قمّة بيترو – ترامب: تراجع عن حافة الهاوية

قمّة بيترو – ترامب: تراجع عن حافة الهاوية
في محاولة لتجنّب سيناريو الفوضى الشاملة، توافَق ترامب وبترو على «فتح صفحة جديدة» تتّسق مع «الحسابات الداخلية» للطرفين، وذلك عقب أشهر من التصعيد والإهانات المتبادلة.
بهدوء، وخلف أبواب مُغلقة، وبعيداً من بروتوكولات الاستقبال المُعتاد المُخصّص لرؤساء الدول في الزيارات الرسمية، عقد كلّ من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ونظيره الكولومبي، غوستافو بيترو، اجتماعاً وُصف بـ«الإيجابي»، وذلك بعد أشهر من التوترات والإهانات المتبادلة، والتي وصلت حدّ تلويح ترامب بإمكانية تكرار سيناريو فنزويلا في كولومبيا. ووسط تمنّع بيترو عن الظهور في مظهر الخاضع لواشنطن، وإطلاقه، في فترة سابقة، ثلّة من المواقف التي ترتقي إلى مستوى «الإعلان عن الحرب»، في حال تجاوزت الأخيرة «الخطوط الحمر»، وفي ظلّ وجود «حسابات» داخلية لدى الطرفَين، تحتّم عليهما تهدئة التصعيد ومنعه من الوصول إلى حدّ بثّ الفوضى في كولومبيا وسائر القارة اللاتينية، بما في ذلك فنزويلا، حرص الرئيسان، خلال لقائهما، على الإيحاء بفتح «صفحة جديدة»، قائمة على التعاون في الملفات الأساسية، بدلاً من المواجهة.
وعلى الرغم من وصف بيترو نظيره الأميركي بـ«الصريح على غراره»، لم يُرفع بعد الرئيس الكولومبي عن «قائمة كلينتون» للعقوبات، بعدما تمّ إدراجه هو وزوجته وابنه ووزير داخليته، في تشرين الأول، في قائمة مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية (Ofac)، بزعم تورّطهم في «تجارة المخدّرات العالمية غير المشروعة». وإذ أكّد بيترو أنه لم يناقش، ولو لـ«ثانية»، المسألة المُشار إليها مع ترامب، إلا أنّه أكّد أن ما حصل معه لا يرتكز على «دلائل قانونية»، بقدر ما هو مرتبط بالتصريحات التي أدلى بها في نيويورك حول حرب الإبادة في غزة. وعلى الرغم من ذلك، منح الرئيس الكولومبي اللقاء علامة «9 من 10».
وعلى الجانب الأميركي، حضر إلى جانب ترامب كلّ من نائبه جيه دي. فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، والسيناتور الجمهوري من أصل كولومبي بيرني مورينو، فيما كان بيترو محاطاً بوزيرة خارجيته روزا فيلافيسينسيو، ووزير دفاعه بيدرو سانشيز، وسفيره في واشنطن دانييل غارسيا بينيا. وبناءً على الصور التي تمّ نشرها في وسائل الإعلام، بدا أن أجواء المحادثة كانت «مريحة وهادئة». وفيما تنصّ البروتوكولات، خلال مثل هذه اللقاءات، على تبادل الرؤساء للهدايا، قدّم ساكن البيت الأبيض لنظيره كتاب «فن الصفقة»، مُرفقاً إياه برسالة إهداء جاء فيها: «غوستافو، إنه لشرف كبير أحبّ كولومبيا» – بعدما كان قد وصفه سابقاً بـ«الرجل المريض» -؛ كما أهداه قبعته الحمراء التي كتب عليها: «اجعل أميركا عظيمة مرة أخرى»، والتي أصرّ بيترو على إضافة علامة التثنية إلى كلمة أميركا عليها، لتصبح «اجعل الأميركَتين عظيمتين مرة أخرى»، في إشارة إلى ضرورة أن يكون التعاون «متبادلاً» وقائماً على المصالح «المشتركة». من جهته، أهدى الرئيس الكولومبي ترامب الشوكولا والقهوة المصنوعتين محلياً، والذي يعكس هذا الأمر، على الأرجح، الجهود المبذولة لاستبدال زراعة الكوكا – المكوّن الأساسي للكوكايين – بمُنتجات أخرى في الداخل الكولومبي.
ناقش ترامب وبترو إمكانية تصدير الغاز الفنزويلي عبر كولومبيا
على أن الهدية الأثمن التي قدّمتها بوغوتا للإدارة الأميركية، كانت قد سبقت الزيارة، بعدما سلّمت الحكومة الكولومبية إلى الولايات المتحدة، الثلاثاء، أندريس فيليبي مارين سيلفا، المعروف باسم «بايب تولوا»، والذي تمّ تصنيفه كـ«زعيم مخدّرات». وخلال عملية التسليم، أكّد وزير الدفاع، بيدرو سانشيز، أن هذه الخطوة أظهرت أن «كولومبيا شريك موثوق به، وستواصل العمل مع الولايات المتحدة باحترام وتعاون، و(اتخاذ) إجراءات ملموسة لحماية المواطنين والتضييق على أولئك الذين يعتاشون على الجريمة».
وفي مؤتمر صحافي عُقد في المكتب البيضاوي عقب الاجتماع، سُئل ترامب عمّا إذا كان الطرفان قد توصّلا إلى اتفاق بشأن الإتجار بالمخدّرات، وهو ما ردّ عليه بإيجابية، قائلاً: «اتفقنا بشكل جيد للغاية. لم نكن أنا وهو أفضل الأصدقاء تماماً، لكنني لم أتعرّض للإهانة من تعليقاته لأنني لم أقابله أبداً». وأضاف ترامب أن الاجتماع كان «رائعاً ومُثمِراً للغاية»، وأنهما سيواصلان العمل «على قضايا أخرى، بما في ذلك العقوبات».
من جهته، وفي مقابلة مع إذاعة «كاراكول الكولومبية»، أشاد بيترو بترامب، مؤكداً أنّه يحب الأشخاص «الذين يقولون ما يشعرون به»، لأن «الصراحة تأتي أولاً». كما نوّه إلى أنه تمّت خلال الاجتماع مناقشة «إمكانية تصدير الغاز الفنزويلي عبر كولومبيا، ومكافحة تهريب المخدّرات، والخلاف مع الإكوادور في هذا الشأن». كذلك، وفي مؤتمر صحافي عُقد في السفارة الكولومبية في واشنطن، قال بيترو إن حكومته هي التي «ضبطت آلاف الأطنان من الكوكايين أكثر من أي وقت مضى في تاريخ البشرية»، ملمّحاً إلى أن على واشنطن تحمّل «حصتها» من المسؤولية عن أزمة المخدّرات، على خلفية وجود أرضية خصبة فيها لهذه التجارة. وممّا قاله: «أبلغت ترامب أنه علينا ملاحقة الزعماء المجرمين الذين لا يعيشون في كولومبيا بل في دبي ومدريد وميامي. والوكالات الأميركية تعرف من هم. وأنا سلمت أسماءهم للرئيس ترامب».
إزاء ذلك، تنقل صحيفة «نيويورك تايمز» عن جيمينا سانشيز، وهي ناشطة كولومبية في مجال حقوق الإنسان في مكتب واشنطن لشؤون أميركا اللاتينية، قولها إنّه على الرغم من التوترات خلال الأشهر الماضية، إلا أنّه في نهاية المطاف، «لم يكن من مصلحة الولايات المتحدة أن تكون في صراع مع حليفها الأكثر استراتيجية في مجال الإتجار بالمخدّرات»، وإنه بغضّ النظر عن تبدّل القيادات في البلدين، فإن اعتماد أحدهما على الآخر في هذا المجال «كان مفهوماً دائماً».
حسابات انتخابية؟
طبقاً لتقرير أورده «تشاتام هاوس» حول اللقاء، فإن ترامب يرغب، على الأرجح، قبيل الانتخابات النصفية الحاسمة في تشرين الثاني، في أن يُظهِر للناخبين الأميركيين الذين يعارضون تورّط الولايات المتحدة في «حروب لا متناهية»، أن تصرفاته تجاه حكومة بيترو تهدف إلى تجنّب تدخل عسكري واسع النطاق، ولا سيما في وقت يقف فيه الرئيسان على أعتاب «سنوات انتخابية مهمة». وعلى الأرجح، تضع الإدارة الأميركية نصب عينها أيضاً، الناخبين اللاتينيين الذين يراقبون تفاعلاتها مع كولومبيا، ولا سيما في فلوريدا، التي تضمّ القاعدة السياسية لوزير الخارجية، ماركو روبيو، وتُعدّ موطناً لجالية كولومبية كبيرة، إلى جانب العديد من الفنزويليين والكوبيين. وفي هذا السياق، تؤكّد سانشيز، في حديث منفصل إلى المعهد، أن «كلا الرئيسين يعرفان أنهما عندما يتحدّثان، فإنهما يتوجهان إلى دوائرهما الانتخابية».
إلى ذلك، فإن سيطرة كولومبيا الكاملة على مناطقها الحدودية مع فنزويلا، من شأنها أن تشكّل ركيزة أساسية في مكافحة الإتجار بالمخدّرات والجريمة المنظّمة وتنظيم الهجرة، وتحفظ استقرار كاراكاس، التي تجنّبت واشنطن، على الرغم من تورّطها فيها أخيراً، إشعال فوضى يصعب إخمادها على أراضيها.
وعلى الرغم من أن بيترو ليس مؤهّلاً، بموجب القانون الكولومبي، للترشّح لولاية جديدة، إلا أن مقاربته للعلاقات مع الولايات المتحدة قد تؤثّر على النتيجة، في وقت يتهمه فيه أعضاء المعارضة اليمينية بتدمير العلاقات مع «أهمّ حليف دولي للبلاد وخلق أزمة اقتصادية». وفي حال تمكّن بيترو من تخفيف التوترات، فسيكون ذلك بمثابة نجاح لائتلافه «باكتو هيستوريكو» (الميثاق التاريخي)، ومرشّحه إيفان سيبيدا. وعلى الرغم من أن ارتفاع نسبة التأييد الداخلي لبترو أخيراً، جاء على خلفية مواقفه الصلبة من واشنطن، فإنه في حال أفلح لقاء البيت الأبيض في تهدئة التوترات فعلياً، فهو قد يُسهِم في استمالة مختلف أطياف المجتمع الكولومبي لصالح الرئيس.
من جهته، كان مجتمع الأعمال الكولومبي يراقب عن كثب الاجتماع في واشنطن، ولا سيما أن علاقات تجارية كبيرة تربط بين البلدين، وأن ثمة ترجيحات بأن ترامب توجّه، خلف الكواليس، بطلب إلى نظيره بـ«تقليص علاقاته مع الصين». ذلك أنه وفي حين أن الولايات المتحدة هي الشريك التجاري الرئيسيّ لكولومبيا بشكل عام، فإن واردات الصين إلى البلاد تشهد نمواً متسارعاً. وفي تشرين الأول من عام 2023، رفعت الصين وكولومبيا علاقاتهما إلى مستوى شراكة استراتيجية تقوم على التجارة والاستثمار، قبل أن يبلغ حجم التجارة الثنائية في السلع، بحلول عام 2024، نحو 21 مليار دولار.
الاخبار اللبنانية




