قطر تفتح نافذة على الذاكرة العراقية عبر المطبخ والتراث

قطر تفتح نافذة على الذاكرة العراقية عبر المطبخ والتراث
خالد الطوالبة
الدوحة – : في الدوحة، حيث تتقاطع الجغرافيا مع المعنى، تحوّل المطبخ العراقي إلى لغة ثقافية عابرة للحدود، حين احتضن الحي الثقافي كتارا فعالية خاصة أعادت تقديم العراق بوصفه سردية إنسانية حيّة، لا كخبر عابر في نشرات السياسة.
هناك، لم تكن الأطباق مجرد طعام، بل شيفرة ذاكرة، ولم يكن اللقاء احتفالاً عابراً، بل مشهداً مدروساً في دبلوماسية الثقافة، يعكس موقع قطر المتنامي كمساحة هادئة للتلاقي الحضاري.
نُظّمت فعالية «تذوّق ثقافية» في القاعة رقم (32) بالحي الثقافي كتارا، بالتعاون مع سفارة جمهورية العراق لدى الدولة، في سياق رؤية ثقافية أوسع تسعى إلى إعادة الاعتبار للتراث بوصفه أداة تواصل إنساني، لا مادة للعرض الفولكلوري.
وجاءت الفعالية ضمن سلسلة برامج ثقافية تعتمدها كتارا لتعميق المعرفة المتبادلة بين الثقافات، وتوسيع دوائر التعارف بين شعوب المنطقة، انطلاقاً من قناعة بأن الحوار يبدأ من التفاصيل اليومية، من المائدة، ومن الطقوس الصغيرة التي تحمل تاريخاً كاملاً في طياتها.
عكست أجواء المكان روح العراق المتعددة، حيث امتزجت الروائح بالنغمات الخافتة، وبدت القاعة وكأنها مساحة مؤقتة أعيد فيها ترتيب الزمن، ليجلس الماضي والحاضر على طاولة واحدة.
وبدت الدوحة، في هذا المشهد، منصة حيادية تحتضن التنوع دون ضجيج، وتمنح الثقافة مساحة للتنفس بعيداً عن الاستقطاب.
تقدّمت الدولمة العراقية المشهد، لا بوصفها طبقاً تقليدياً فحسب، بل كرمز متجذر في الذاكرة الجمعية للعراقيين. قُدّمت الأكلة الشعبية المعروفة بتنوع مكوناتها ودقة تحضيرها، إلى جانب الشاي العراقي والحلويات التقليدية، في مشهد استدعى البيوت القديمة، والمناسبات العائلية، والذاكرة التي صمدت أمام التحولات القاسية.
حملت الدولمة، بحشواتها المتعددة ولفائفها المتراصة، صورة العراق ذاته: تنوعٌ داخل وحدة، واختلافٌ محكوم بانسجام داخلي.
وتحولت المائدة إلى مساحة حوار صامت، حيث أدّى الطعام دور الراوي، ناقلاً قصص المدن والقرى، والنهرين، والبيوت التي ما زالت تطهو ذاكرتها رغم المسافات.
عكست هذه التفاصيل اختياراً واعياً للأدوات الثقافية، حيث جرى تقديم التراث من زاوية إنسانية قريبة من الناس، بعيداً عن الخطاب الرسمي، مع التركيز على العناصر التي تشكّل وجدان الشعوب، وتبقى قادرة على بناء جسور تواصل حتى في أكثر الأزمنة تعقيداً.
عبّر السفير العراقي لدى الدولة، محمد جعفر الصدر، خلال كلمته في الفعالية، عن تقديره لهذه المبادرة، مشيراً إلى أهمية استمرار التعاون الثقافي عبر تنظيم فعاليات مستقبلية تُعرّف بالتراث العراقي في مجالات متعددة، تشمل الفنون والآداب والموروث الشعبي.
وجاءت كلمته في سياق يعكس إدراكاً متزايداً لدور الثقافة في إعادة بناء الصورة، وترميم الفجوات التي خلّفتها السنوات الصعبة.
واصلت كتارا، من جهتها، تأكيد موقعها كمؤسسة ثقافية تنتهج الانفتاح والتعدد، عبر شراكات منتظمة مع البعثات الدبلوماسية المعتمدة لدى الدولة، في إطار مشروع ثقافي طويل النفس يهدف إلى ترسيخ الدوحة كعاصمة للحوار الحضاري، ووجهة عالمية للتنوع الثقافي.
ولم تكتفِ هذه المبادرات بعرض التراث، بل سعت إلى خلق مساحات تفاعلية تسمح للثقافات بأن تُروى بأصواتها، لا أن تُختزل في صور نمطية.
«القدس العربي»




