الأزمات نتيجة غياب المساءلة، لافتًا إلى الحاجة المُلِحّة لإعادة الثقة في القانون الدولي وبناء منظومة أكثر عدلًا وإنصافًا. وأضاف: “العالم لا يحتاج مزيدًا من الوعود، بل يحتاج إلى عدالة تُترجم الأقوال إلى أفعال”، موضحًا أن غياب المساءلة أحد أخطر مظاهر الاختلال في النظام العالمي الراهن.
كما شدد على أن العدالة يجب أن تُمارس من دون ازدواجية في المعايير، مبينًا أن سياسة دولة قطر تستند إلى الوقوف مع ما يخدم الإنسان ويحميه، بعيدًا عن التمييز بين الأطراف.
الوساطة… نهج راسخ في السياسة الخارجية القطرية
وفي السياق ذاته، تناول رئيس الوزراء وزير الخارجية دور الدوحة في الوساطة الدولية، مؤكدًا أنها ليست رفاهية سياسية بل مسار ثابت في السياسة القطرية. وقال إن قطر تعتبر العدالة ركيزة أساسية لصون القانون الدولي، وإن الجهود التي تبذلها الدوحة في هذا الميدان تُظهِر أن الوساطة المسؤولة يمكن أن تحقق نتائج ملموسة لحماية المدنيين.
وكشف الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني أن دولة قطر، بالتعاون مع شركائها، نجحت في تحقيق اختراق مهم بين الحكومة الكولومبية وجماعة “إي جي سي”، معتبرًا أن هذا التطور يعكس فاعلية الوساطة القطرية وقدرتها على فتح مسارات جديدة للتهدئة وتسوية النزاعات.
وجاء هذا الإعلان متسقًا مع بيان مشترك أصدرته قطر والنرويج وإسبانيا وسويسرا، أفاد بأن الطرفين في كولومبيا اتخذا خطوات مهمة نحو السلام برعاية هذا الجهد الدبلوماسي.
الموقف من غزة: وقف شامل لإطلاق النار مشروط بالانسحاب
وخلال مشاركته في إحدى جلسات الافتتاح للمنتدى، تطرّق رئيس الوزراء وزير الخارجية للوضع في قطاع غزة، مؤكّدًا أنه لا يمكن اعتبار أن هناك وقفًا شاملًا لإطلاق النار إلا بانسحاب إسرائيل من القطاع. وأوضح أن الجهود المكثفة التي أدت إلى وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي تشكّل خطوة أساسية نحو الاستقرار وتهيئة الظروف لتأسيس دولة فلسطين.
تطرّق رئيس الوزراء وزير الخارجية للوضع في قطاع غزة، مؤكّدًا أنه لا يمكن اعتبار أن هناك وقفًا شاملًا لإطلاق النار إلا بانسحاب إسرائيل من القطاع
وأضاف أن قطر تؤمن بقدرتها على الإسهام في استقرار المنطقة والعالم، مضيفًا أن الوساطة تظل من أهم الأدوات التي تعتمد عليها الدوحة لمساعدة الأطراف المتنازعة على تجاوز العقبات.
مشاركة واسعة من شخصيات عالمية
وعلى مدى يومين، يعقد المنتدى سلسلة من الجلسات الحوارية والورش التخصصية التي تبحث في قضايا العدالة، الحوكمة، التحول الرقمي، الأمن الغذائي، الطاقة، والنزاعات الدولية.
وشهدت نسخة هذا العام حضور شخصيات سياسية بارزة، من ضمنهم: الرئيس السوري أحمد الشرع، وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي بورج بريندي، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون، والمؤسس المشارك والرئيس التنفيذي السابق لمايكروسوفت بيل غيتس.
ويأتي هذا التنوع في الحضور ليعكس المكانة التي بات المنتدى يحتلها كمنصة عالمية للحوار السياسي والفكري، خصوصًا مع تركيزه على قضايا العدالة والمساءلة والحوكمة.
منصة دبلوماسية لتقريب وجهات النظر
يُنظر إلى منتدى الدوحة على أنه امتداد للدور الذي لعبته قطر في صناعة الدبلوماسية النشطة خلال السنوات الماضية، إذ تحوّل إلى ملتقى سنوي يتناول أبرز التحديات الدولية من زاوية الحوار الشامل.
وقد ساهمت الدوحة، وفق رئيس الوزراء وزير الخارجية، في عدد من الوساطات التي ساعدت على تهدئة نزاعات في الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وهو ما منحها مكانة متقدمة في الساحة الدبلوماسية العالمية.
وعلّق المحلل السياسي الدكتور جمال البواريد على فعاليات المنتدى وكلمة رئيس الوزراء لـ”القدس العربي”، مؤكدًا أن التركيز على العدالة في العلاقات الدولية يعكس تحوّلًا واسعًا في الخطاب السياسي العالمي.
وقال البواريد إنّ دعوة قطر إلى منظومة دولية أكثر عدلًا تعبّر عن إدراك متزايد بأن النظام الدولي يحتاج إلى مراجعة شاملة، خاصة في ظل الأزمات المتلاحقة التي تشهدها مناطق عدة. وأوضح أن من أهم ما يميز خطاب الدوحة هو الربط بين العدالة والاستقرار، مشيرًا إلى أن السلام الدائم لا يمكن أن يتحقق في بيئات يغيب فيها احترام القانون الدولي أو تتكرر فيها ازدواجية المعايير.
وأشار إلى أن الوساطة القطرية أصبحت عنصرًا ثابتًا في السياسة الخارجية للدولة، وأن الإنجاز المتعلق بملف كولومبيا مثال جديد على قدرة الدوحة على التفاعل مع قضايا بعيدة جغرافيًا، لكنها وثيقة الصلة بفكرة الأمن الإنساني العالمي.
وختم البواريد بالقول إن المنتدى يمثّل منصة رائدة للحوار الدولي، وإن النقاشات المطروحة هذا العام تشير إلى انتقال تدريجي نحو معالجة جذور الأزمات بدل الاكتفاء بالنظر إلى نتائجها، معتبرًا أن ذلك ينسجم مع رؤية قطر لدور الدبلوماسية وضرورة تعزيز مفهوم العدالة في العلاقات الدولية.




