قمة ألاسكا بين ترامب وبوتين: هل هي معادلة «الأرض مقابل الأرض» لتفادي انهيار أوكرانيا؟
قمة ألاسكا بين ترامب وبوتين: هل هي معادلة «الأرض مقابل الأرض» لتفادي انهيار أوكرانيا؟
حسين مجدوبي
وجد الأوروبيون أنفسهم، ومعهم أوكرانيا، مهمَّشين عن المشاركة في واحدة من أهم القمم المتعلقة بأمنهم القومي منذ الحرب العالمية الثانية وسقوط جدار برلين.
تحاول إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنهاء الحرب الروسية-الأوكرانية. وهي بذلك تعتقد أن البراغماتية الجيوسياسية في الوقت الراهن تحتم ذلك لتفادي الأسوأ بشأن مستقبل أوكرانيا نفسها، بمعنى انهيار هذا البلد مستقبلا. في الوقت ذاته، تسعى إلى ربح روسيا على المستوى المتوسط والبعيد وإبعادها عن الصين. وتأتي قمة ألاسكابين ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين لتجسد هذه البراغماتية.
وتميز الموقف الأمريكي في الحرب الروسية-الأوكرانية بنوع من البراغماتية المعلن عنها أحيانا كما يحدث مع ترامب حاليا والمعبر عنها بشكل محتشم أو في الكواليس كما حدث مع الإدارة السابقة في عهد جو بايدن. وهذه البراغماتية هي التي تحكمت في قمة ألاسكا الجمعة من الأسبوع الجاري بين ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، والتي لم تنته باتفاق لوقف إطلاق النار وإنما بتعهدات للعمل في هذا الاتجاه.
اللافت في هذه القمة أن الرئيس ترامب وضع حدًّا لعزلة الغرب تجاه الرئيس الروسي، المطلوب أمام محكمة العدل الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب.
ورغم غياب اتفاق قد يشكل مدخلا حقيقيا لقمة جديدة موسعة بمشاركة الأوروبيين، يبقى أهم ما ميز القمة هو تصريح ترامب للقناة التلفزيونية «فوكس نيوز» بعد القمة «اتفاقية السلام رهينة بموقف الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلنسكي». مبرزا في الوقت ذاته «لقد أنهينا العديد من النقاط. لم يتبق سوى القليل منها. بعضها ليس مهمًا للغاية. أحدها ربما يكون الأهم، لكن لدينا فرصا جيدة لتحقيقه. لم ننجح في ذلك بعد، لكن لدينا فرصة جيدة لتحقيقه».
قبل انعقاد القمة، كان الرئيس الأمريكي قد تحدث عن ضرورة تقديم أوكرانيا تنازلات عبر ما يسمى «الأرض مقابل الأرض من أجل السلام». وهذا جزء من موقف روسيا على الأقل فيما يتعلق بالأراضي، الذي ينص على أن تتنازل أوكرانيا عن مناطق دونيتسك ولوغانسك وزاباروجيا وخيرسون وشبه جزيرة القرم وانسحاب موسكو عن بعض الأراضي الأوكرانية، وتصر على أن تتخلى أوكرانيا عن الحصول على أسلحة غربية والانضمام إلى حلف شمال الأطلسي.
تعتبر الحكومة الأوكرانية هذه المطالب غير مقبولة، وتصر على عدم التنازل عن الأراضي وتطالب بانسحاب القوات الروسية وضمانات أمنية من الغرب. كرر زيلينسكي بمناسبة قمة ألاسكا على وسائل التواصل الاجتماعي أن «الأوكرانيين لن يتنازلوا عن أراضيهم للمحتل وأن أي قرار يتم اتخاذه دون مشاركة أوكرانيا سيكون قرارًا ضد السلام».
ورغم انخراطها في الحرب بدعم الجيش الأوكراني خاصة في حقبة الرئيس جو بايدن إلا أن واشنطن تتعاطى ببراغماتية حربية وجيوسياسية أكثر بكثير من الأوروبيين. وهذه البراغماتية هي التي تفسر إصرار إدارة البيت الأبيض الحالية على البحث عن إيقاف الحرب، بينما يرى الأوروبيون أن كل تنازل لموسكو هو تهديد للأمن القومي الأوروبي.
ومن أبرز معطيات هذه البراغماتية أن البنتاغون كان أول من نبه إلى استعداد روسيا لغزو أوكرانيا، وحدث هذا في وقت كانت فيه عواصم باريس ومدريد وبرلين تستبعد وقوع الحرب. ويكفي أن مدير الاستخبارات العسكرية الفرنسية الجنرال إريك فيدو قدم استقالته لأنه لم يتمكن من توقع الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا. وقد اتُخذ هذا القرار لأن تحليلاته وتقاريره اعتُبرت غير كافية وتفتقر إلى إلمام بالمواضيع ذات الصلة بالتهديد الروسي. وهو التقدير الذي ذهبت إليه مختلف الاستخبارات الأوروبية باستثناء البريطانية. وساهم سوء تقدير أوروبا لاندلاع الحرب في مشاكل لاحقة بشأن، دعم أوكرانيا عسكريا.
وخلال الشهر الجاري فقط، سيطرت القوات الروسية على بلدات نوفي شاخوفي وشيفروني ليمان وأندرييفكا ليفستوفي وشتشيربينيفكا وزيليني هاي ودخولهم في مناطق ميرنوهراد ودونيتسك وليمان وسفاتوفو وبوكروفسك وكوبيانسك. تقدّمت في عدة جبهات استراتيجية، خصوصاً في شمال ميرنوهراد وجنوب دونيتسك وشرق كوبيانسك، مع تحركات نحو دوبروبيليا وستيبي.
في معطى جيوسياسي آخر، كانت إدارة ترامب ومنذ ولايته الأولى ما بين 2017 الى 2021 قد شددت على الاقتراب من روسيا. ويتبنى ترامب وفريقه تلك الاستراتيجية التي تعتبر روسيا دولة مسيحية قريبة من الغرب وسدا وجدارا في وجه التوسع الصيني مستقبلا لحماية أوروبا، بينما تتولى الولايات المتحدة احتواء بكين في الهادي وباقي مناطق العالم. وتدرك الإدارة الأمريكية أن إنهاء الحرب هو خطوة كبيرة نحو إبعاد روسيا عن الارتباط بالصين، ارتباط تعاظم بسبب المقاطعة الغربية للاقتصاد الروسي.
كل المعطيات تشير إلى أن الإدارة الأمريكية الحالية تدرك عزيمة روسيا على حسم الحرب في المستقبل القريب في ظل الضعف العسكري الأوروبي، وقد يكون ذلك كارثيا على وحدة أوكرانيا، وذلك بشهادة مدير المخابرات العسكرية في كييف، ولهذا تريد تفادي الأسوأ، انهيار أوكرانيا ولو بالتنازل عن أراض لصالح موسكو.
ـ «القدس العربي»:




