لبنان خارج معادلة التهدئة: صمت عربي وعجز دولي يفتحان أبواب التصعيد

لبنان خارج معادلة التهدئة: صمت عربي وعجز دولي يفتحان أبواب التصعيد
بقلم:رئيس التحرير
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، يتكشف مشهد مقلق يعكس عمق الخلل في بنية النظامين العربي والدولي، حيث وجد لبنان نفسه مجددًا خارج معادلات التهدئة، عقب تصعيد عسكري خطير تمثل في قصف واسع يوم الأربعاء، دون أن يشمله أي مسار جدي لوقف إطلاق النار. هذا الواقع يثير تساؤلات مشروعة حول أسباب تغييب لبنان، وحدود الدور العربي، وفعالية المجتمع الدولي، وعلى رأسه الأمم المتحدة.
إن استثناء لبنان من ترتيبات وقف الحرب لا يمكن قراءته بمعزل عن منطق الانتقائية الذي يحكم السياسات الدولية، حيث تتقدم المصالح الاستراتيجية على حساب قواعد القانون الدولي ومبادئ العدالة. فلبنان، المثقل بأزمة اقتصادية غير مسبوقة وانهيار مؤسساتي عميق، يُترك اليوم ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، في ظل غياب مظلة حماية دولية حقيقية، وعجز واضح عن فرض قواعد اشتباك تضبط الانفجار المتدحرج.
وعلى المستوى العربي، فإن مشهد الصمت، أو الاكتفاء ببيانات إدانة تقليدية، يعكس حالة من التآكل في مفهوم العمل العربي المشترك. فلبنان، الذي يشكل استقراره جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، لم يحظَ حتى اللحظة بمبادرة سياسية فاعلة أو تحرك دبلوماسي قادر على كبح جماح التصعيد. وهو ما يطرح تساؤلًا أعمق حول قدرة النظام العربي على إعادة تعريف أولوياته في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة.
أما دوليًا، فتتجلى أزمة الإرادة السياسية في الاكتفاء بالدعوات إلى “ضبط النفس”، دون ترجمتها إلى إجراءات ملزمة. وهنا، تتكرس إشكالية ازدواجية المعايير، حيث تتباين سرعة الاستجابة الدولية تبعًا لحسابات النفوذ والمصالح، لا وفقًا لحجم الخطر أو المعاناة الإنسانية. ويغدو دور الأمم المتحدة أقرب إلى الإطار الشكلي، في ظل عجزها عن فرض وقف شامل لإطلاق النار يضمن حماية المدنيين ويمنع اتساع رقعة المواجهة.
إن استمرار هذا المسار ينذر بتداعيات خطيرة، ليس على لبنان فحسب، بل على مجمل الاستقرار الإقليمي، إذ إن تحويله إلى ساحة مواجهة مفتوحة من شأنه أن يجر المنطقة إلى دوامة تصعيد يصعب احتواؤها. فالتداخل بين الجبهات، وتشابك المصالح الإقليمية والدولية، يجعل من أي انفجار في لبنان نقطة ارتكاز لتوسع النزاع.
ختامًا، فإن المطلوب لم يعد بيانات تضامن أو دعوات تهدئة، بل تحرك عربي جاد يعيد الاعتبار لفكرة الأمن القومي المشترك، بالتوازي مع ضغط دولي حقيقي تقوده الأمم المتحدة لفرض وقف شامل لإطلاق النار يشمل لبنان دون استثناء. فترك لبنان وحيدًا في مواجهة النار ليس فقط فشلًا سياسيًا، بل مقامرة خطرة بمستقبل المنطقة بأسرها.




