ثقافة وفنون

لغة قصيدة النثر بين الصبيانية والعري

لغة قصيدة النثر بين الصبيانية والعري

محمد الديهاجي

في بداية هذا المقال، لا بد من أن أوضح بعض اللبس أو حتى سوء الظن الذي قد يطرحه العنوان إذا ما أخذناه بظاهره. عندما قدّمت هذا التوصيف في العتبة الرئيسية للمقال، كان ذلك على أساس أن الصبيانية اللغوية في الشعر ليست قدحا أو تنقيصا، بل تسمية أولى للأشياء، وأنّ العري اللغوي، ليس انحرافا أخلاقيا، بل فعلا محايدا، وتخفيفا من عبء التاريخ على الكلمات دلاليا وصرفيا وتركيبيا وحتى إيقاعيا أحيانا. فكيف تمكنت «قصيدة» ما بعد حداثة القصيدة أن تدفع باللغة الشعرية إلى هذه التخوم والأقاصي؟
ثمة في تاريخ قصيدة النثر العربية الكثير من الارتياب، مقارنة مع تاريخ حركة الشعر الحر. لقد ظهرت قصيدة النثر سنوات قليلة بعد ظهور الشعر التفعيلي، وذلك من خلال محاولات كل من محمد الماغوط وتوفيق الصائغ، التي توجت بمقال كتبه أدونيس 1960 في مجلة «شعر» اللبنانية (عدد 14) عن قصيدة النثر متأثرا بأطروحة سوزان برنار «قصيدة النثر من بودلير إلى يومنا هذا». وعلى الرغم من كل المحاولات التي قام بها «تجمع شعر» من أجل تأصيل هذا الوافد الجديد، ظلت مسألة الاعتراف بهذه التجربة الشعرية تتراوح بين مناصر ومشكك. وتبقى مقدمة ديوان أنسي الحاج «لن» 1960، بيانا حقيقيا لخّص فيه هذا الشاعر خصائص قصيدة النثر من خلال عناوين أساسية هي : الحرية والمجانية والوحدة العضوية والتكثيف والإيجاز مع تفجير اللغة من الداخل. فما هي مآلات اللغة الشعرية عند شعراء هذه التجربة الشعرية الجديدة؟
إذا كانت قصيدة الحداثة مع السياب والملائكة والبياتي وأدونيس وغيرهم من الشعراء المؤسسين، قد دفعت باللغة الشعرية إلى تخوم الغموض والانزياح، فإن قصيدة النثر تمثل لحظة انفجار حقيقي لهذه اللغة، حيث لم يعد الأمر يتعلق بتوسيع دوالها، بل بتفكيك بنياتها العميقة، وإعادة صياغة علاقتها بالإيقاع، والمعنى، والعالم. ففي هذا الأفق الجديد، تغدو اللغة الشعرية كتابة حرة، لا تخضع لأي معيار أو نظام مسبق، بل تؤسس قوانينها من داخل تجربتها الخاصة. لغة قادرة على تسمية الأشياء من جديد بما يخدم ويقوي التجربة الشعرية لحظة إبداعها، ولحظة كل قراءة حتى لو كانت للقارئ نفسه.
وقد ارتبط هذا التحول بأصوات شعرية متميزة، في مقدمتها أنسي الحاج، شوقي أبي شقرا، بول شاوول، عباس بيضون، محمد الماغوط، سركون بولص، ووديع سعادة، الذين قدّموا نماذج دالة على هذا الانفجار اللغوي، حيث تتراجع الحدود بين الشعر والنثر، أخذا بقول أبي حيان التوحيدي «أجود الكلام ما قام بين الشعر والنثر»، ليتحول النص إلى فضاء مفتوح، تتجاور فيه الشذرات، وتتقاطع فيه الأصوات، دون أن يجمعها نظام إيقاعي أو بلاغي تقليدي. تجربة جعلت من الكتابة الشعرية كتابة حدودية.. حدودية جدا بتعبير فيليب صولرز.
إن أول ما يلفت الانتباه في قصيدة النثر هو هذا التحرر الكامل من الإيقاع العروضي، بحيث لم يعد الوزن عنصرا محددا للشعرية، بل أصبح الإيقاع ينبع من داخل اللغة ذاتها، من تكراراتها، ومن توازياتها، ومن تقطعات حروفها، ومن توتراتها الداخلية، ومن توزع الجمل داخل النص. وهكذا، ينتقل الإيقاع من كونه بنية خارجية مفروضة، إلى كونه أثرا داخليا يتشكل لحظة الكتابة.
غير أن هذا التحرر الشكلي يوازيه تحول أعمق في طبيعة اللغة الشعرية، التي تميل، في قصيدة النثر، إلى البساطة الظاهرية، من دون أن تفقد كثافتها الدلالية، أليس السطح أكثر عمقا كما يرى جيل دولوز وقبله نيتشه. صحيح أن اللغة هنا تقترب من اليومي، من العادي والهامشي، من التفاصيل الصغيرة التي كانت، في الشعر التقليدي، خارج دائرة الاهتمام. غير أن هذا اليومي، لا يُقدَّم بوصفه واقعا مباشرا، بل بوصفه مادة لإعادة التشكيل، حيث يُعاد شحنه بدلالات جديدة، عبر الانزياح والتكثيف.
في هذا السياق، يمكن الوقوف عند تجربة سركون بولص، الذي جعل من التفاصيل اليومية، ومن الهامشي، مادة أساسية لقصيدته. فاللغة عنده لا تسعى إلى الارتفاع، بل إلى الاقتراب، لا إلى التزيين، بل إلى الكشف وخلق الدهشة من خلال المفارقة. إنها لغة «منخفضة» في ظاهرها، لكنها عميقة في أثرها، لأنها تنفذ إلى مناطق غير مرئية من التجربة الإنسانية، وتكشف عن هشاشتها. يقول مثلا في قصيدة «هناك رحلات» من ديوانه الأول» الوصول الى مدينة أين -1985»:
في نهاية كل كهف
شمعة تدعوني لأجلس الى مائدة
بكى عليها أجدادي وأقسموا وصاموا
وكل صيحة تنطلق من أية نافذة بعيدة
توقظني من أعمق أحلامي فأتبعها
كالأعمى الذي يغزو الهواء بيديه
نحو أقطار عدوة
هربت إليها عيناه وطولب بالجزية
أسمع الريح بأظافري
وأعرف أين تختبئ عروسي
هنا تتداخل الحواس بما يشبه تراسل الحواس، وتصبح اليدان عينين، والأظافر آذانا، الشيء الذي يضع اللغة في وضع آخر غير ذاك الذي وضعت له. في السابق
لغة سركون بولص الشعرية إذن، لغة صبيانية، تنطق الحروف مقلوبة. لغة كما قال عنها حسن ناظم في دراسة بعنوان مآل سركون بولص: «خادعة، فعلى الرغم من أن بواكيرها كانت توحي بانتمائها إلى عالم خرق المألوف، عالم خرق الألفة هو ظاهرها الذي يُبطن محاولة جادة في اختطاط طريق، عالم خلخلة البنى اللغوية ونزعة التحطيم في كتابه الشعري الوصول إلى مدينة أين، غير أنها لغة تجهد في شقّ طريق شعرية حقيقية. لأنها في بحثها عن هذا الطريق غير المستكشفة تبدو لغة تبحث عن الوضوح النهائي والمشرق لمعانٍ دقيقة وعميقة؛ معانٍ موجودة أولاً، وسلفاً، في ذلك المرجل المحموم للذات، معانٍ داخلية تعجز لغة الخرق البحتة عن الإتيان بها من الباطن المغشّى عليه. «
أما وديع سعادة، فيقدّم نموذجا آخر لقصيدة النثر، حيث تتسم اللغة بدرجة عالية من الصفاء والاختزال، إلى حد أنها تبدو، أحيانا، وكأنها تكتب الصمت بقدر ما تكتب الكلام. فالجملة الشعرية عنده قصيرة، مقتضبة، لكنها محمّلة بإيحاءات كثيفة، تجعل من الفراغ جزءا من المعنى، ومن الصمت عنصرا دلاليا. يقول مثلا في نص شعري قصير جدا، هو أقرب إلى الومضة، تحت عنوان «رجل في هواء مستعمل»:
إنَّهُ رملٌ مشبوه
تحت سماء حقيقية
وشاعر يقدّم برتقالةَ رأسه
بقليل من الكلمات لأوَّل
بوهيميّ.
رجُلٌ آخر
يحاول كتابةَ القصائد
وأمطار غزيرة
مقطع صغير يشكل نصا بأكمله، لشاعر يكتب بالبياض وبقليل من الكلمات، لدرجة أنه يمكن اعتبار هذا النص بمثابة بيان شعري للشاعر وديع سعادة. وليس بغريب على شاعرنا هذا النزوع البوهيمي في الكتابة ما دامت تقول كل شيء بأقل الكلمات، على عكس من يحاول فقط حتى لو خطت يداه آلاف القصائد. فهو كما قالت عنه الباحثة علياء الداية في تقديمها لأعماله الكاملة «إنسان ساخرٌ، مسافر، سابح». هذا ديدن الشعراء الجديرين بهذه الصفة. فالعبرة عندهم بالكيف وليس الكم. وهو ما جعل الشاعر الأبنوسي المغربي أحمد المجاطي، يطلق صيحته المدوية : « لسنا في حاجة إلى شاعر يكتب المئات من الدواوين وإنما إلى شاعر يكتب القصيدة الأولى.»
أشير في هذا السياق إلى أن كل واحد من شعراء قصيدة النثر العربية، اختار طريقته الخاصة في التعامل مع اللغة كخيار فني وجمالي من داخل المحددات العامة لهذا المقترح الشعري الجديد، كما حددتها سوزان برنار في أطروحتها السالف ذكرها.
والحاصل إن ما يميز اللغة الشعرية في قصيدة النثر هو هذا الميل إلى التشظي، حيث لا يعود النص وحدة متماسكة بالمعنى التقليدي، بل يصبح مجموعة من الشذرات، التي تتجاور وتتشاكل دون أن تندمج بشكل كامل. غير أن هذا التشظي (المجانية) لا يعني الفوضى، بل يشير إلى شكل جديد من التنظيم، يقوم على التوتر، وعلى العلاقات الخفية بين الأجزاء، بقوانين كارثية أحيانا بتعبير روني طوم.
ومن منظور تأويلي، يمكن القول إن قصيدة النثر تضع القارئ أمام تحدٍ مضاعف، إذ لم يعد بإمكانه الاعتماد على العلامات التقليدية للفهم، كالإيقاع أو الصور البلاغية الواضحة، بل أصبح مطالبا ببناء المعنى من خلال تتبع الإشارات الدقيقة، والفراغات، والانقطاعات. وهكذا، تتحول القراءة إلى فعل إبداعي، لا يقل تعقيدا عن الكتابة. كما أن هذه القصيدة تعكس تحولا في تصور الذات الشاعرة، التي لم تعد مركزا ثابتا للمعنى، بل أصبحت ذاتا متشظية، تعبر عن نفسها من خلال مقاطع، ولقطات، وبوليفونية ليست من عادات الشعر العربي. ومن هنا، فإن اللغة الشعرية لم تعد تعبّر عن “أنا” جماعية، بل عن “ذوات” متداخلة، تعيش في حالة من القلق واللايقين.
إن هذا الانفجار الحاصل في اللغة الشعرية يرتبط، في العمق، بتحولات أوسع مست بنية العالم المعاصر، حيث لم يعد الواقع يُدرك بوصفه كلًا متماسكًا، بل بوصفه شظايا، وصورًا متقطعة، وتجارب منفصلة مقوضة بذلك ثنائية المركز والهامش بالموازاة مع ما كان يحدث في فلسفة ما بعد الحداثة. وهكذا، فإن قصيدة النثر لا تعكس هذا الواقع فحسب، بل تعيد إنتاجه لغويا، عبر كتابة تقوم على الانقطاع (نظرية العماء/الكاوس)، وعلى كسر الاستمرارية.
غير أن هذا المسار، رغم راديكاليته الواضحة، لا يعني قتل الأب بصفة نهائية، بل يمكن النظر إليه بوصفه امتدادًا لتحولات بدأت مع الشعر الحر، وتعمقت مع قصيدة الحداثة. فقصيدة النثر لا تلغي الانزياح أو الغموض اللذان ظهرا مع شعراء الجيل السابق مثلا، بل تدفع بهما إلى أقصى حد، وتعيد صياغتهما في أفق جديد، أكثر تحررا وأكثر انفتاحا.
هكذا، يمكن القول إن قصيدة النثر تمثل ذروة التحول في اللغة الشعرية العربية المعاصرة، حيث تتحول اللغة من نظام إلى تجربة وحالة خاصة، ومن بنية إلى حدث، ومن وسيلة إلى غاية في ذاتها. ومن ثم، فإن فهم هذه القصيدة يقتضي إعادة النظر في مفهوم الشعر ذاته، وفي المعايير التي نحتكم إليها للحكم عليه، ما دامت المحددات ليست ثابتة، والشعر ليس بعلم خالص.

شاعر وناقد من المغرب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب