مقالات

كيف يتبعونه..!!

كيف يتبعونه..!!

بروفيسور حسين علي غالب بابان
أكاديمي وكاتب كردي مقيم في بريطانيا

منذ أيام وأنا أقرأ كتابًا شيقًا ألّفه صديقي الصحفي المتخصص في التحقيقات الاستقصائية، يتناول فيه قضية حساسة ومعقدة للغاية ظاهرة «مدّعي النبوة»،الكتاب يوثّق قصة رجل أثار ضجة كبيرة في مجتمعه وشغل الرأي العام بتصرفاته وتصريحاته المثيرة، وبالأفعال الغريبة التي مارسها على أتباعه المؤمنين به.

وقد أهداني صديقي هذا الكتاب بحكم اختصاصي بعلم الأديان واللاهوت، ولأنني قرأت سابقًا العديد من الدراسات والكتب التي تناولت شخصيات مشابهة عبر التاريخ، فبعض هؤلاء اندثرت أفكارهم مع الزمن بينما تحولت أفكار آخرين إلى جماعات أو ديانات استمرت حتى يومنا هذا.

يروي الكتاب قصة حقيقية عاش الكاتب تفاصيلها يومًا بيوم متنقلًا بين الشهود وجامعًا للوثائق والصور والمعلومات.
وتبدأ الحكاية برجل بسيط يسكن إحدى المدن المصرية، خرج يومًا من المسجد بعد صلاة الظهر ثم أخذ يصرخ بطريقة هستيرية أمام الناس معلنًا أن «الوحي» قد نزل عليه، وأنه نبي مرسل في آخر الزمان لإصلاح المجتمع وأنه «رحمة للعالمين».

في البداية قد يبدو الأمر مألوفًا، فوسائل الإعلام تنقل باستمرار أخبار أشخاص يدّعون النبوة أو القداسة أو امتلاك قوى خارقة، وغالبًا ما يتحولون إلى مادة للسخرية،لكن الصادم في هذه القصة أن عددًا كبيرًا من الناس صدّقوا الرجل وآمنوا به، والأكثر غرابة أن أتباعه لم يكونوا من الجهلة أو الأميين كما يتوقع البعض، بل ضمّت دائرته أكاديميين وأطباء ومشاهير من العيار الثقيل وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.

استمرت دعوته عدة أشهر، إلى أن ألقت السلطات القبض عليه أثناء اجتماع مع عدد من أتباعه، بعدما أخبرهم أن «الوحي» سينزل عليه برسالة جديدة.
وخلال التحقيقات، تبيّن أنه حصل على مبالغ مالية كبيرة من أتباعه، وأقام علاقات منحرفة مع بعض النساء مستغلًا حالة التقديس التي أحاط بها نفسه، كما ادّعى بعض المرضى أنهم شُفوا بلمسته «المباركة»، بينما قال آخرون إنهم رأوه في الأحلام، أو شاهدوه يطير في السماء بجناحين أبيضين.

وفي النهاية، كشفت التحقيقات أنه كان يقدّم لبعض أتباعه مشروبات ممزوجة بمواد مهلوسة تؤثر في وعيهم وإدراكهم ، وبعدها ينقلوا للآخرين ما حدث لهم وهم لا يعلمون أنهم كانوا تحت تأثير مواد مهلوسة ” لا أكثر ولا أقل”.

وهنا يبرز السؤال الأهم ،لماذا يجد مثل هؤلاء دائمًا من يصدّقهم ويتبعهم..؟؟

برأيي لا يوجد سلاح حقيقي لمواجهة هذه الظواهر سوى نشر الوعي والعلم والمعرفة،وتعزيز التفكير النقدي حتى لا تبقى مجتمعاتنا فريسة للخرافة والجهل.

البريد الالكتروني
[email protected]

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب